الجريمة السياسية ( 8 ): قصة اختطاف عبد القادر برادة

جمال الكتابي.
مقدمة:
يصادف نشر هذه الحلقة اليوم العالمي لمناهضة الاختفاء القسري، 30 غشت، ويصادف كذلك الذكرى 69 لاختفاء الشهيد عبد القادر برادة يوم 16 غشت 1956.
عبد القادر برادة رجل وطني أصله من فاس، تم نفيه لمدة قصيرة إلى الجزائر في ثلاثينيات القرن الماضي (1933)، وذلك قبل أن يستقر لاجئا في طنجة بسبب نشاطه السياسي ضد فرنسا وتعاطفه مع عبد الكريم والمقاومة الريفية عموما. كان ضمن الخلية التي تشكلت آنذاك في فاس لنصرة هذه الأخيرة. ضمن الوجوه التي كانت تتحرك من داخل هذه الخلية الإخوة التازي الثلاثة، الذين التحقوا بعبد الكريم من فاس سنة 1924/25، ووالدهم (محمد التازي) كان آنذاك ممثل ( قنصل ) السلطان في طنجة الدولية. عبد القادر برادة بقي يتواصل مع عبد الكريم حتى في منفاه بلاريونيون عبر وسطاء.
سيتم اختطافه يوم 16 غشت 1956 من باب منزله بحي مرشان بطنحة أمام أعين ابنته، أخذته جماعة الخطافين، تحت غطاء السلطة طبعا، إلى مخفر دار بريشة حيث لفظ أنفاسه ذات مساء بسبب شدة التعذيب أمام أعين المسؤول الأول عن هذا المخفر الفقيه الفكيكي ( محمد بوراس ).
من جهة أخرى فعبد القادر برادة هو والد الصحفي المعروف حميد برادة، رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1962، الذي حكم عليه سنة 1963 بالإعدام بسبب موقفه من حرب الرمال كما هو معروف. حميد برادة أول صحفي وآخر صحفي مغربي استجوب الحسن الثاني سنة 1985. لقد نشر هذا الحوار ضمن حوارات أخرى أنجزها بين 1977 و2012 في كتاب بالفرنسية تحت عنوان:” أنطولوجيا الحوارات “.
عندما وصل حميد برادة باريس قادما من الجزائر سنة 1964 بدأ البحث عن قبر والده المختطف. التجأ حينها إلى عبد الرحمان اليوسفي ليسأله عن قبر والده، أجابه اليوسفي بأنه عليه أن يسأل المهدي بنبركة. هذا الكلام جاء ضمن شهادة الاستماع الداخلية التي أدلى بها حميد برادة لهيأة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، والتي أوردها الشاعر والكاتب صلاح الوديع ضمن إصداره الأخير “ميموزا”. حميد برادة سيلتقي فعلا بالمهدي بباريس حول نفس الموضوع بتوسط كاتب فرنسي.
سبق لي أن أشرت في مناسبات سابقة ضمن “سلسلة الجريمة السياسية” إلى اختطاف عبد القادر برادة، لكن مع ظهور عدة معطيات جديدة حوله، سواء التي ذكرها صلاح الوديع أو مصادر أخرى ضمن الأرشيف الفرنسي، ارتأيت تخصيص حلقة خاصة حول الضحية، لأن الجريمة لا تتقادم. وقبل إغلاق هذا القوس، لا بد من الإشارة إلى أن وزير الداخلية الجديد على عهد ‘الاستقلال’ ( المحمدي) ومدير الأمن الجديد (الغزاوي) ورثا جزءا من أرشيف الاستعلامات الفرنسية. الجهازان الجديدان استعملا هذا الأرشيف في اختطاف وتصفية المعارضين، لأن الاستخبارات الفرنسية كانت تنجز تقارير أمنية دقيقة حول تحركات كل الشخصيات السياسية وخاصة منها المعارضة للوجود الفرنسي وإكس ليبان أو المتعاطفة مع الخطابي.
شهادة صلاح الوديع حول إفادة حميد برادة:
قبل شهور قليلة، صدر للشاعر والكاتب صلاح الوديع كتاب بعنوان” ميموزا، سيرة ناج من القرن العشرين”. الكتاب، أو بالأحرى السيرة الذاتية، يتضمن فصولا عن حياة الكاتب ومساره النضالي، وكذا تجربته في هيأة الإنصاف والمصالحة، على اعتبار أن الكاتب كان ضمن مسؤولي هذه الهيأة. فارتباطا بموضوع الهيأة يتحدث الكاتب في بعض مقاطع الكتاب على بعض الشهود والضحايا وعائلات الضحايا.
ضمن الضحايا الذين تحدث عنهم الكاتب هو عبد القادر برادة، والد الصحفي والإعلامي الكبير حميد برادة. عبد القادر برادة اختطف كما قلنا في 16 غشت 1956 من طنجة أمام أعين ابنته قمرية برادة التي هددها الخاطفون بالقتل لو تكلمت.
اقتيد بعد ذلك إلى دار بريشة حيث لفظ أنفاسه من شدة التعذيب وفق شهادة أوردها الفقيه الفكيكي ضمن مذكراته سنة 2015.
يقول صلاح الوديع في كتابه هذا أنه أثناء التحضير لجلسات الاستماع الداخلية لهيأة الإنصاف والمصالحة حكى حميد برادة أمام فريق التحريات بتأثر بالغ والدمع في عينيه كيف تم اختطاف والده، ونقل إلينا التفاصيل المرعبة التي كانت تتوصل بها أسرته، وحكى كيف أنه تمكن من الحصول على مسدس بداية الستينات من أجل تصفية أحد خاطفي والده، لكن السلاح لم يستجب في آخر لحظة، وحكى أيضا أنه خلال تواجده بباريس لاجئا محكوما بالإعدام غيابيا سأل اليوسفي: ” كيف يمكنني معرفة مصير والدي؛ “؟ أجابه اليوسفي: ” عليك طرح السؤال على المهدي بنبركة عندما تلتقي به.:”. حميد برادة رفض المشاركة في الجلسات العلنية مكتفيا بجلسات الاستماع الداخلية، وهم يتفهمون رفضه هذا يقول الوديع. لكن لماذا رفض حميد برادة المشاركة في الجلسات العلنية؟. لأنه اشترط، ربما، ذكر أسماء المتهمين بمقتل والده في شهادته وضمنهم اسم المهدي بنبركة، لكن الهيأة اعتذرت له وتم تعويضه بالراحل ( أ.ح)، حسب شهادة خاصة من محيط هيأة الانصاف.
شهادة حميد برادة ولقاؤه ب بنبركة:
يقول حميد برادة خلال جلسة الاستماع الداخلية لهيأة الإنصاف مايلي: “..حاولت عندما كنت طالبا في باريس، في بداية الستينيات، أن أعمل على تعبئة الرأي العام الفرنسي من أجل قضايا الاختطاف، من بينها اختطاف والدي، نصحتني بعض الشخصيات اليسارية التي قابلتها، ضمنهم اليوسفي، أن أطرح قضية أبي على المهدي بنبركة. بل إن أحدهم، وهو كلود بورديه، مدير أهم مجلة لليسار اتصل هاتفيا ببنبركة كما كانوا يسمونه من أجل الحصول على موعد لي معه.
فعلا حصل لقاء معه، كانت تلك هي المرة الأولى التي ألتقي فيها بنبركة بباريس. استقبلني في شقة في شارع لوريستون في الدائرة السادسة عشرة. حكيت له تطورات القضية فأجابني بأنه لا يعرف جيدا ملف الاختطافات في الشمال، وأن اليوسفي هو الذي كان يتابع ذلك، ونصحني بالاتصال به. كانت الأمور واضحة بالنسبة لي. لقد أحرجته بطرح القضية وهو يتخلص مني بإحالتي على شخص آخر (…)، كنت مراهقا عندما وقعت المأساة. ومع عائلتي قلبنا الدنيا لمعرفة مصير أبي دون جدوى، رغم وعود محمد الخامس، والدعوى القضائية التي أقمناها أُوقِفَت بتدخل من الحكومة (..).
حميد برادة كان يعلم أن الموضوع له حساسية مفرطة، وخاصة أن ضمن المتهمين هو رئيسه وزعيم العديد من رفاقه ورفاق اليوسفي والفقيه البصري وآخرين. على هذا الأساس تعرض أكثر من مرة للتخوين وهجوم من طرف نيران قريبة إن لم نقل صديقة. لذا حاول أكثر من مرة وضع نقطة وراء قصة والده، لكن محطة هيأة الانصاف والمصالحة جعلته ينفجر ويبكي ويبوح مرة أخرى بالعديد من الحقائق حول تصفية والده، حتى أنه نسي أن يحكي عن نفسه كمنفي محكوم بالاعدام. حميد برادة عبر عن هذا التشابك الحساس جدا من خلال الكلام التالي:” عندما اتصل بي عبد الرحمان اليوسفي هاتفيا، يدعوني إلى الإدلاء بشهادتي في ذكرى اختطاف المهدي بن بركة، قبلت فورا من دون تردد ولكن، كي تكون شهادتي صادقة ومفيدة إلى حد ما، عليّ أن أحدد منذ البداية، أن قضية اختطاف بن بركة، بالنسبة لي، مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضية اختطاف آخر: اختطاف والدي. إلى حد يجعلني عاجزا عن ذكر الأولى دون استرجاع الثانية، ولو بشكل عابر..:”. انتهى الاقتباس من كلام حميد برادة الذي نشرته جريدة الاتحاد الاشتراكي نوفمبر 2010.
شهادة المختطف عبد الله الرداد:
أورد المختطف “عبد الله الرداد” ضمن مذكراته بأنه أثناء حصة تعذيب بالستيام وكان الجلاد هو ” المدني الاعور ” خاطبه هذا الأخير قائلا: ” سنخصص لكم ضيافة في مستوى إبراهيم الوزاني وعبد القادر برادة وعبد السلام الطود، يعني التصفية الجسدية. وهذا اعتراف صريح على تصفيتهم للشهداء الثلاث. كيف تنجو من الموت والضحية يتناوب عليه أربعة جلادين، يقول المختطف بدار بريشة المهدي التجكاني ( انظر مقالي حول دار بريشة والستيام ).
شهادة إمبراطور دار بريشة؛ الفكيكي.
يقول ضمن مذكراته، بعد مرور 60 سنة عن الجريمة، أن عبد القادر برادة لفظ أنفاسه أمام أعينه في دار بريشة، وأنه طالب الخطافين والجلادين تقديم الإسعافات له، لكنهم رفضوا، يقول.
يعترف الفكيكي في شهادته الداخلية لهيأة الإنصاف أنه كان المسؤول الأول عن دار بريشة وعلى هذا الأساس استقبله وزير الداخلية المحمدي وولي العهد الحسن الثاني بالرباط، وبحضور عبد السلام الجبلي للتحدث معه حول وضعية أحد المختطفين بدار بريشة وهو الضابط بوشرطة، وأوصاه الحسن الثاني أن يضربوا المختطفين على بطنهم بدل ظهرهم. هذا المقتطف من شهادة الفكيكي نقلته مجلة زمان )انظر مقالي حول دار بريشة ).
شهادة أحد معارف حميد برادة:
يقول أحد الأصدقاء في شهادة خاصة لي، وهو أستاذ جامعي متقاعد ومن معارف حميد برادة، والذي أتمنى له الصحة وطول العمر، أنه التقى حميد برادة لبعض المرات بعد خروج هذا الأخير من المغرب جهة الجزائر ولاحقا إلى فرنسا. إلتقاه هذا الصديق سنة 1967 في بيته في باريس، وكان النقاش يدور حول الانقلاب بالجزائر والوضع في المغرب بعد انتفاضة 65، وكذا اختطاف والد حميد برادة. صرح له حميد برادة بدون لبس أن المهدي بنبركة هو من كان وراء اختطاف وتصفيتة والده، وفهم الصديق من كلامه حينها أنه كان المشرف على كل التفاصيل فيما يتعلق هذه الأعمال.
أضاف هذا الصديق بأن أكبر عقد هؤلاء، وبعض من كان حولهم أن يروا مجموعة من الوطنيين المغاربة ملتفين حول الخطابي. هذا الكلام سيؤكده الشاهد الذي التقاه صلاح الوديع في غفساي (ص 417) والذي سأتناوله في أسباب اختطاف برادة. وكما أكده الفقيه البصري في مذكراته” كتاب العبرة والوفاء”: ” إن الحزب كان ينطلق من اتفاق مع الملك في حين كان ينظر إلى تجربة محمد عبد الكريم الخطابي كتجربة جمهورية، وبالتالي كان أي ارتباط مع الخطابي، كيفما كان مستواه، مثار شك وتشكيك ولا يمكن إلا أن يستهدف التحالف بيننا والملك، وهذا هو بيت القصيد (..) بمعنى أن الكثير من المسائل كان يمكن تلافيها، لكن إرادة الإجهاض كانت أقوى، مما يعني ذلك من تغييب عبد الكريم الخطابي والتعتيم عليه رغم شرعية مرجعيته للكفاح الوطني، وضاعت صورته بين افتعال أسئلة غير ناضجة: أي عبد الكريم؟ هل عبد الكريم الجمهوري؟ هل عبد الكريم الموحد..؟ (..) وأن حزب الشورى والاستقلال الذي أسسه الوزاني (..) كانت له علاقة بعبد الكريم الخطابي، وهذا ما قلل من أهمية مطارحة موضوع الديمقراطية وشكل بناء السلطة في مغرب الاستقلال، وتم التعامل مع الموضوع كما لو كان ” مؤامرة ضد الملك “. انتهى الاقتباس.
من خلال كلام الفقيه البصري، وهو كان في خريف العمر، يتبين جليا لماذا تحالفوا مع القصر في بداية ” الاستقلال ” ضدا على الأطراف الأخرى والتي أدت إلى كوارث من بينها تصفية الرجل الوطني عبد القادر برادة وآخرين. الفقيه البصري لم يشر إلى دار بريشة والستيام ضمن مذكراته رغم أنه كان طرفا في تشكيلها والإشراف على عملية الاختطافات. لكنه يبقى على الأقل الوحيد من هؤلاء جميعا من وضع الأصبع عن الداء في مذكراته وبعد فوات الآوان.
حول أسباب اختطاف عبد القادر برادة:
عبد القادر برادة كان وطنيا مغربيا ينتمي إلى حزب الشورى والاستقلال، فبسبب نشاطه السياسي تم نفيه لوقت ما إلى الجزائر، ومنها عاد مباشرة إلى طنجة الدولية كما قلنا. رئيس هذا الحزب، محمد حسن الوزاني، كان قريبا من عبد الكريم الخطابي من خلال تواصلهما المستمر حول قضايا الاستقلال.
كما أشرت في المقدمة، كان الشهيد برادة ضمن الشخصيات التي أنجزت بصددها الاستعلامات الفرنسية تقارير أمنية كثيرة ودقيقة حول تحركاته. هذه التقارير وصلت إلى الخاطفين والمشرفين على مخفري بريشة والستيام من خلال المحمدي والغزاوي. ضمن هذه التقارير نجد مثلا التقرير التالي:
في تقرير أمني أعدته الدائرة الأمنية التابعة للفرنسي الكولونيل هوبر، المنسق للعمليات الأمنية بالمغرب ومقره طنجة، يوم 8 نوفمبر 1954، جاء فيه ما يلي:” عبد القادر برادة استضاف في منزله بطنحة المساعد العسكري لعبد الكريم ( ف.ب ) ومن خلاله يتواصل مع الشرق وتلقى المال من عبد الكريم وأنه يحتفظ بأرشيف هام في منزله بطنحة..:”. نفس الشيء تقريبا أنجزته القنصليات الفرنسية بطنجة وتطوان حول كل الشخصيات التي تم اختطافها. في هذا الصدد عاينت بعض هذه التقارير الأمنية حول الشهيدين الطود وإبراهيم الوزاني..
إذن ترجع أسباب الاختطافات إما للتعاطف مع حزب الشورى والاستقلال أو التعاطف مع عبد الكريم الخطابي أو كلاهما.
التقرير الثاني، التالي، كان مرفوقا برسالة أرسلها عبد الكريم بنزيان من فاس إلى عمه عبد الكريم الخطابي بعد سنوات قليلة من وصول هذا الأخير إلى منفاه بلاريونيون، الرسالة تقول :” (..) أن الكثير من أهل فاس الذين تعرفت عليهم أثناء دراستك بفاس او سمعوا عنك يسلمون عليك، من بينهم ع. برادة وع. لحلو..(..):”. التقرير المرفق لهذه الرسالة يوصي الجهات الأمنية الفرنسية بمراقبة تحركات هؤلاء الأشخاص. عبد الكريم بنزيان وأخوه محمد تم نفيهما إلى فاس في إطار ظهير 1926 الذي بموجبه تم إخراج ونفي رجال المقاومة الريفية من الريف، بينما تم نفي شقيقهما الثالث (امحند) برفقة عبد الكريم إلى لاريونيون. اشتغل عبد الكربم بنزيان قائدا للمشوار في حكومة الريف، وهو من قاد ونفذ عملية اختطاف الريسوني، وكان كذلك رئيس جهاز الاستعلامات العسكرية على عهد عبد الكريم وسبق لليوطي أن أشاد بجهازه. لا بد من الإشارة إلى أن لحلو ( عبد العزيز) كان من تجار فاس في مادة التبغ ومن معارف محمد عبد الكريم الخطابي عندما كان يدرس بفاس، كما كان يقيم علاقات تجارية مع ‘حدو لكحل’ في بداية القرن العشرين وخاصة التبغ المستورد من الجزائر الفرنسية.
هذه التقارير سلمتها فرنسا عمدا إلى عناصر الحركة الوطنية حتى تباشر عملية اللجم. وقيل، حتى أن بنبركة طبق المبدأ الذي يقول: ” حين ترى الضفدع فاعلم أن الحية ليست بعيدة “. هذه الفكرة عبر عنها صلاح الوديع ضمن مذكراته أثناء زيارته أحد الشهود بغفساي في سياق اقتفاء أثر مختطفي دار بريشة، حيث دار بينهم الحوار التالي والذي سأنقله حرفيا كما نشره في كتابه ” ميموزا”، يقول الشاهد:” كنت أشتغل على تأسيس كشفية تابعة لحزب الاستقلال، أطلقت عليها إسم “كشفية عبد الكريم الخطابي” ودعوت المهدي بنبركة إلى منزلي هذا واستضفته على الغذاء، كان يجلس تماما حيث أنتم جالسون، اصطف اليافعون أمامنا وأطلقوا حناجرهم للنشيد الذي لقنتهم إياه، سألني المهدي عن الإسم الذي اطلقته على المجموعة، فأجبته عن سؤاله، كان صارما في رده، قائلا:” الاسم الذي سنطلقه على الكشفية هو “الكشفية الحسنية” وليس ” كشفية عبد الكريم الخطابي”، ثم بادر إلى السؤال:” هل عندكم في غفساي شوريون؟ قلت: ” نعم شخص أو إثنان..كان رده صارما “، ” الشوريون لا مكان لهم بيننا نهائيا.. “، لا أخفيكم أنني شعرت بضيق شديد، من يومها قررت أن اترك العمل الحزبي”. انتهى الاقتباس (ص417).
أعتقد أن هذا الاقتباس يوضح بشكل جيد متلازمة الوزاني/الخطابي في نفسية بنبركة وبعض رجالاته. فحسب كل المصادر التاريخية تجنب المهدي ذكر أسم عبد الكريم على لسانه ولم يهتم بتجربته، بينما عبد الكريم كان يبادره باحترام ويسأل عنه على الأقل.
رسالة عبد الكريم إلى بنبركة:
عبد الكريم راسل المهدي في نوفمبر 1962 حتى يطمئن على وضعه الصحي، طالبا له الشفاء، والمهدي كان يتعالج حينها بألمانيا حسب الرسالة، لكن عبد الكريم لم يفوت الفرصة حتى يسجل بعض المواقف والعتاب والملاحظات. أولا، كرر موقفه من دستور 1962 وحث المعارضة على مقاطعته؛ ثانيا، قدم عبد الكريم نقدا وعتابا مبطنا للمهدي والمعارضة بشكل عام حول ضياع الفرص في الماضي:” كان من المفروض أن يتم تجنيد كل مجهود لهذه اللعبة قبل اليوم بكثير، وكان من المفروض أن تتوحد الكلمة من طرف الواعيين والداركين للمطامع الدنيئة لواضعي هذا الدستور (..) لكن ظهر الفتور، حتى استغله المتلاعبون (..) ونحن نعلم سلفا أن الشعب المغربي لو وجد من يوقضه وينبهه إلى مواطن الخطر لأظهر ولا شك شجاعة كبيرة في محاربة كل ما يراد به من تلاعب وأضرار (..).
الرسالة وردت في بحث لنيل ديبلوم الدراسات العليا للباحث عبد الرحمان اليوسفي سنة 1971.
على سبيل الختام:
قال الراحل أبو بكر القادري في ختام مداخلته التي ألقاها في ندوة حول عبد الكريم الخطابي سنة 2005 مايلي:” ايها الاخوة الاعزاء، انتهز هذه المناسبة وأقولها بكل صدق: إن تاريخنا لا زال لم يكتب بعد “. هيأة الإنصاف والمصالحة وضعت على عاتقها البحث في جزء من هذا التاريخ ولو من الجانب الحقوقي، مع إنصاف الضحايا والحقيقة، لكنها أخلفت الموعد مع التاريخ، ولم يكن ذلك مفاجئا. من هنا مشروعية طرح السؤال مرة أخرى حول مستقبل هذا الماضي “.
ضمن ما جاء في التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة بهذا الصدد أن 39 حالة ‘ وفاة ‘ تمت بمراكز اعتقال خلال السنوات الأولى ل ‘ الاستقلال ‘ بين ” فاعلين غير دولتيين “. هذه الخلاصة الظالمة توحي أن الضحايا تم تصفيتهم بشكل عشوائي في الشارع العام من قبل مجهولين بينما أنها تقر بوفاتهم بمراكز اعتقال، إنه لتناقض صارخ.
ما خلصت إليها الهيأة غير منصف للتاريخ وللذاكرة على اعتبار أن عملية تصفية هؤلاء، وهم أكثر من 39 حالة على فكرة، جرت أطوارها تحت أنظار الدولة ومؤسساتها الأمنية وبأمر منها، وبمراكز الاعتقال كما جاء في تقرير الهيأة. من كان يمتلك مراكز الاعتقال آنذاك؟.
أحد العاملين بمخفر الستيام (الحسين الصغير؛ (كوميسير)) يقول أن هذا المخفر أسسه محمد الخامس والمقاومة الاستقلالية من أجل تجريد الجماعات المسلحة، ضمنهم الهلال الأسود، من سلاحها. وقال نفس الشيء تقريبا على تأسيس دار بريشة.
The post الجريمة السياسية ( 8 ): قصة اختطاف عبد القادر برادة appeared first on موقع التبريس الاخباري.
انتشال جثة مهاجر مغربي قبالة سبتة
بريس تطوان انتشلت عناصر البحرية الإسبانية، في وقت مبكر من صباح اليوم السبت، جثة مهاجر غير…











