النموذج المغربي

إمارة المؤمنين والتدين المغربي .. نموذج مستدام لتدبير العلاقة بين الدين والسياسة في العالم الإسلامي
منذ العصور القديمة، سعى الإنسان إلى بناء نظم سياسية تنظم حياته وتحقق الاستقرار داخل مجتمعه، كما يظهر في تشريعات حمورابي التي شكلت إحدى أولى المحاولات لتقنين العلاقات الاجتماعية. ومع تطور التاريخ، استمرت هذه النظم في التغير تبعاً لتحولات المجتمعات، فظهرت في العالم الإسلامي نماذج متعددة حاولت الجمع بين الدين والسياسة بدرجات متفاوتة من النجاح.
في العصر الحديث، برزت إيديولوجيات كبرى سعت إلى تقديم حلول شاملة لتنظيم الدولة والمجتمع. فقد نظّر كارل ماركس للفكر الشيوعي باعتباره مشروعاً للمساواة الاجتماعية، غير أن تطبيقه انتهى مع انهيار الاتحاد السوفيتي بعد عقود قليلة. كما ظهرت حركات دينية-سياسية مثل الإخوان المسلمون التي أسسها حسن البنا، وقد سعت إلى الجمع بين الدعوة والعمل السياسي، لكنها واجهت صعوبات بنيوية في الاستمرار والتكيف مع تحولات الدولة الحديثة.
وفي السياق ذاته، برز الفكر الوهابي المرتبط بـ محمد بن عبد الوهاب، الذي دعا إلى تنقية العقيدة والعودة إلى ما اعتبره أصول الدين. وقد تمكن هذا التيار من الانتشار في مرحلة تاريخية معينة، غير أن طابعه الصارم وصعوبة انسجامه مع التحولات الاجتماعية والفكرية الحديثة جعلاه يفقد كثيراً من زخمه بعد نحو قرن من بروزه، حيث استنفد جزءاً كبيراً من أغراضه في سياقه الأول.
كما شهدت إيران بعد الثورة الإسلامية في إيران قيام نظام “ولاية الفقيه” بقيادة روح الله الخميني، وهو نموذج آخر لدمج الدين بالسياسة، غير أنه يواجه بدوره تحديات تتعلق بمدى قدرته على الاستمرار والتجدد في ظل التحولات الداخلية والخارجية.
تكشف هذه التجارب أن العديد من المشاريع السياسية، سواء كانت إيديولوجية أو دينية، لم تستطع أن تحافظ على استمراريتها لأكثر من قرن في أغلب الحالات، بسبب محدودية قدرتها على التكيف مع تعقيدات الواقع وتغيراته المتسارعة.
في المقابل، يبرز في المغرب نموذج مختلف يتمثل في مؤسسة إمارة المؤمنين التي تعود جذورها إلى قيام الدولة الإدريسية على يد إدريس الأول. وقد استطاع هذا النموذج أن يستمر لأكثر من اثني عشر قرناً بفضل توازنه بين الشرعية الدينية والتنظيم السياسي، حيث يجمع الملك بين صفته السياسية ودوره الديني كأمير للمؤمنين.
ويعتمد هذا النظام على البيعة باعتبارها تعاقداً تاريخياً متجدداً يربط الحاكم بالمجتمع، مما يمنحه شرعية مستمرة وقدرة على التكيف مع التحولات. كما أن المغرب عرف مساراً إصلاحياً سمح بتحديث مؤسساته دون القطيعة مع مرجعيته التاريخية.
إلى جانب ذلك، يتميز المغرب بنموذج ديني يقوم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهو ما أسهم في ترسيخ الاعتدال والتوازن داخل المجتمع. وقد جعل هذا النموذج من الدين عاملاً للوحدة والاستقرار بدل أن يكون مجالاً للصراع، كما حدث في تجارب أخرى.
إن تجربة إمارة المؤمنين والتدين المغربي تقدم نموذجاً عملياً لتدبير العلاقة بين الدين والسياسة، وهو أحد أكبر التحديات في العالم الإسلامي اليوم. ففي ظل تعثر العديد من المشاريع الإيديولوجية والدينية، يمكن لهذا النموذج أن يساهم في تقديم تصور متوازن يجمع بين الأصالة والانفتاح.
وهكذا، بينما عرفت إيديولوجيات حديثة كالشيوعية، وحركات كالإخوان المسلمين، وتيارات كالوهابية مسارات زمنية محدودة نسبياً، يظل النموذج المغربي مثالاً على الاستمرارية، بفضل قدرته على التجدد واندماجه العميق في التاريخ والمجتمع، مما يجعله تجربة جديرة بالاهتمام في التفكير في مستقبل الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي.
The post النموذج المغربي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
وهبي يمزج الشباب وذوي الخبرة
في خطوة تعكس توجها واضحا نحو التجديد واستشراف المستقبل، يعتمد الناخب الوطني محمد وهبي على …






