Home الصحافة المغربية “البوليساريو” والجزائر في الميزان الأمني الأمريكي

“البوليساريو” والجزائر في الميزان الأمني الأمريكي

“البوليساريو” والجزائر في الميزان الأمني الأمريكي

لم يعد ما يجري في واشنطن بخصوص “جبهة البوليساريو” مجرد صدى لسجال دبلوماسي بعيد، ولا مجرد تفاعل سياسي عابر مع ملف الصحراء المغربية. الجديد الأهم أن المقاربة الأمريكية بدأت تتحرك، على مستوى مؤسساتي صريح، من منطق النظر إلى البوليساريو باعتبارها طرفا في نزاع إقليمي مفتعل، إلى منطق مساءلتها من زاوية أمنية أوسع.

هذا التحول لا يستند إلى مقال هنا أو تصريح هناك، بل إلى وقائع تشريعية واضحة داخل الكونغرس الأمريكي نفسه، بدأت في مجلس النواب ثم امتدت إلى مجلس الشيوخ، بما يعكس أن جزءا من أهم المؤسسات السياسية الأمريكية لم يعد يتعامل مع الملف باعتباره مجرد نزاع يستوجب حلا سياسيا-أمميا، بل باعتباره أيضا مصدر قلق أمني-استراتيجي يتصل بإيران وبأمن شمال إفريقيا والساحل.

البداية كانت في 24 يونيو 2025، حين قُدم في مجلس النواب مشروع القانون H.R. 4119 تحت اسم Polisario Front Terrorist Designation Act. . أهمية هذا النص لا تكمن فقط في عنوانه، بل في مضمونه أيضا. فهو يطلب من الإدارة الأمريكية إعداد تقرير مفصل عن قيادة البوليساريو وعملياتها العسكرية ورعاتها الأجانب، كما يدعو إلى تقييم علاقاتها ودعمها وتمويلها وارتباطاتها بإيران وروسيا، مع فحص ما إذا كانت تستوفي شروط التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية. بعبارة أوضح، واشنطن هنا لا تناقش فقط توصيفا سياسيا، بل تفتح مسارا مؤسساتيا لفحص البوليساريو من داخل البنية القانونية الأمريكية الخاصة بالعقوبات والإرهاب.

ثم جاء التطور الأحدث يوم 13 مارس 2026، حين أعلن السيناتورات تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت تقديم مشروع Polisario Front Terrorist Designation Act of 2026 في مجلس الشيوخ. ووفق الصياغة المعلنة، فإن المشروع يطلب من وزير الخارجية الأمريكي تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية إذا ثبت تعاونها مع جماعات إيرانية سبق تصنيفها إرهابية. انتقال الفكرة من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ ليس تفصيلا إجرائيا بسيطا، بل دليل على أن المسألة لم تعد محصورة في مبادرة معزولة، وإنما دخلت مستوى أعلى من التموقع داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.

والأهم من ذلك أن مشروع مجلس النواب نفسه لم يبق عند دائرته الأولى. فخلال الأسابيع الأخيرة توسعت قائمة المؤيدين داخل الكونغرس، حيث انضمت النائبة الجمهورية كلوديا تيني يوم 9 مارس 2026 إلى النص الذي كان قد استقطب قبل ذلك دعما إضافيا، لتصبح عاشر برلماني أمريكي يدعم المبادرة بين الراعي الأساسي والمساندين الرسميين، وذلك بعد أيام قليلة من انضمام دون بايكن. قد تبدو هذه التفاصيل تقنية، لكنها سياسيا مهمة جدا، لأنها تعني أن الدفع نحو إعادة توصيف البوليساريو لم يعد موقفا فرديا، بل صار يراكم دعما متدرجا داخل واشنطن.

في هذا السياق بالضبط، يأتي المقال الذي نشرته منصة Semafor الأمريكية (وهي منصة إخبارية دولية معنية بالسياسة والاقتصاد والشؤون الأمنية) يوم 17 مارس 2026 بقلم جيسون دي. غرينبلات، المبعوث السابق للبيت الأبيض إلى الشرق الأوسط خلال إدارة دونالد ترامب الأولى. وتزداد أهمية هذا المقال بالنظر إلى سياق صدوره وطبيعة الجهة التي نشرته وهوية كاتبه. فنحن أمام منصة أمريكية معروفة بمتابعتها للشؤون السياسية والدولية، وأمام كاتب سبق له أن شغل موقعا بارزا داخل الإدارة الأمريكية في ملف الشرق الأوسط.

كما أن المقال لا يأتي في فراغ، بل يندرج ضمن مسار أوسع راكمته خلال السنوات الأخيرة تقارير إعلامية دولية ومواد تحليلية متعددة تناولت الروابط المقلقة بين البوليساريو وإيران وحزب الله. ومن هذه الزاوية، يكتسي النص أهمية خاصة لأنه يعكس استمرار حضور هذا الطرح داخل دوائر التحليل الأمريكية، ويؤشر إلى أن المقاربة الأمنية لهذا الملف لم تعد محصورة في نطاق ضيق، بل أصبحت تجد لها امتدادا أوضح في النقاشات المتصلة بالأمن الإقليمي ومخاطر الوكلاء المسلحين.

الأهم في هذا المقال أنه لا يقدم البوليساريو بوصفها مجرد ملف نزاع محلي، بل يضعها ضمن نموذج إيراني أوسع يقوم على رعاية حركات مسلحة غير نظامية بعيدا عن الحدود الإيرانية، عبر التدريب والتسليح والتمويل والتأطير الإيديولوجي، كما حدث في لبنان واليمن وغزة. وهو يذكّر بأن إيران اعترفت بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” منذ 1980، وأن المغرب سبق أن اتهم إيران وحزب الله بتقديم التدريب والدعم اللوجستي والتسليح لعناصر البوليساريو. كما يربط المقال بين استهداف استقرار المغرب وبين ضرب مصالح الولايات المتحدة نفسها، بالنظر إلى موقع الرباط كشريك أمني موثوق لواشنطن في شمال إفريقيا.

هذه المعطيات لا تنشئ الملف من الصفر، لكنها تمنح النقاش الأمريكي الجاري خلفية تفسيرية أوضح بمنطق: “لسنا فقط أمام نزاع، بل أمام احتمال أن تكون إيران قد وجدت في البوليساريو موطئ قدم إضافيا في شمال إفريقيا”. هنا تحديدا تتجلى الدلالة الكبرى بالنسبة إلى المغرب. فالمغرب دافع طويلا عن فكرة أن قضية الصحراء المغربية لا يمكن عزلها عن سؤال الاستقرار الإقليمي، ولا عن أخطار التسلح والاختراقات العابرة للحدود. خصومه حاولوا دائما إبقاء الملف داخل قفص سياسي ضيق، وكأن الأمر مجرد مطالبة انفصالية منفصلة عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بها.

لكن ما يجري الآن في واشنطن يوحي بأن هذا القفص بدأ يضيق على أصحابه. حين تبدأ المؤسسة الأمريكية في فحص البوليساريو من زاوية العلاقات المحتملة بإيران والجماعات المتصلة بها، فإن المغرب لا يعود فقط بلدا يدافع عن وحدته الترابية، بل يظهر أيضا كشريك للدولة الأمريكية في منع تشكل بؤرة اختراق جديدة في شمال إفريقيا. هذا انتقال بالغ الأهمية، لأنه ينقل مركز الثقل من سؤال “من يطالب بماذا؟” إلى سؤال “من يهدد ماذا؟”.

لكن المكسب المغربي هنا لا يقتصر على إحراج البوليساريو وحدها. فهناك طرف آخر سيكون بالتأكيد معنيا، سياسيا وأمنيا ودبلوماسيا، بأي تحول أمريكي في اتجاه التصنيف الإرهابي، وهو الجزائر. ذلك أن المشكلة لن تبقى عند حدود توصيف جبهة مسلحة، بل ستطال بالضرورة البيئة التي تؤويها وتمنحها الغطاء و”الشرعية” والقدرة على الاستمرار. ومشروع H.R. 4119 نفسه لا يتحدث عن البوليساريو كجماعة تنشط في الصحراء فقط، بل يذكر صراحة منطقة تندوف في الجزائر، ويدعو إلى فحص الرعاية الأجنبية والعلاقات الخارجية.

لذلك، إذا أخذت واشنطن هذا المسار إلى نهايات أبعد، فإن الجزائر ستواجه سؤالا ثقيلا: كيف ستفسر استمرار احتضانها السياسي واللوجستي لكيان يجري فحصه داخل الكونغرس الأمريكي من زاوية الإرهاب والعلاقات مع إيران؟

وهنا تبدأ الكلفة الحقيقية. فإذا تحولت البوليساريو، ولو تدريجيا، من ورقة نزاع إلى عبء أمني في نظر واشنطن، فإن الجزائر ستجد نفسها في موقع دفاعي صعب. لن يكون الأمر مجرد خلاف مع المغرب حول الصحراء، بل شبهة ارتباط بدعم أو رعاية أو تسهيل وضعية فاعل مسلح تتوسع داخل العاصمة الأمريكية الدعوات إلى وضعه في خانة الإرهاب.

وهذا ليس ملفا يمكن للجزائر أن تديره بسهولة عبر الخطاب التقليدي أو عبر إعادة تكرار سردية “تقرير المصير”، لأن منطق الأمن حين يدخل على الخط يعيد ترتيب الأولويات كلها. الدول الغربية قد تتسامح مع نزاع سياسي طويل، لكنها لا تتسامح بالقدر نفسه مع بيئات يشتبه في أنها تتيح التموضع أو الحركة أو الغطاء لفاعلين مسلحين على تماس مع شبكات إيرانية.

الأصعب بالنسبة إلى الجزائر أن أي تطور في هذا الاتجاه ستكون له آثار تتجاوز الملف المغربي نفسه. فصورتها في واشنطن، وفي عدد من العواصم الغربية، قد تنتقل من دولة تدافع عن أطروحة سياسية إلى دولة تُسأل عن علاقتها ببيئة رمادية تجمع بين انفصال مسلح، ورعاية إقليمية، وشبهات اختراق إيراني. وفي عالم يعاد فيه اليوم ترتيب خرائط التهديدات والتحالفات، لا يُستهان بمثل هذا التحول. لأن الخطر لا يقف عند حدود السمعة السياسية، بل يمتد إلى التعاون الأمني، والعلاقات داخل الكونغرس، وإلى موقع الجزائر نفسه في النقاشات الغربية حول الاستقرار الإقليمي.

لهذا كله، لا يبدو ما يجري اليوم في واشنطن مجرد ضغط ظرفي على البوليساريو، بل مؤشرا على تغير أعمق في طريقة قراءة الملف. فالمؤسسة الأمريكية لا تعيد فقط مناقشة نزاع، بل تقترب أكثر من إعادة توصيفه. وما دام هذا التحول جاريا، فإن المغرب يراكم نقطة قوة أساسية تتجلى في كون أطروحته لم تعد تُقرأ فقط من زاوية التاريخ والحق والقانون والسيادة، بل بدأت تُقرأ أيضا من زاوية الأمن الإقليمي ومنع التمدد الإيراني واحتواء الفاعلين المسلحين.

وهذه زاوية تمنح الأفضلية تلقائيا للدولة المستقرة ذات الشرعية والمؤسسات والتحالفات الواضحة. أما الجزائر، فإنها كلما واصلت الاستثمار في إنكار طبيعة التحول الجاري، وجدت نفسها أقرب إلى دفع كلفة لم تعد دبلوماسية فقط، بل قد تصبح في أي لحظة كلفة استراتيجية كاملة.

The post "البوليساريو" والجزائر في الميزان الأمني الأمريكي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

طارق البوزيديمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

14 − four =

Check Also

ترامب: أمريكا لن تنشر قوات في إيران

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، إنه لن ينشر جنودا في إيران بعد ثلاثة أسابيع من ش…