أبواب المجد الصامت: باب الرب…بوابة تحكي قصة شراب وتاريخ مدينة
أمينة المستاري
عند الجهة الجنوبية الغربية لأسوار مراكش العتيقة، ينتصب باب الرُّب، أو كما يسميه أهل المدينة الحمراء باب الرب( فتح الراء)، كواحد من الشواهد التي تختزن بين حجارتها فصولا من تاريخ المدينة.
فهذا الباب فضاء تتقاطع فيه السلطة والسياسة بالحياة اليومية للسكان، وتلتقي عنده طرق التجارة بتقاليد المجتمع. يقع بين باب الصالحة من جهة الشرق وباب الشريعة من الغرب، وقد تميز عن بقية أبواب مراكش باسم فريد ارتبط بمنتوج غذائي ظل حاضرا في ثقافة المنطقة لقرون طويلة.
يتخذ الباب شكلا شبه مستطيل ويتكون من مدخلين: خارجي وداخلي، يفصل بينهما ممر منعرج يفضي إلى فضاء مكشوف، ثم إلى قاعة مغطاة بقبة ذات زاوية بارزة يتوسطها قوس نصف دائري، إلى جانب غرفة صغيرة مستطيلة.
ويعكس هذا التخطيط الطابع الدفاعي الذي ميز أبواب العصر الموحدي، حيث جمعت بين الجمالية المعمارية والوظيفة العسكرية في آن واحد.
يظل باب الرُّب واحدا من المعالم التي تختصر تاريخ مراكش الوسيط؛ فقد كان فضاء تلتقي فيه التجارة بالرقابة الدينية، وتتجاور فيه الحياة الاجتماعية مع سلطة الدولة، كما أن اسمه يذكر اليوم بأن أبواب المدن القديمة لم تكن مجرد ممرات حجرية، بل صفحات حية تحفظ ذاكرة المكان وتروي قصصه عبر الزمن.
وتعود أقدم الإشارات الواضحة لهذا الباب في المصادر التاريخية إلى كتاب القرطاس، حيث يرد ذكره سنة 707هـ / 1308م في سياق حادثة تعكس الدور السياسي والأمني الذي أداه. فقد أمر السلطان المريني أبو ثابت المريني بتعليق رؤوس ستمائة من الخارجين عليه بين باب الرب وبرج الحرة عزونة، في مشهد كان يراد منه بث الرهبة وترسيخ هيبة السلطة، وبعد نحو أربعة عقود، عاد الجغرافي والمؤرخ شهاب الدين العمري إلى ذكر الباب ضمن معالم مراكش، مما يؤكد حضوره في الذاكرة الجغرافية والتاريخية للمدينة.
لكن رغم ذلك، ظل تاريخ تشييد الباب موضوع نقاش بين الباحثين، فبينما ذهب بعض المؤرخين إلى نسبته إلى العصر المريني، يرى عدد كبير من الدارسين أن ملامحه المعمارية قديمة ويعود على الأرجح إلى العصر الموحدي، حيث ترتبط بالباب حكاية تعود إلى زمن الخليفة الموحدي يعقوب المنصور.
فقد اشتهر هذا الخليفة بتشدده في محاربة الخمور داخل دولته، وتكشف رسالة رسمية بعث بها إلى سكان إشبيلية عن قلقه من إفراط الناس في استهلاك “الروب”، وهو شراب يصنع من عصير العنب بعد طبخه حتى يشتد قوامه.
ورغم أن هذا الشراب كان في الأصل مباحا ما دام غير مسكر، فإن استعماله المفرط أثار مخاوف السلطة من أن يتحول إلى وسيلة للتحايل على تحريم الخمر.
ومن هنا تشير بعض الروايات إلى أن السلطات الموحدية قررت تنظيم دخول هذا المنتوج إلى مراكش عبر باب واحد فقط، وذلك لتفادي استغلاله في تهريب الخمور إلى داخل المدينة.
ويرجح أن هذا الإجراء الرقابي كان وراء تسمية الباب بـ”باب الروب”، وهو اسم قد يكون ظهر في عهد يعقوب المنصور نفسه.
ويجد هذا التفسير ما يعززه في الواقع الجغرافي والاقتصادي للمنطقة، فمراكش كانت قريبة من وادي نفيس المعروف بكروم العنب، كما أن سكان جبال الأطلس من قبائل المصامدة اعتادوا استهلاك “الروب” ضمن نظامهم الغذائي، خاصة لمواجهة برودة المرتفعات.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذا الشراب كان يقدم أحيانا في المناسبات العامة؛ إذ يذكر المؤرخ، ابن صاحب الصلاة، أن الخليفة يعقوب المنصور أقام وليمة كبرى استمرت خمسة عشر يوما، شرب خلالها الناس الروب الممزوج بالماء بعد الطعام.
وبذلك لم يكن باب الرب مجرد مدخل عادي للمدينة، بل شكل نقطة عبور حيوية بين مراكش والقبائل الجبلية المحيطة بها، حيث كانت المنتجات القادمة من الأطلس تمر عبره نحو أسواق المدينة، كما ساعد موقعه الجغرافي، المفتوح على الطرق المؤدية إلى الأطلس الغربي، على تعزيز هذا الدور الاقتصادي.
وكانت للباب وظائف متعددة في حياة مراكش، فمن الناحية المجالية، كان صلة وصل بين النواة المرابطية للمدينة وأحياء مجاورة مثل حومة أكادير وحومة الصالحة، كما كان ممرا نحو المصلى وسوق بيع الأبقار والأغنام.
أما من الناحية الأمنية، فقد كان نقطة مراقبة للداخلين والخارجين من المدينة، ومكانا لاستخلاص الرسوم والضرائب، بل ومنصة لعرض مظاهر الردع السلطوي، كما حدث حين علقت رؤوس المتمردين عنده في العصر المريني.
أكادير.. إطلاق مشروع إعادة بناء المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني
▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬▬ لمتابعتنا Instagramhttps://www.instagram.com/m24tv_map/ Facebookhttps:/…




