إسبانيا التي في خاطري

تقدم الحكومة الإسبانية بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيث نموذجا متفردا في استقلالية القرار السياسي إزاء إدارة الأزمات الدولية ونبذ التبعية العمياء للولايات المتحدة في ظل حالة الاستقطاب الدولي الحاد. فقد تمايزت مواقف إسبانيا من الحرب على إيران ، ومن قبلها من الحرب الإسرائيلية على غزة ، عن بقية مواقف شركاء الولايات المتحدة وحلفائها سواء داخل حلف الأطلسي أو في الاتحاد الأوروبي.
فقد أحجمت مدريد منذ البداية عن الانخراط في أي مجهود حربي ضد إيران على اعتبار أن المشاركة في أي تحالف دولي يجب أن تكون تحت مظلة الأمم المتحدة وبما يتوافق والقانون الدولي . وتفعيلا لهذا المبدأ رفضت أن تكون قاعدتا روطا ومورون في جنوبي إسبانيا – اللتان تديرهما الولايات المتحدة وإسبانيا بشكل مشترك منذ خمسينيات القرن الماضي- منطلقا لشن أي عمليات عسكرية ضد إيران. وعلى المستوى السياسي اعتبر رئيس الحكومة أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية تعد تدخلا عسكريا خطيرا وغير مبرر ، وانتهاكا للقانون الدولي.
بمواقفها هذه تبدو إسبانيا حريصة على التوازنات الإقليمية والدولية من منطلق فهمها الواعي والعميق لطبيعة التعقيدات الجيوسياسية لهذه الحرب متعددة الأبعاد ، خصوصا في ما يتصل بالأهمية الحيوية لقطاعي الطاقة وحركة الملاحة البحرية ، والسعي لحفظ الاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات. ولئن جرَّت هذه المواقف على إسبانيا نقمة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي لوَّح بفرض حظر كامل على صادراتها للولايات المتحدة، إلا أن ذلك لم يمنعها من وصف الحرب على إيران بالعمل الطائش والمتهور ، والجهر برفضها مساعدة الولايات المتحدة في تأمين مضيق هرمز.
وتجد مواقف الحكومة الإسبانية في مجال السياسة الخارجية صدى في الشارع الإسباني ، إذ يمكن القول إن الموقف الشعبي من الحرب على إيران يعد امتدادا للموقف الرسمي ( 68 في المائة من الإسبان يعارضون الحرب على إيران وفق أحدث استطلاعات الرأي) ويمنح الحكومة سندا شعبيا لمجابهة الضغوط والابتزازات أيا كان مصدرها.
وكذلك الحال بالنسبة للحرب على غزة التي كان بيدرو سانشيث أول زعيم أوروبي يصفها بحرب الإبادة ضمن موقف مهَّد ، أوروبيا ، لاعترافات متوالية بالدولة الفلسطينية.
على أن خلافات مدريد مع إدارة الرئيس ترمب ليست وليدة الساعة. في يناير من عام 2026 رفض بيدرو سانشيث العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا التي أفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو معتبرا أنها تشكل سابقة خطيرة وانتهاكا للقانون الدولي. ورفضت إسبانيا خلال قمة حلف الأطلسي عام 2017 إبان ولاية ترمب الأولى رفع موازنة الإنفاق الدفاعي في النيتو بنسبة 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ، وهو ما جعل الرئيس الأمريكي يهدد لاحقا بطرها من الحلف الأطلسي وفرض عقوبات تجارية عليها. كما أنها تعارض صراحة سياسات ترمب في مجال الهجرة غير النظامية التي اتخذ منها فزاعة لملاحقة وترحيل جحافل المهاجرين واللاجئين.
باختيارها الاصطفاف إلى جانب الشرعية والتقيد بالقانون الدولي، تسعى إسبانيا للنأي بنفسها عن الصراعات الدولية أحادية الجانب التي تقودها الولايات المتحدة وتجر إليها أقرب حلفائها. فمن الجلي أن رئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيث لا يريد أن يكون نسخة منقحة ومزيدة من خوصي ماريا أثنار ، زعيم الحزب الشعبي اليميني المحافظ ، الذي زج بإسبانيا في الحرب على العراق عام 2003 ، وجعل شعبيتها في العالمين العربي والإسلامي تهوى إلى القاع ، ووضعها في دائرة استهداف تنظيم القاعدة الذي نفذ في مارس 2024 عمليات إرهابية غير مسبوقة في مدريد.
وإذ ينظر إلى هذه الحزمة من المواقف المتواترة ، ومن بينها تقارب تجاري لافت مع الصين، على أنها مؤشر دال على تحولات عميقة في السياسة الخارجية لإسبانيا ، تدفع مواقف حكومة مدريد هذه إلى طرح تساؤلات ملحة بشأن خلفياتها ومقاصدها. فقد جازفت إسبانيا بخروجها عن الإجماع الغربي وتغريدها خارج السرب بعلاقاتها مع الولايات المتحدة بداية حينما قررت الاعتراف بدولة فلسطين وسحب سفيرتها من تل أبيب، مرورا بدعمها لقرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن الإبادة الدامعة في غزة ، وانتهاء بموقفها الرافض للحرب على إيران بما جعلها في قلب مواجهة سياسية مباشرة مع الرئيس دونالد ترمب.
يصعب ، والحال هذه ، الاتفاق ولو في الحد الأدنى على ما يبرر مثل هذه الجرأة السياسية في سياق يتسم بالاصطفافات السياسية الحادة. لفهم خلفيات القرارات الإسبانية ، قد يسعف ربط هذه المواقف بحسابات سياسة داخلية يتصل بعضها بسعي الائتلاف الحكومي الذي يضم إلى جانب الحزب الاشتراكي العمالي تحالف “سومار” اليساري إلى الفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة وقطع الطريق أمام اليمين المتطرف. أما على صعيد حسابات الخارج ، فالمؤكد أن مدريد ، وهي التي تربطها مصالح اقتصادية بمنطقة الشرق الأوسط، لا تريد لأوروبا أن تتورط في حرب سيكون لها تبعات سلبية على الصعيد الاقتصادي ناهيك عن حالة من عدم الاستقرار غير معروفة خواتمها.
الثابت في هذه المعادلة هو أن إسبانيا شقت عصا الطاعة على الولايات المتحدة وانسلت من عباءتها، ومع أن مواقف دول الاتحاد الأوروبي إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اصطبغت عموما بالضبابية والتحفظ وانعدام التناغم ، إلا أن إسبانيا عبدت الطريق أمام أوروبا وأوجدت لها من السبل ما قد يدفعها ، في مرحلة ما من العلاقات غير المتكافئة بين الجانبين ، إلى القطع مع سياسة التبعية لواشنطن وأسست لما قد يكون مدخلا لقطيعة استراتيجية مع الشقيق الأكبر.
هيمنة المستثمرين المؤسساتيين المغاربة على تداولات البورصة بحصة 66,6%
أفادت الهيئة المغربية لسوق الرساميل بأن بنية المستثمرين في سوق البورصة تتميز بالحضور القوي…










