Home اخبار عاجلة الوطنيّون الجدد
اخبار عاجلة - 1 day ago

الوطنيّون الجدد

الوطنيّون الجدد

في هذا البلد، لم تعد الوطنية تُقاس بما تُقدّمه، بل بما تُتقنه من فنون التّموقع. لم تعد تعني أن تُخلص، بل أن تُجيد الانحناء في اللّحظة المناسبة، وأن تعرف من أين تُؤكل الكتف… أو بالأحرى من أين تُفتح الطلبيات والصّفقات.

ظهر جيل جديد من “الوطنيين”، لا يحملون من الوطن سوى اسمه، ولا من المسؤوليّة سوى كرسيّها. يصلون إليها لا عبر الكفاءة ولا عبر التدرّج ولا عبر الاستحقاق، بل عبر ما اصطلح عليه في القواميس غير الرسمية بـ”تيخندلاسن”: شبكة علاقات، خدمات متبادلة، وابتسامات موزّعة بعناية على أصحاب القرار أو من المقرّبين منهم. حين يصلّون، لا يقفون… بل يستلقون.

يستلقون فوق الملفات، فوق أحلام النّاس، فوق مؤسّسات كان يُفترض أن تكون في خدمة الصّالح العام، فإذا بها تتحوّل إلى ضيعات خاصّة. هناك، في مكاتب مكيّفة، تبدأ رحلة البحث عن “الممرّات”: ممرّات الطلبيات، ممرّات الصّفقات، ممرات التفويتات، ممرات العلاقات العامة، ممرّات الامتيازات التي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُثقل حسابات بنكية في أماكن بعيدة عن حرارة الوطن. والوطن عند هؤلاء ليس فكرة، بل فرصة وغنيمة وأصل سجل تجاري لا غير.

المسؤولية عند هؤلاء “الوطنيين الجدد” ليست تكليفا، بل غنيمة مؤقّتة يجب استغلالها قبل أن تنتهي الصّلاحية أو يتغيّر المزاج العام أو “أزمز” بلسان الأمازيغ. لذلك، تراهم في سباق محموم مع الزمن: توقيع هنا، تسهيل هناك، تيسير هناك، تمرير طلبية أو صفقة في صمت، وإغلاق ملف في الظّلّ. وحين تقترب الكاميرات، أو حين يعلو صوت المساءلة، يحدث التّحول السّحري، وفجأة، يرتدون عباءة الوطنية من جديد ويرفعون اليافطة الشهيرة: “نحن الوطنيون الجدد”.

يتحدّثون عن الاستقرار، عن المؤامرات، عن استهداف الكفاءات، عن الحسد الذي يلاحق “الناجحين”. يصبح كلّ نقد لديهم مؤامرة، وكل مساءلة تصفية حسابات، وكلّ سؤال مشروع تهديدا للأمن الرّمزي للوطن. الوطن، في قاموسهم، درعٌ يقيهم، لا مسؤولية تُحاسبهم.

المفارقة أن الوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان. لا ترفع لافتات ولا تُصاغ في بيانات دفاعية. الوطنية تُرى في الأثر: في مدرسة تُبنى بإخلاص، في مستشفى لا يبيع الألم، في إدارة لا تبتزّ المواطن أو تماطله، في مسؤول يخجل من التّقصير قبل أن يخاف من العقاب.

أما هؤلاء “الوطنيون الجدد”، فقد اختصروا الوطن في شعار، واختزلوا المسؤولية في امتياز، وحوّلوا الخدمة العمومية إلى سوق مفتوحة. وربّما أخطر ما في الأمر، ليس وجودهم، بل قدرتهم على إقناع البعض بأن هذا هو الطّبيعي. أن تصل بلا كفاءة، وأن تربح بلا جهد، أن تفلت بلا حساب، وأن تختبئ خلف كلمة “الوطن” كلّما ضاقت الدّائرة.

لكنّ الحقيقة البسيطة، التي لا تحتاج إلى كرونيك ولا إلى تحليل، هي أن الوطن لا يُحمى بالشّعارات، بل بالمساءلة. ولا يُبنى بالانتهازيين، بل بأولئك الذين لا يحتاجون إلى أن يقولوا إنّهم وطنيون، لأن أفعالهم تسبق كلماتهم.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

fourteen − 13 =

Check Also

المديرية العامة للأمن الوطني تؤكد أن الادعاءات التي نشرتها صحيفة بريطانية بشأن “اعتقال” مواطن بريطاني عارية من الصحة

الرباط 24 مارس 2026 أكدت المديرية العامة للأمن الوطني أن الادعاءات التي نشرتها صحيفة “Dail…