بَيْنَ انتِخَابَيْن

صُندوقٌ وبيانٌ وشَريطٌ أحْمَر
كيف ينجح المسؤول في الظّهور عند كلّ انتخابات كما لو أنه اكتشافٌ جديد؟ وكيف تتحول الوعود، كلما اقترب الصندوق، إلى كائنات نشيطة تركض في الخطب، ثم تختفي فور أن تنطفئ الكاميرات؟ ولماذا يبدو المشروع، في حضرة المسؤول، أقل أهمّية من الشريط الأحمر، وأقل مجدًا من المقصّ، وأقل حضورًا من التصفيق؟ أهو إنجازٌ يُراد له أن يخدم الناس فعلًا، أم مناسبةٌ أخرى كي يقف الخطاب في الصّورة، ويترك الواقعَ ينتظر خارج الإطار؟
الدّيمقراطية في موْسِم الإعادة
بين انتخابَيْن، لا يحدثُ شيء تقريبًا… سوى أن الزمن يتقدم قليلًا، كما تتقدم الصّور القديمة في ألبوم عائلي. في الفاصل الديمقراطي الطويل، يختفي المرشّحون كما تختفي الزّينة بعد العرس. تُطوى الخطب بعناية وتوضع في خزائن اللغة، ليتمّ إخراجها من جديد بعد خمس سنوات، مع قليل من الغبار وكثير من الحَماس المصطنع. المدهش أن الكلمات لا تشيخ، إنها نفس الكلمات التي وعدت بالنهضة في الانتخابات السّابقة، ونفس الكلمات التي ستَعدُ بها في الانتخابات القادمة. وحدها الكلماتُ تمتلك سرَّ الخلود، لأنها تظلّ في حدود القول، ولا تدخل امتحان التحقّق.
أما الوُجوه، فهي أيضًا وفيّة للتاريخ. تعود إلينا كما تعود الشخصيات الثانوية في المسلسلات الطويلة: هذا الذي كان يعدنا بمحاربة الفساد صار يعدنا بمحاربة الفساد مرة أخرى، ربما لأنه لم يعثر عليه بعد. وذاك الذي وعد بالتغيير، ما زال يشرح لنا بصبرٍ فلسفي أن التغيير يحتاج إلى وقت… وأن الوقت يحتاج إلى دورة انتخابية أخرى. بين انتخابين، يكتشف المواطن موهبة جديدة: موهبة النّسيان. ينسى الطرق التي بقيت محفورة، والمستشفيات التي تشبه غرف الانتظار في القيامة الصّغرى، والمدارس التي تتعلّم فيها الكراسي قبل التلاميذ معنى الصّبر. لكن السّياسيين لا ينسُون. إنهم يتذكرون كل شيء… يتذكرون الأحياء الفقيرة فجأة، يتذكّرون القُرى البعيدة التي لم يسمعُوا بها من قبل، ويتذّكرون المواطن نفسه، ذلك الكائن الأسطوري الذي يظهر مرة كل خمس سنوات ويختفي فور أن يضع الورقة في الصندوق.
والصندوق، هذا الصندوق العجيب، يشبه إلى حد بعيد صندوق البريد القديم. تضع فيه رسالة مليئة بالأمل، لكن أحدًا لا يضمن أن تصل إلى العنوان الصحيح. ثم تنتهي الانتخابات. تعود الوجوه إلى مكاتبها، وتعود الكلمات إلى سُباتها الشّتوي، ويعود المواطن إلى حياته اليومية، حيث الدّيمقراطية فكرة جميلة تُمارَس مرة كل خمس سنوات… مثل زيارة طبيب الأسنان: ضرورية، مؤلمة، ونادرة. ومع ذلك، تبقى في الأمر لمْسَةٌ شعرية لا يمكن إنكارها: فالديمقراطية تُشبه مسرحًا يعرض المسرحية نفسها كل مرة، بنفس الممثلين، بنفس النص، لكن مع جمهور جديد يصفق دائمًا في الفصل الأول… قبل أن يكتشف في الفصل الأخير أنّه شاهدَ العرض ذاته من قَبل!
فنّ قول اللاّشيء رسميًا
في البلاد التي تُدار بلغةٍ رسميةٍ متقنة، لا تحدث الأخطاء… يحدث سوءُ الفهم فقط. فالأزمات ليست أزمات، وإنما “تحديات ظرفية”، والفشل “مرحلة انتقالية”، والتأجيل “إعادة جدْولة للأولويات”، هكذا يقول المسؤول بثقة نادرة. اللغة وسيلة للتعبير، وهي أيضا وسيلة للنّجاة. إنها مظلة واسعة يمكن أن يقف تحتها أيّ شيء: المشاريع المتعثرة، الوعود المؤجلة، وحتى الحقائق التي فضّلت أن تختفي قليلًا احترامًا للبلاغة. المدهش أن لغة المسؤول قادرة على تحويل أكثر الوقائع قسوة إلى جملة هادئة. فالمشكلة الكبرى تصبح “اختلالًا محدودًا”، والغضب الشعبي يتحول إلى “تفاعل مجتمعي”؛ إنها كيمياء لغوية مذهلة: تضعُ الحقيقة في الجملة، ثم تضيفُ إليها بعض التّوابل البلاغية، فتخرج منها جملة أخرى لا تشبه الحقيقة كثيرًا… لكنها تبدو محترمة جدًا.
أما البيانات الرسمية فإنها تشبه نشرات الطقس. كثير من التوقعات، كثير من المصطلحات، وقليل من العلاقة بما يحدث فعلًا في الشارع. واللافت أن هذه اللغة تمتلك قدرة عجيبة على الدّوران حول الفكرة دون لمسها. يمكن لمسؤول أن يتحدث عشر دقائق عن الفساد دون أن يذكر فاسدًا واحدًا، وعن الإصلاح دون أن يذكر ما الذي سيتغير، وعن المواطن دون أن يبدوَ أنه قابله يومًا. لكن أجمل ما في لغة المسؤول هو حيادُها الأخلاقي. إنها لا تتهم أحدًا، ولا تعترف بشيء، ولا تعِدُ إلا بما يمكن تأجيله. وهكذا تصبح الكلمات مثل أثاث فاخر في صالون رسمي: مرتبة بعناية، لامعة جدًا، لكنها نادرًا ما تُستعمل للجلوس. في النهاية، يخرج المواطن من الخطاب بشعورٍ غريب: لقد سمع الكثير من الجُمل، لكنه لا يتذكّر فكرة واحدة!
قَصُّوا الشريط… وبقيَ المشروع يُفكّر
لا يفتتح المسؤول مشروعا… يفتتح تاريخا. هكذا على الأقل يبدأُ كلُ خطاب رسمي: “إننا اليوم نعيش لحظة تاريخية.” والمدهش أن التاريخ أصبح مزدحمًا جدًا. كل أسبوع تقريبًا هناك لحظة تاريخية جديدة، حتى صار المؤرخون أنفسهم في حَيْرة: أيّ هذه اللحظات سيكتُبون عنها أولًا؟ يصلُ المسؤول، تقف الكاميرات في وضع الانتباه، ويظهر الشريط الأحمر، ذلك الكائن الرّمزي الذي يبدو أنه أهمّ عنصر في أيّ مشروع. بدونه لا يمكن للجسر أن يصبح جسرًا، ولا للمدرسة أن تصبح مدرسة، ولا للطريق أن يصبح طريقًا.
ثم تبدأ الكلمات… الكلمات التي تبدو كأنها خرجت للتَّوّ من مصنع وطني للبلاغة: “قفزة نوعية”، “تحول استراتيجي”، “رؤية طموحة”، وكلها كلمات كبيرة جدًا بالنسبة لمشروع ما زال يبحث عن مكان لِرَكْن شاحنته الأولى. الخطب نفسها لها بنية معمارية دقيقة. تبدأ بالماضي المجيد، تمرّ بالحاضر الواعد، وتنتهي بالمستقبل المشرق الذي سيأتي حتمًا… فقط إذا صبر المواطن قليلًا، أي عقدًا أو عقدين. أما الجمهور، فيصفق. لا لأنه مقتنع دائمًا، وإنما لأن التصفيق هو النشاط الوحيد المتاح في لحظة تاريخية.
ثم يأتي الجزء الأكثر شاعرية في الحفل: قصّ الشريط الأحمر. ضربة مقصّ واحدة، فتتحوّل الكاميرات إلى شهود على ميلاد إنجاز جديد. لكن ما لا تقوله الكاميرات هو أن بعض هذه المشاريع يمتلك حياة غريبة. فقد يُفتتح المشروع مرة أولى بوصفه “انطلاقة”، ومرة ثانية بوصفه “إعادة إطلاق”، ومرة ثالثة بوصفه “تدشينًا رسميًا”. وبعد أن تنتهي اللحظة التاريخية، تنصرف الكاميرات، ويغادر المسؤولون، ويعود المكان إلى هدوئه الطّبيعي. يبقى المشروع هناك، وحيدًا أمام نفسه يتساءل في سرّه: هل وُجد حقًا ليخدم الناس، أم ليمنح الخطب مرّة أخرى ذلك الشعور الفاخر بأنها تصنع التاريخ؟
المَسْؤُولُ الذي لاَ يُزْهِرُ إلاَّ مَوْسميًا
يبدو أن المسؤول لا يحبّ المشاريع بقدر ما يحبّ لحظة الإعلان عنها، ولا يحبّ الانتخابات بقدر ما يحبّ موسم الكلام الذي يسبقها. أمّا المشروع، فيتعلّم باكرًا أن أهمّ ما فيه ليس ما سيقدمه، وإنما عدد المرّات التي يمكن أن يُقدَّم فيها. هكذا تستمرّ الحكاية بأناقةٍ: انتخاباتٌ تُلمّع الوجوه، ومشاريعُ تُلمّع الخطب، بينما الحقيقة، كعادتها، تقف بعيدًا قليلًا… حتى لا تُفسد الصورة التذكارية.
ما أغربَ الصلةَ بين المسؤولِ والانتخاباتِ والمشاريع! فالمسؤول لا يبدو في ذروة يقظته إلا إذا لاح في الأفق موعدُ الانتخابات، أو اصطفت الكاميرات أمام مشروعٍ جديد. عندها فقط تنهض الكلمات من سُباتها، وتنتفخ الوعود حتى تكاد تلامس سقف الخطاب، ويغدو قصّ الشريط طقسًا احتفاليًا لا يقلّ مهابةً عن افتتاح التاريخ نفسه. لكن ما إن يخفت التصفيق، حتى تنكمش الأشياء إلى مقاسها الحقيقي: مشروعٌ يحاول أن يشتغل، وناخبٌ يحاول أن يواصل التَّصديق، ومسؤولٌ ينسحب بهدوء ليتمرّن على نبرته في الخطاب الكبير المقبل.
The post بَيْنَ انتِخَابَيْن appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
وكالة السلامة الطرقية توصي بالحذر
دعت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية كافة مستعملي الطريق إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر،…







