Home الصحافة المغربية الانتماء بعد الحدود

الانتماء بعد الحدود

الانتماء بعد الحدود

هويات عابرة في عالم افتراضي

يشهد العالم تحوّلا عميقا في طرائق إنتاج المعنى وتداوله، نتيجة الانتقال من نموذج اتصالي تقليدي تمحور حول المؤسسة الإعلامية إلى فضاء رقمي شبكي تتداخل فيه الذوات والخطابات والصور في زمن فوري. ضمن هذا الأفق، لم يعد الإعلام قناة لنقل الخبر أو الرأي، بل غدا محيطا يوميا تتشكل داخله الخبرة الإدراكية والوجدانية للإنسان. هذا التحول يضع سؤال الهوية في قلب إشكال جديد يتصل بكيفية تشكّل الذات في بيئة تتكاثر فيها صورها، وكيف يعاد بناء الانتماء في فضاء يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

في هذا السياق، يذهب مانويل كاستلز إلى أن إنتاج السلطة والمعنى انتقل من المراكز الصلبة إلى الشبكات المتداخلة التي تعيد توزيع القوة الرمزية، بينما يرى زيغمونت باومان أن السيولة التي تطبع الحداثة المعاصرة أزاحت الأطر المستقرة للهوية، ودفعت الفرد إلى إعادة التفاوض المستمر مع ذاته ومحيطه. من هنا تبرز الحاجة إلى فهم العلاقة بين الإعلام الرقمي والهوية في أفق فلسفي يربط التقنية بالبناء الرمزي، ويستحضر دور الاقتصاد الثقافي في إعادة إنتاج المعنى.

إن ثمة ما يلهمنا بأن الهوية، هي بالأساس عملية تشكّل متواصلة تتداخل فيها اللغة والذاكرة والرموز وأنماط العيش. وقد أبرز بول ريكور أن الذات تُبنى عبر السرد، أي من خلال قدرة الإنسان على تأويل تجربته ضمن حكاية تمنحه الاتساق والاستمرارية. ففي السابق، كانت مؤسسات التنشئة تضطلع بدور محوري في بناء هذا السرد، أما اليوم فقد أضحت المنصات الرقمية فاعلا مركزيا، حاملة منطقا يقوم على السرعة والتفاعل والاقتصاد القائم على جذب الانتباه. وفي امتداد لهذا التحليل، يوضح جان بودريار أن عالم الصور قد يتقدم على الواقع ذاته، حيث تتكاثر التمثلات وتعيد تشكيل الإدراك، وهو ما يتجلى بوضوح في البيئة الرقمية التي تُعرض فيها الذات وتُعاد صياغتها باستمرار.

اللغة بدورها تعرف تحولات ملموسة داخل هذا الفضاء، إذ تتراجع مركزيتها لصالح الصورة والرموز المختزلة، ما يخلق اقتصادا جديدا في التعبير. وقد أشار مارشال ماكلوهان إلى أن الوسيط يؤثر في طبيعة الرسالة، وهو ما يجعل إيقاع السرعة والاختزال مؤثرًا في بنية المعنى ذاته. هذا الوضع يفتح إمكانات إبداعية واسعة، لكنه يضع أيضًا الخطاب أمام خطر التسطيح، حيث تتقدم الإثارة على التأمل. وفي الآن نفسه، تطرح هيمنة اللغات العالمية إشكال التوازن اللغوي، خاصة وأن بيير بورديو يعتبر اللغة رأسمالا رمزيا يمنح موقعا وسلطة داخل الحقل الاجتماعي.

أما على مستوى الوعي، فقد أصبح انتقاء المحتوى خاضعا بشكل متزايد لعمل الخوارزميات، التي ترتب ما يظهر للمستخدم وفق معايير غير مرئية. هذه الآليات تؤثر في تشكيل الرأي العام، وتعيد ترتيب أولويات النقاش. وفي هذا الإطار، يؤكد يورغن هابرماس أهمية المجال العمومي كفضاء للنقاش العقلاني، غير أن الفضاء الرقمي يخضع في كثير من الأحيان لمنطق الانتشار السريع، حيث تتقدم المضامين الجذابة على التحليل العميق. ويتقاطع ذلك مع تصور غي ديبور الذي يرى أن المجتمع المعاصر يميل إلى تحويل الحياة إلى عرض دائم، تصبح فيه الهوية عنصرًا بصريًا يسعى إلى جذب الانتباه.

وقد أفرز هذا الوضع أنماطا جديدة من الانتماء، تقوم على الاهتمام المشترك بدل الارتباط بالمجال الجغرافي، ما يعزز التعدد ويتيح أشكالًا جديدة من التفاعل، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى انغلاق داخل دوائر متشابهة. ويستحضر هذا التحول ما ذهب إليه بنديكت أندرسون حول الجماعات المتخيلة، حيث تتشكل الهويات عبر وسائط التواصل، وهو ما يتضاعف اليوم بفعل التداخل بين هذه الجماعات.

في موازاة ذلك، تبرز تحديات تتصل بتسليع الرموز الثقافية وخضوعها لمنطق السوق، وبهيمنة الفاعلين التقنيين على البنية التحتية للمجال الرقمي، فضلًا عن تراجع المرجعيات العميقة لصالح الإيقاع السريع. وقد نبه ميشيل فوكو إلى أن السلطة تتجلى في تنظيم المعرفة وتوجيهها، وهو ما يجد امتدادًا له في التحكم بالخوارزميات وتدفقات المعلومات.

أمام هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى بناء وعي نقدي يتجاوز الاستخدام التقني نحو فهم آليات الاشتغال الرقمي، مع العمل على إدماج التراث في الفضاء الرقمي لضمان استمراريته، ودعم الإنتاج المعرفي المحلي بما يحقق توازنا بين الانفتاح والخصوصية، إلى جانب بلورة سياسات عمومية تربط التحول التكنولوجي بالبعدين الثقافي والرمزي.

تتطلب هذه اللحظة التفكير في الهوية باعتبارها بناءً متجددا، يتشكل في تفاعل دائم مع التحولات التقنية والثقافية. ويؤكد تشارلز تايلور أن الاعتراف عنصر حاسم في تشكّل الذات، وهو ما يكتسب بعدًا مضاعفًا في الفضاء الرقمي الذي يتحول إلى ساحة دائمة للتعبير والتفاوض حول المعنى.

النتيجة في اعتقادي، أن الهوية في زمن الشبكات ليست معطى مكتملا، بل أفق مفتوح يتشكل عبر التفاعل والاختيار. والتحدي يتمثل في توجيه هذا التحول بما يحفظ التوازن بين الانخراط في العالم الرقمي وصون الخصوصيات الثقافية، حتى يظل هذا الفضاء مجالًا لتجديد المعنى وتعزيز التنوع، لا لتقليصه أو إفراغه من محتواه.

The post الانتماء بعد الحدود appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مصطفى غَلْمــانمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

8 − four =

Check Also

وثائق مغربية تقف حجر عثرة أمام تسوية وضعية آلاف المهاجرين بإسبانيا

زنقة 20 | الرباط في خطوة كان يُفترض أن تتحول إلى نافذة أمل لآلاف المغاربة المقيمين بإسباني…