البطالة، قرار لا قدر

قراءة في العلاقة بين سوق العمل والاقتصاد السياسي
عندما نستمع إلى نشرات الأخبار الاقتصادية، غالباً ما نسمع عن “معدلات البطالة” كأرقام مجردة، نسب مئوية ترتفع أو تنخفض، ومؤشرات خضراء أو حمراء على شاشات البورصة. لكن خلف كل نقطة مئوية تنخفض أو ترتفع، هناك حياة إنسانية معلقة، هناك كرامة تنتظر فرصة، وهناك أسئلة جوهرية لا يجيب عنها الاقتصاد التقليدي وحده. هنا يأتي دور “الاقتصاد السياسي”، تلك العدسة السحرية التي لا تنظر إلى البطالة كخلل تقني في السوق، بل كنتاج حتمي لعلاقات القوة، وتوزيع الثروة، وقرارات السياسة.
الوهم الكبير: السوق المحايد
يخبرنا الاقتصاد الكلاسيكي أن السوق آلة ذاتية التنظيم، إذا زاد العرض (العمال) على الطلب (الوظائف)، ستنخفض الأجور حتى يتوازن الميزان. لكن الواقع الإنساني، والاقتصاد السياسي معاً، يفضحان هذا الوهم. البطالة اليوم ليست مجرد نقص في الوظائف، بل هي “خيار هيكلي”. في ظل هيمنة رأس المال العالمي، أصبحت الشركات تملك قدرة هائلة على نقل مصانعها من دولة إلى أخرى بحثاً عن اليد الأرخص، تاركة وراءها مجتمعات بأكملها تعاني من البطالة الهيكلية. هنا، تتحول البطالة من مشكلة اقتصادية إلى أداة ضغط سياسية، فالعامل الذي يخاف من فقدان وظيفته، هو عامل أقل مطالبة بحقوقه، وأكثر قبولاً بشروط العمل المجحفة.
دور الدولة: الحكم أم اللاعب؟
في قلب تحليل الاقتصاد السياسي للبطالة، يقف سؤال جوهري: ما دور الدولة؟ هل هي “حارس ليلي” يراقب السوق من بعيد كما تريد أيديولوجيات النيوليبرالية، أم هي “فاعل رئيسي” تضمن الحق في العمل كجزء من العقد الاجتماعي؟ تاريخياً، عندما تبنت الدول نموذج “الرعاية الاجتماعية”، كانت البطالة تُعالج كمرض اجتماعي يجب شفاؤه عبر التشغيل المباشر ودعم الصناعات الوطنية. أما اليوم، ومع تراجع دور الدولة لصالح خصخصة الخدمات وتقليص الإنفاق العام، تحولت البطالة إلى “مسؤولية فردية”. أصبح العاطل عن العمل موصوماً بالكسل أو نقص المهارة، بينما يتم تجاهل أن النظام الاقتصادي نفسه قد صُمم ليعتمد على “جيش احتياطي من العاطلين” لإبقاء الأجور منخفضة والأرباح مرتفعة.
التكنولوجيا والعولمة: وجهان لعملة واحدة
لا يمكن الحديث عن البطالة اليوم دون لمس الجرح النازف للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. يروج البعض لفكرة أن التكنولوجيا ستخلق وظائف جديدة كما فعلت في الماضي، لكن الاقتصاد السياسي يحذرنا من الفارق النوعي. الثورة الصناعية الرابعة لا تستبدل العضلات بالعجلات فقط، بل تستبدل “العقل البشري” بالخوارزميات. الخطر هنا ليس في فقدان الوظيفة فحسب، بل في “تفكك العلاقة بين العمل والدخل”. عندما تتركز ثروة التكنولوجيا في يد شركات عملاقة قليلة، بينما يتشتت العمل في وظائف “الاقتصاد التشاركي” بدون ضمانات، فإننا نرى تجسيداً صارخاً لصراع الطبقات بصيغة حديثة. البطالة هنا لا تعني فقط عدم العمل، بل تعني العمل بدون أمان، وهو ما يولد طبقة جديدة من “الفقراء العاملين” بجانب العاطلين تماماً.
البطالة كقضية كرامة واستقرار
في النهاية، يخبرنا الاقتصاد السياسي بأن البطالة هي المؤشر الأصدق على صحة “العقد الاجتماعي”. عندما ترتفع البطالة لفترات طويلة، لا ينهار الاقتصاد فقط، بل ينهار النسيج الاجتماعي. الشعور بالإقصاء الاقتصادي يتحول بسرعة إلى غضب سياسي، واضطرابات اجتماعية، وفقدان للثقة في المؤسسات. لذا، فإن معالجة البطالة لا تكمن فقط في دورات تدريبية أو حوافز ضريبية للشركات، بل تتطلب إعادة توزيع للثروة، وتقوية للنقابات العمالية، وإعادة تعريف لدور الدولة لضمان أن النمو الاقتصادي لا يخدم جيوب المساهمين فقط، بل يخدم كرامة الإنسان.
خاتمة
البطالة اليوم ليست قدراً اقتصادياً، بل هي نتيجة لقرارات سياسية. وبفهمنا للاقتصاد السياسي، ندرك أن حلها لا يكمن في انتظار “السوق” ليقوم بواجبه، بل في إرادة مجتمعية وسياسية تضع الإنسان في مركز المعادلة، قبل الربح، وقبل الكفاءة المجردة. الأرقام قد تخبرنا بكمية العاطلين، لكن فقط التحليل السياسي العميق يخبرنا بـ “لماذا” هم عاطلون، و”لمن” يخدم هذا الغياب عن العمل.
-باحث في العلوم السياسية
The post البطالة، قرار لا قدر appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
