بين كلفة الأعلاف والأزمات الجيوسياسية.. هل يشهد سوق الأضاحي موجة غلاء جديدة؟
مع اقتراب موسم عيد الأضحى لسنة 2026، يعود الجدل في المغرب حول وضعية سوق الأضاحي وإمكانية ارتفاع أسعار الأكباش، في ظل استمرار الغلاء الذي يطال اللحوم الحمراء وتراجع القدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر.
فهذه المناسبة الدينية التي تحظى بمكانة خاصة لدى المغاربة لا تمثل مجرد طقس موسمي، بل تشكل تقليداً اجتماعياً راسخاً يجسد قيم التضامن والتكافل داخل المجتمع، غير أن التحولات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة جعلت اقتناء الأضحية يشكل تحدياً حقيقياً بالنسبة لعدد متزايد من المواطنين.
ومع اقتراب العيد بنحو شهرين، عاد النقاش بقوة حول وضعية القطيع الوطني وأسعار الأعلاف وتوازن العرض والطلب في الأسواق، خصوصاً في ظل استمرار أسعار اللحوم الحمراء في مستويات مرتفعة تتراوح ما بين 110 و130 درهماً للكيلوغرام الواحد بالنسبة للحم الغنم بالتقسيط.
وبين تأكيد بعض المهنيين توفر أعداد كافية من رؤوس الأغنام في السوق الوطنية، وتحذير مربي الماشية من ارتفاع التكاليف المرتبطة بتربية القطيع، يجد المستهلك نفسه أمام معطيات متباينة تزيد من حالة الترقب والقلق بشأن كلفة الأضحية هذا العام.
وفي هذا السياق، قامت “الجريدة 24” بجولة ميدانية شملت عدداً من محلات الجزارة والأسواق المحلية بمدينة الدار البيضاء، حيث تبين أن أسعار اللحوم الحمراء شهدت زيادات ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة.
فقد بلغ ثمن لحم الغنم في بعض المحلات ما بين 120 و130 درهماً للكيلوغرام الواحد، بعدما كان لا يتجاوز 90 درهماً قبل فترة وجيزة، فيما تراوح سعر لحم البقر بين 95 و110 دراهم، الأمر الذي جعل هذه المادة الغذائية بعيدة نسبياً عن متناول شريحة واسعة من المستهلكين، خصوصاً من ذوي الدخل المحدود والمتوسط.
ويؤكد عدد من مهنيي قطاع الجزارة، في تصريحات متفرقة لـ“الجريدة 24”، أن هذه الزيادات بدأت تتضح منذ بداية شهر رمضان، حيث ارتفعت أسعار اللحوم في أسواق الجملة بشكل لافت، إذ يناهز سعر لحم الغنم ما بين 110 و115 درهماً للكيلوغرام الواحد، بينما يتراوح سعر لحم البقر بين 90 و95 درهماً.
ويشير هؤلاء إلى أن ارتفاع الأسعار في أسواق الجملة ينعكس بشكل مباشر على أثمان البيع بالتقسيط داخل محلات الجزارة، وهو ما يفسر الزيادات المسجلة حالياً لدى المستهلك النهائي.
ويرجع بعض المهنيين هذا الارتفاع إلى إحجام عدد من مربي الماشية عن عرض قطعانهم في الأسواق خلال هذه الفترة، مفضلين الانتظار إلى حين اقتراب عيد الأضحى الذي يشهد عادة ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على الأغنام.
وتتوقع الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز تسجيل ارتفاع في أسعار الأضاحي خلال موسم العيد المقبل، مرجعة ذلك إلى ارتفاع أسعار الأعلاف وتأثير التوترات الجيوسياسية الدولية، وعلى رأسها تداعيات الأزمات في الشرق الأوسط، والتي قد تنعكس بشكل غير مباشر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ما يؤدي إلى زيادة كلفة الإنتاج في قطاع تربية الماشية.
غير أن هذه القراءة تواجه بدورها انتقادات من بعض الخبراء في المجال الفلاحي.
ففي مقطع توضيحي توصلت به “الجريدة 24”، أوضح الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي رياض وحتيتا أن تأثير أي أزمة دولية على أسعار الأعلاف لا يظهر بشكل فوري، بل يحتاج إلى فترة زمنية حتى ينعكس على سلاسل التوريد والأسواق العالمية، معتبراً أن الحديث عن تأثير مباشر للحرب في الشرق الأوسط على أسعار الأضاحي في الوقت الحالي يبدو سابقاً لأوانه.
وأكد الخبير نفسه أن الجهة المخول لها إصدار معطيات رسمية بخصوص تأثير التطورات الدولية على السوق الوطنية هي وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، مشيراً إلى أن تحليل وضعية السوق يقتضي الانطلاق من المعطيات المرتبطة بحجم القطيع الوطني.
في المقابل، عبرت جمعيات حماية المستهلك عن تشككها في الربط المتكرر بين التوترات الدولية وارتفاع أسعار الأضاحي في المغرب.
وأوضحت هذه الجمعيات، في معطيات توصلت بها “الجريدة 24”، أن مثل هذه التبريرات تثير تساؤلات حول مدى دقتها الاقتصادية، معتبرة أن عدداً من التفسيرات المتداولة في السوق تبدو أقرب إلى تبريرات ظرفية لموجة الغلاء أكثر مما تعكس تأثيرات فعلية ومباشرة على كلفة الإنتاج.
وترى هذه الجمعيات أن تداول مثل هذه المبررات في هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام توظيف الأحداث الدولية لتبرير زيادات غير مبررة في الأسعار، خصوصاً في ظل وجود عدد من الوسطاء داخل أسواق الماشية، أو ما يعرف في التداول الشعبي بـ“الشناقة”، وهو ما قد يخلق هامشاً واسعاً للمضاربة ورفع الأسعار بشكل يفوق الكلفة الحقيقية للإنتاج.
وفي هذا السياق، دعا فاعلون في مجال حماية المستهلك إلى ضرورة اعتماد أكبر قدر من الشفافية في تفسير تحركات الأسعار داخل سوق الماشية، تفادياً لتكريس تصورات غير دقيقة لدى المواطنين قد تدفعهم إلى تقبل زيادات غير مبررة في أثمان الأضاحي، مؤكدين أن حماية القدرة الشرائية للمستهلك تقتضي مراقبة مختلف حلقات سلسلة التوزيع.
الجدل حول أسعار الأعلاف بدوره وصل إلى المؤسسة التشريعية، حيث سبق أن وجه مصطفى إبراهيمي، النائب البرلماني عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بالقنيطرة، سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، حول أسباب استمرار ارتفاع أسعار الأعلاف رغم تحسن الظروف المناخية خلال الموسم الفلاحي الحالي.
وأوضح النائب البرلماني في سؤاله أن أسعار بعض الأعلاف عرفت زيادات لافتة خلال الفترة الأخيرة، مشيراً إلى أن ثمن كيس النخالة الذي يزن 40 كيلوغراماً ارتفع من حوالي 90 درهماً إلى نحو 140 درهماً، أي بزيادة تقارب 50 درهماً للكيس الواحد، فيما ارتفع سعر العلف المركب من ثلاثة دراهم للكيلوغرام إلى أربعة دراهم، بل إلى خمسة دراهم في بعض الأنواع.
واعتبر أن هذه الزيادات أصبحت تثقل كاهل الكسابين ومربي الماشية، خصوصاً الصغار منهم، في مرحلة حساسة تتزامن مع فترة تسمين أكباش عيد الأضحى، الأمر الذي قد ينعكس على استقرار القطيع الوطني وعلى القدرة الشرائية للمواطنين الراغبين في اقتناء الأضحية.
وفي انتظار توضيحات رسمية حول وضعية السوق وتطور أسعار الأعلاف، يبقى مستقبل أسعار الأضاحي خلال عيد الأضحى المقبل رهيناً بعدة عوامل متداخلة، تتراوح بين كلفة الإنتاج وحجم العرض في الأسواق، مروراً بدور الوسطاء داخل أسواق الماشية.
جامعة الكرة المغربية تهنئ الجيش الملكي بالتأهل لنصف نهائي دوري الأبطال
بصم نادي الجيش الملكي على ملحمة كروية جديدة في سجلات الكرة المغربية، بعد انتزاعه بطاقة ال…










