Home الصحافة المغربية التعبد بالصيام وأثره في حفظ السلوك العام

التعبد بالصيام وأثره في حفظ السلوك العام

التعبد بالصيام وأثره في حفظ السلوك العام

التعبد بالصيام وأثره في حفظ السلوك العام

هوية بريس – د.بدر الدين الحميدي/ أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

 مقدمة :

إن قيمة التعبد يقصد بها في هذا المقام بيان أهمية العبادة والانقطاع لها والاجتهاد فيها في رمضان؛ طلبا للمغفرة، واستمطارا للرحمة والعتق من النار؛ ولذا، ينبغي للصائم أن يقوم  مدى نجاحه في هذه العبادة العظيمة؛ وذلك بالنظر فيما أحدثته من آثار إيجابية نابعة من التعبئة الإيمانية والتزود الروحي طيلة هذا الشهر الكريم. كما يقصد بها بيان العلاقة التلازمية بين التعبد وحفظ الجوارح، وضبط السلوك العام وفق مقتضيات الشرع ومتطلبات الفضيلة؛ إذ لا معنى للتعبد الحق دون أن ينعكس إيجابا على سلوك المؤمن والمؤمنة داخل الأسرة والمجتمع. فالتعبد في هذا الباب هو ذلكم التخلق بأخلاق الإسلام المتمثلة في الهيئات الشرعية التوفيقية من قبل الشارع الحكيم من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج؛ غير أن مجال الموضوع انحصر في التعبد المرتبط بالمنظومة الأخلاقية المتعلقة بعبادة صيام شهر رمضان. وسأعالج متعلقات هذا الموضوع من خلال محاور ثلاثة، مبتديأ بإبراز معنى التعبد والعبادة في الإسلام، ومثنيا بيان وجوه التعبد في عبادة الصيام، ومثلثا بإيضاح وجوه حفظ هذه العبادة للجوارح من المخالفات الشرعية، ومدى انعكاس ذلك على السلوك العام في الفضاءات الخاصة والعامة.

أولا: المقصود بالتعبد والعبادة

  1. معنى التعبد لغة

التعبد مصدر تعبد يتعبد فهو متعبد، كتكرم يتكرم فهو متكرم، فهو من باب التفعل (بضم العين) الذي يأتي أيضاً بمعنى المطاوعة والتكلف.[1] ومصدرالفعل المزيد الذي يكون على وزن تفعل يكون على وزن تفلا بضم العين، وأما عبد فمصدره التعبيد، وهو مطاوع فعل بتشديد العين، فيقال: عبده فتعبد، كعلمته المسألة فتعلمها، وفهمته الأمر فتفهمه. لقد ورد فعل هذا المصدر في اللغة لازما ومتعديا، يقال: تعبد فلان، إذا انفرد للعبادة والتنسك والخشوع فيها، كما يرد بمعنى التفرغ للعبادة، يقال: تعبد فلان، إذا تفرغ للعبادة، كما ورد متعاديا، فيقال: تعبده بمعنى دعاه للطاعة، ويرد بمعنى الاستعباد وسلب الحرية، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.[2] فالتعبد معناه التذلل؛ كما قال الأزهري في تهذيب اللغة: والتعبُّد: التذلّل. قَالَ: والمعَبَّد: المذلَّل اهـ. وقد ورد في لسان العرب أن العبادة هي الخضوع والتذلل، والتعبد هو: طلب العبادة (لسان العرب) والخضوع والتذلل[3]، وهو لا يحق إلا لمن هو غاية في الرفعة والعظمة والجلال، فالواجب عبادته تعالى وحده، والامتثال لأوامره ونواهيه، وقد قال سبحانه: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[4] (البينة: 5)، وقال: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾.[5]

  1. التعبد في الشرع وأسسه
  • التعبد في الشرع

التعبد في الشرع: يقصد به التحنث والانقطاع لعبادة رب العالمين والديمومة عليها؛ طلبا لمرضاته وطمعا في مغفرته ورهبة من عذابه ومؤاخذته. وقد فسرت السيدة عائشة رضي الله عنها تحنث النبي صلى الله عليه في غار حراء بالتعبد والانفراد بالعبادة لله تعالى، مبتعدا عن كل ما يشوش عليه في عبادة التدبر والتأمل في ملكوت الله تعالى الدالة على عظمته وجلاله وقدرته المطلقة. ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّد لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِع إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّد لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ”.[6]

ثم إن التعبد يدل على تكرر فعل العبادة والديمومة عليها وتحمل المشاق في أدائها والتثبت من الإحسان فيها. وعلى هذا، فالتعبد هو طلب الخضوع والتذلل لله تعالى من خلال العبادات الواجبة والمستحبة، وجميع أنواع الطاعات، كما يشير معناه إلى أن يصير المتعبد عبدا خالصا لله تعالى، الذي يحقق من خلاله الغاية الكبرى والمقصد الأعظم من خلق الإنسان، وهو طلب عبادتهم أو صيرورتهم عبيدا لله تعالى وحده أو ما أشبه، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[7]  أي: يعبدون باختيارهم أو المراد من (يعبدون): لأدعوهم وأطلب منهم عبادتي تعبداً، وقد يكون ذلك دفعاً لشبهة الجبر.[8]

والتعبد لا يكون ذا أثر إيجابي على نفوس المتعبدين إلا إذا كان أثرا للعقيدة الصحيحة؛ إذ أن التعبد يقتضي تعميق سلطان العقيدة على مستوى الوجدان والشعور النفسي للفرد؛ لأنه كلما قوي سلطان العقيدة في باطن الفرد ووجدانه، انعكس ذلك على جوارحه ونظم حياته، وطرق معاشه وكسبه، فيكون الفرد ربانيا في حركاته وسكناته، محفوظا بحفظ الله من الارتكاس في حمأة المعاصي، والتلطخ في أوحال الذنوب. قال عليه الصلاة والسلام: “ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه.”[9]

ب. أسس التعبد

ينبني التعبد في الشرع على أسس كثيرة، منها:
أن يكون العبد موافقا في مقاصده لمقاصد الشرع، ومقتضى هذه القاعدة أن العبد لا ينبغي أن يسترسل مع أغراضه العاجلة وشهواته النفسية الزائلة، وأن لا يكون عبدا لهواه لأن “المقصود الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبد الله اختيارا كما هو عبد الله اضطرارا”[10] ومنها: أن هذا المقصد لا يتحقق إلا بإخلاص العمل، فتكون حركات العبد وسكناته متحررة من الحظوظ الدنية، والأهواء النفسية، قال تعالى:  ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الاَنعام، 165]. قال ابن عطاء الله السكندري في الحكم: “الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها”[11]. وفي الحديث “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”[12] فوجود الإخلاص في العمل يكسب الفعل صفة التعبد، ووجود صفة التعبد في الفعل تكسبه قبولا “ثوابا” في ميزان الله وتصير “تصرفات المكلف كلها عبادات، كانت من قبيل العبادات أو العادات”

  1. معنى العبادة

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، والأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله. فالعبادة هي كل عمل يطلب من العبد فيه إظهار غاية الخضوع وتمام التذلل للمعبود، وهذا يتجلى فيما ذكر آنفا.

ومن المعلوم ان إظهار العبودية غير التعبد، فإن التعبد إنما هو بين الإنسان وربه، وإظهار العبودية عبارة عن إظهارها للناس، نعم هذا في غير ما يفضل أن يأتي الإنسان به سراً، والشارع قسم الأمر إلى ما يستحب إظهاره وإلى ما يستحب إسراره؛ لأن الإظهار تقوية لقلوب الناس ودعوة لهم إلى الارتباط بالله سبحانه وتعالى وإيجاد قدوة ومثال صالح لهم، ولذا أمر الشارع بصلاة الجماعة، والحج، والصيام؛ لتقوية الاحساس بروح الجماعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ سورة فاطر 29، وجاء في معاهدة صلح الحديبية: (… وعلى أن يعبد الله بمكة علانية). وقد يكون الإسرار أقرب إلى الإخلاص، ولذا نرى في أعمال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلا المنهجين.

ثانيا: وجوه التعبد في عبادة الصيام

تظهر قيمة التعبد في صيام هذا الشهر الفضيل من حيث إن الصيام يعتبر شعيرة تعبدية جعلها الله من أعظم أسباب تحقيق الغاية الكبرى من خلق الإنسان المسجلة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[ سورة الذاريات:56،  وهي “العبودية الكاملة لله تعالى” التي هي قدر مشترك بين سائر الفرائض  ومعنى يهدف إلى تحقيقه سائر العبادات؛ إذ لامعنى للعبادة ولا لعبودية العبد إلا إذا تحقق الاستسلام التام والانقياد الكامل لأمر الله ونهيه،[13] يقول الله تعالى: أمرت ونهيت، فيجيب العبد: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285). وما أظهر هذا التسليم والعبودية لله تعالى في الصوم خاصة، فالصائم يجوع ويعطش، وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا حب الله والرغبة في رضاه، وإيثار ما عنده؛ ولهذا نسب الله الصيام إليه وتولى جزاء الصائمين بنفسه، فقال: ” كل عمل آبن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي.”[14]

كما تظهر هذه القيمة التعبدية من جهة أن الصيام سبيل تحقيق التقوى، لما اشتمل عليه من خصالها وأوصافها؛ وبما أن التقوى التي جعلها الله تعالى مقصدا عظيما ونتيجة سامية لعبادة الصيام هي عبارة عن “امتلاء فؤاد العبد من عظمة الرب وسطوته، فيخافه ولو لم يخش عقابه”، فإنها صفة إذا قامت بالمتقين تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام، وبما أن الصيام عبادة تربي النفوس على الوقوف عند حدود الله  وعدم تعديها، فإنه يعتبر من أكبر أسباب التقوى، لما اشتمل عليه من خصالها، وأبعادها الاجتماعية والتربوية، والتي يتجلى جلها في امتثال أمر الله تعالى واجتناب نهيه، وتدريب نفسه على مراقبة الله تعالى بترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه لعلمه باطلاعه عليه، وأن الصائم في الغالب تكثر طاعاته، وتتهذب أخلاقه التي تجعل الفرد يلتزم في سلوكه العام بقيم الدين وقواعد التمدن وضوابط التحضر؛ وذلك بتجنب كل ما يعكر صفو الفرد والمجتمع، وأن الغني منا إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك مواساة الفقراء والتضامن مع المحتاجين المعدمين، وهذا يجعل المجتمع تسوده المودة والمحبة؛ ومن ثم يتحقق التساكن في الجتمع بكل سلاسة.

وإذا كان ذكر الله تعالى هو طريق تحصيل التقوى، فإن أيسر سبلها هي عبادة الصيام؛ لأن العبد يظمأ أو يشعر بالجوع وسط النهار، فيهيم بإشباع شهوته؛ لكن يمنعه من ذلك ذكره أنه صائم لله تعالى، وهكذا مع بقية الشهوات، وهذا هو معنى التقوى. إذن، فالصوم ذكر الصائم بالله تعالى من خلال شعوره بالحاجة إلى الطعام والماء وغيرهما؛ لأن القلب الغافل المشغول بالأهل والتجارة والحصول على المناصب وغيرها تطاله الغفلة عن الله تعالى ويكون محجوبا عن فضله، وبهذا نفهم سر الربط بين الصيام والتقوى.

هذا، وإن الإسلام دعا إلى التزام مقام التقوى والتعلق به في مواطن كثيرة من الكتاب والسنة؛ وذلك لشدة الاحتياج إليه في تنفيذ الأحكام الشرعية في سائر مناحي الحياة على الوجه الأمثل، ولأنه المنجاة عند ملاقاة الله تعالى يوم الدين. فبالتقوى يستطيع المؤمن أن ينفذ الأحكام الشرعية التي ربطها الله تعالى بهذا المبدأ؛ بل جعل مقام التقوى هو الضامن لعدم تعدي حدود الله تعالى في أحكامه، واقرأ في هذا المقام قوله تعالى: ” ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾، وقال تعالى متوعدا من خالف أحكامه بأشد العذاب في الدنيا والآخرة، مرشدا إيانا إلى أن مقام التقوى هو المخرج من هذه المخالفات، وهو العاصم من هذه الموبقات، مادحا أهل هذا المقام بأنهم أهل الإيمان والعقل الراجح الذين أحسنوا توظيفه، مبينا أنه لا يتحقق إلا لأهل الإيمان الذين استرشدوا بشريعته تعالى، واتبعوا نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بين لهم ما يخرجهم من ظلمات الجهل والعصيان والمخالفة إلى نور الفهم والهدى والطاعة. كما جعله الله تعالى من أسباب الولاية، والوفوز بالجنة، قال تعالى “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة” وقال تعالى: “هذا وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الابواب متكئين فيها يدعون بفاكهة كثيرة وشراب”.

بالإضافة إلى ما تقدم، فإن قيمة التعبد تظهر في رمضان في أن الله تعالى وطأ للعباد النساك أجواء العبادة ومهدها وسهلها بتوفير كل الوسائل الداعية إلى الاجتهاد والتهجد في العبادة؛ وذلك من خلال إخلاء الجو من كل ما يعكر صفو المتعبدين والمتعبدات والصائمين والصائمات، فأبعد عن ساحة العبادة كل المشوشات من الشياطين ومردة الجن، مع تهيئ جنانه لاستقبال وفود الصائمين المخلصين، وغلق أبواب نيرانه إشارة إلى أن الرب العظيم يرغب عباده في طاعته التي هي من أهم أسباب الفلاح والسعادة الأبدية ويثنيهم عن كل سبب يودي بهم إلى جهنم الموصدة أبوابها؛ لأن رحمته سبقت غضبه. إن الله تعالى سهل هذ العبادة على المكلفين بتهييء الأجواء الإيمانية الصالحة ليصل المتعبدون والمتنسكون إلى مقام الرضا والتقوى والإحسان؛ وذلك بتصفيد الشياطين ومردة الجن وإغلاق أبواب النيران، وفتح أبواب الجنان، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه: “إذا كان أو ليلة من شهر رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفلح منها باب، وينادي مناد ياباغي الخير أقبل وياباغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة.”[15]

كما تظهر قيمة التعبد في الأجر الجزيل الذي أعطاه الله تعالى للصائمين والصائمات، وفي كون عبادة الصيام تعتبر وسيلة تربوية للتخلص من قبيح الأفعال وسيئات العادات، قال عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِم، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) (رواه البخاري ومسلم)  فعبادة الصيام مناسبة عظيمة للإقلاع عن عادة التدخين وتناول الممنوعات بجميع أشكالها وأصنافها؛ لما لها من ضرر مادي وصحي وخلقي على الفرد والمجتمع؛ إذ هي مخالفة متعدية ضارة بالأفراد والمجتمعات. فالريح الكريه الذي ينبعث من فم المدخن ليبعث على النفور والتقزز من المسلم والمسلمة اللذين يشربان الدخان، وهذا يتنافى وتعاليم الشرع الذي أمر بالتراحم بين المؤمنين والتوادد فيما بينهم.

ومن وجوه التعبد في هذه العبادة أن من شرط قبولها وإحداث أثرها الطيب في نفوس الصائمين والصائمات أن تتمحض لله تعالى ابتغاء مرضاته، وطمعا في مثوبته، قال عليه الصلاة والسلام: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه؛ فالصوم ينبغي أن يكون إيمانا بالله ورسوله وتصديقا بوجوبه وما أعده الله للصائمين، كما يكون احتسابا وطلبا للآخرة والثواب، وسبيل تحقيق ذلك أن يخلص صومه لله تعالى، ويجعله استجابة لأوامره سبحانه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال: 24) وإذا أخلص صومه لله تعالى، فإنه يبتعد بذلك عن كل ما يفسده من الرياء والتطبب والتقليد لئلا يخالف الناس أو غير ذلك من المقاصد الفاسدة المنهي عنها شرعا، والمؤثرة في العبادة فسادا، فمن كان صومه على هذه المقاصد، فليصحح نيته، وينخرط في هذه العبادة ، مخلصا لله ومسلما وجهه إليه، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة:5).

ومن أفضل وجوه التعبد التي يتعبد بها المرء في هذه العشر الأواخر من رمضان الاعتكاف الذي يعني من الناحية الروحية الانقطاع الكلي عن البيئة والمحيط والمجتمع؛ تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام، فقد روى البخاري ومسلم (عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – زَوْجِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ).[16]  قال الصنعاني رحمه الله: فيه دليل على أن الاعتكاف سنة واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه من بعده، قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خالف أن الاعتكاف مسنون، وأما المقصود منه فهو جمع القلب على الله تعالى بالخلوة مع خلو المعدة والإقبال عليه تعالى والتنعم بذكره والإعراض عما عداه.

لقد انفرد التعبد في هذه الأيام بمزيد من العناية الربانية والتوجيهات النبوية؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحين ليلة القدر في هذه العشر الأواخر لأجل كلمات الله تعالى المتمثلة في كتاب الله العزيز الذي أنزل في ليلة القدر، قال تعالى: “إنا أنزلناه في ليلة القدر ليلة خير من ألف شهر”؛ وذلك لمزيد من التزود الروحي والإيماني بكلمات الله تعالى. ولأجل ذلك، كان ينقطع عن البيئة التي يعيش فيها بالاعتكاف. وهذا على القول الراجح من أن الأنبياء إيمانهم يزيد ولا ينقص، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وأما إيماننا نحن، فالراجح أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال صاحب الجوهرة:

ورجحت زيادة الإيمان           بما تزيد طاعة الإنسان

ونقصه بنقصها وقيل لا                    وقيل خلف وكذا قد نقلا

ثالثا: وجوه حفظ هذه العبادة لجوارح الصائمين وضبط سلوكهم العام

أولا: الحفظ المتعلق بنفس الصائم

لا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى مستويات الانضباط متى أداها بآدابها وشروطها؛ لأنه أداها على وجهها المطلوب وتخلق بأخلاقها، فإنها تحدث في نفسه مقاومة عجيبة؛ بحيث تمنع عليه جوارحه وأركانه من الوقوع في المعاصي، وتقيه من المهالك في الدنيا والآخرة، قال عليه الصلاة والسلام: “الصوم جنة” أي وقاية من الوقوع في المعاصي، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإفراط في الطعام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ).[17]

إذن، فالصوم ينعكس بالحفظ والوقاية على نفس الصائم؛ بحيث يبعد منطقه وبطشه ووجميع أنشطته عن الوقوع فيما يخالف الشرع؛ وذلك أنه يعلم الصائمين والصائمات مغالبة نفوسهم على شهواتها وأحب الأشياء إليها من الأكل والشرب وغيرهما مما هو مغروز في فطرتها وطبيعتها؛ ومن ثم تكون قدرتها على مغالبة ما هو مكتسب بالتعلم والمخالطة للمجتمع ولل

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

10 + seventeen =

Check Also

برد أم حساسية؟.. 6 علامات تحسم حيرتك في الربيع

هوية بريس – وكالات مع اقتراب الربيع وارتفاع تركيز حبوب اللقاح في الهواء، تتشابه أعراض نزلة…