Home الصحافة المغربية الضحالة في مواجهة العلم: الجهلة يحاكمون الشيخ الكملي بتهمة قراءة التاريخ

الضحالة في مواجهة العلم: الجهلة يحاكمون الشيخ الكملي بتهمة قراءة التاريخ

الضحالة في مواجهة العلم: الجهلة يحاكمون الشيخ الكملي بتهمة قراءة التاريخ

الضحالة في مواجهة العلم: الجهلة يحاكمون الشيخ الكملي بتهمة قراءة التاريخ

هوية بريس – عبد الإله الرضواني

في كل زمن انحطاط فكري، يخرج علينا نمط بشري مكرر: صاخب، عدواني، فقير معرفيًا، غنيّ بالادّعاء. هذا النمط هو نفسه الذي يقود الحملة على الشيخ سعيد الكملي، لا انطلاقًا من نقاش علمي أو مساءلة منهجية، بل بدافع الغريزة الأيديولوجية التي ترى في كل نص تاريخي تهديدًا، وفي كل قراءة مخالفة خيانة. ما جرى ليس دفاعًا عن هوية، بل تمرين فجّ على مصادرة العقل باسم الغضب.

المثير للسخرية أن هذه الجوقة لم تناقش فكرة واحدة بجدية، ولم تُحِل إلى مصدر واحد بإنصاف، ولم تُظهر الحدّ الأدنى من الفهم لطبيعة المعرفة التاريخية. كل ما فعلته هو اجتزاء كلمة، نزعها من سياقها، ثم النفخ فيها حتى تتحول إلى فزاعة تُستعمل لإطلاق سيل من الاتهامات المجانية. هكذا يتصرّف من لا يقرأ: يعوّض الجهل بالصوت المرتفع.

لفظ البربر الذي أثار هذه النوبة الجماعية ليس اختراعًا معاصرًا ولا شتيمة مستترة، بل مصطلح تاريخي شائع في المدونات العربية والإسلامية الكلاسيكية. استعمله مؤرخون كبار دون تردّد أو عقدة، في سياق وصفي لا أخلاقي. تحويل هذا المصطلح اليوم إلى إهانة لا يكشف حساسية أخلاقية، بل يكشف عجزًا عن التمييز بين اللغة في سياقها التاريخي، واللغة بعد أن تُحمَّل بأمراض الحاضر.

أما الشيخ سعيد الكملي، فكل ما فعله، وهذا بيت القصيد، هو النقل. لم يدّعِ رأيًا شخصيًا، ولم يفرض أطروحة نهائية، ولم يقل إن رواية الأصل اليمني للأمازيغ حقيقة قطعية. نقل روايات معروفة في كتب التاريخ والأنساب، وهي كتب مليئة بالاختلاف والتعدّد. لكن عند الغوغاء، النقل جريمة، والتوثيق استفزاز، والكاتب متّهم حتى يثبت ولاؤه الأيديولوجي.

الأكثر فجاجة هو التعامل الانتهازي مع علم الأنساب. حين تخدمهم رواية، تتحول فجأة إلى حقيقة تاريخية. وحين لا تعجبهم، تصير أسطورة عنصرية. هذا ليس اختلافًا علميًا، بل تلاعب مكشوف بعقول المتابعين. علم الأنساب القديم، لمن يجهل، علم ظنيّ بطبيعته، متداخل مع السياسة والرمز والخيال، ولا يُقرأ بعقلية الشعار ولا بعصبية الهوية.

فلنسمِّ الأشياء بأسمائها: نحن لا نعاني من أزمة مصطلحات، بل من أزمة عقول. عقول كسولة، عدوانية، لا تقرأ لكنها تحاكم، لا تفهم لكنها تُخوِّن، وتريد فرض وصاية على التاريخ لأنها عاجزة عن التعامل مع تعقيده. هذا النوع من العقول لا يدافع عن الهوية، بل يحوّلها إلى سلاح ضد المعرفة.

الدفاع هنا ليس عن الشيخ سعيد الكملي كشخص، بل عن مبدأ أساسي: لا علم بلا حرية نقل، ولا تاريخ بلا تعدّد روايات، ولا نقاش بلا منهج. إذا صرنا نُخضع النصوص التاريخية لمحاكم الغضب، فالأجدر أن نغلق المكتبات ونستبدلها بمنصّات صراخ.

وقبل أن يزايد المزايدون، لا بد من تذكيرهم بحقيقة بسيطة يتعمّدون تجاهلها: ما قاله الشيخ سعيد الكملي موجود حرفيًا في مصادر تراثية معروفة، لا في منشور عابر ولا في رأي شخصي. مصطلح البربر استُعمل استعمالًا واسعًا في كتب التاريخ والجغرافيا والأنساب، من غير أي حمولة أخلاقية معاصرة. نجده عند ابن خلدون في كتاب العبر، حيث خصّص فصولًا مطوّلة للحديث عن أخبار البربر، ونجده عند الطبري والمسعودي والبكري وابن حزم وغيرهم، دون أن يخطر ببال أحدهم أنه يمارس سبًّا أو انتقاصًا.

 

أما مسألة نسب الأمازيغ إلى اليمن، فهي بدورها رواية تراثية معروفة، وردت بصيغ مختلفة في كتب الأنساب فابن حزم، في كتابه “جمهرة أنساب العرب”، يذكر أقوالًا متعددة في أصول البربر، ومنها القول بانحدارهم من حمير أو من قبائل يمنية قديمة، لكنه يصرّح ايضا بأن هذه الأقوال لا تقوم عليها حجّة صحيحة. وذكر ابن خلدون نفسه هذا الرأي ضمن آراء أخرى، مؤكدًا أن الاختلاف في أنساب البربر واسع، وأن كثيرًا من تلك الأقوال لا يخلو من الطابع الرمزي أو السياسي.

وهذا بالضبط ما لا يريد الغوغاء فهمه: عرض الروايات لا يعني تبنّيها، وذكر قول تاريخي لا يعني تحويله إلى عقيدة. المؤرخ الأمين لا ينتقي ما يرضي جمهورًا غاضبًا، بل يعرض المادة كما وصلت إليه، ثم يترك باب النقد مفتوحًا. أمّا من يريد تاريخًا مُعقّمًا على مقاس هويته اللحظية، فمشكلته مع المعرفة نفسها، لا مع شيخ ولا مع لفظ.

إن أخطر ما في هذه الحملات ليس الإساءة إلى شخص بعينه، بل تكريس مناخ يُخضع النصوص التاريخية لمحاكم التفاهة والشعبوية. وهذا مناخ لا ينتج علمًا، بل أساطير جديدة أكثر فقرًا وسذاجة من أساطير القدماء.

ويزداد هذا السلوك ابتذالًا حين يُوجَّه إلى شخصية معروفة باعتدالها ورصانتها مثل الشيخ سعيد الكملي. فالرجل مشهود له بالعلم الشرعي الغزير، وباللغة المتزنة، وبالحرص على الجمع لا التفريق، وعلى البيان لا الاستفزاز. لم يُعرف عنه يومًا تهوّرٌ في القول، ولا توظيفٌ للعلم في معارك هوياتية رخيصة، بل عُرف بالهدوء، واحترام الخلاف، وتقديم المعرفة في إطارها الأخلاقي والعلمي. حتى عندما يُسال عن مسائل فقهية تجده يطرح آراء مختلف المذاهب والعلماء بكل وضوح وبدون تعصب للمذهب المالكي مثلا. استهداف شخصية بهذه الصفات لا يكشف شجاعة نقدية، بل يفضح إفلاسًا أخلاقيًا ومعرفيًا لدى المهاجمين.

ويبلغ هذا الإفلاس ذروته حين يُتَّهَم الشيخ بالانبطاح للمشارقة، وهي تهمة لا يقولها إلا من حُبس أفقه داخل عقدة جغرافية ضيقة. فالشيخ سعيد الكملي ليس واعظ زاوية محلية حتى يُقاس بخرائط العصبيات، بل عالم يصول ويجول في مختلف جهات المغرب وفي مختلف أنحاء العالم. تُفتح له المنابر ويُستقبل حيثما حلّ استقبال الكبار، لا لشيء إلا لعلمه الغزير، ولغته الرصينة، وتواضعه، واعتداله. الاحترام الذي يحظى به ليس منحةً سياسية ولا مجاملةً هوياتية، بل تقديرٌ طبيعي للعلم حين يكون علمًا.

اتهام رجلٍ بهذه السيرة بـالانبطاح يكشف جهلًا بطبيعة المكانة العلمية في العالم الإسلامي وخارجه، حيث يُوزَن المرء بما يحمله من معرفة وأخلاق، لا بما يصرخ به من شعارات. وهو أيضًا هروبٌ رخيص من مواجهة الحقيقة: أن من يفتقد الرصيد العلمي يلجأ إلى قاموس التخوين، وأن من يعجز عن بلوغ العالمية يحوّلها إلى شبهة بدل أن يجعلها طموحًا.

الخلاصة، بلا تلطيف ولا مجاملة: من لا يقرأ المصادر لا يحقّ له أن يحاكم من ينقل عنها، ومن يجهل طبيعة التاريخ لا يحقّ له أن يفرض وصايته عليه، ومن لا يملك سوى الصراخ فليبقَ في هامش الضجيج. التاريخ لا يُكتب بالأعصاب، والعلم لا يخضع للابتزاز، والهوية أعمق وأقوى من أن تُختزل في ردود فعل غوغائية.

The post الضحالة في مواجهة العلم: الجهلة يحاكمون الشيخ الكملي بتهمة قراءة التاريخ appeared first on هوية بريس.

عز الدين زحالمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

11 + eighteen =

Check Also

الحزب الاشتراكي الموحد يتبرأ من “تيار اليسار الجديد المتجدد” ويصفه بغير الشرعي

<p>أعلن المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد عن تبرئه التام من "التنسيقية الوطن…