“حرب بلا مركز” .. منطق الدفاع الفسيفسائي للاستراتيجية العسكرية الإيرانية

يتناول الشرقاوي الروداني، الخبير في الدراسات الجيو-إستراتيجية والأمنية، في مقال توصلت به هسبريس بعنوان “حرب بلا مركز.. إيران ومنطق الدفاع الفسيفسائي”، تحولات الصراعات الحديثة، مسلطا الضوء على ديناميات القوة في الشرق الأوسط، وكيف تتجه الحروب نحو أنماط أكثر تعقيدا تقوم على اللامركزية وإعادة توزيع مراكز القرار بدل حسمها عبر ضرب “مركز الثقل”.
نص المقال:
لطالما نُظر إلى الحروب الحديثة باعتبارها مواجهات تستهدف تدمير “مركز الثقل” لدى الخصم؛ غير أن بعض البنيات الإستراتيجية المعاصرة لم تعد تقوم على هذا المنطق، وإنما صُممت أساسا كي تصمد في حال اختفاء هذا المركز وأن تعيد تنظيم نفسها انطلاقا من غيابه.
في هذا السياق، تبتعد الحرب الجارية في الشرق الأوسط تدريجيا عن النموذج الكلاسيكي للصراع الحاسم القائم على تحييد مركز الثقل بسرعة. فمنذ الضربات الأمريكية– الإسرائيلية بتاريخ 28 فبراير 2026 — المعروفة بـ Operation Epic Fury من الجانب الأمريكي وOperation Lion’s Roar من الجانب الإسرائيلي — أخذت المواجهة منحى أكثر انتشارا وتشظيا. وقد شكلت الردود الإيرانية ضمن Operation True Promise IV نقطة تحول، حيث أصبح توسيع مسرح العمليات وتكثيف نقاط الاحتكاك أدواتٍ قائمة بذاتها في إدارة الحرب.
ومع تطور ديناميات الصراع، يبدو أن الحرب تتجه نحو نمط استنزافي طويل الأمد. في هذا الإطار، لم تعد الحرب أداة تدمير مباشر فحسب؛ بل غدت آلية ضغط تدريجي تستهدف إعادة تشكيل الحسابات الإستراتيجية للخصم. ولم يعد الهدف إنتاج تأثيرات عسكرية آنية فقط؛ بل إضعاف القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية للطرف المقابل على المدى الطويل.
وتستند حسابات الطرفين إلى فرضيات سياسية متعارضة. فمن جهة، يراهن الطرف الأمريكي- الإسرائيلي على أن الضغط العسكري، إلى جانب التصدعات الداخلية في النظام الإيراني، قد يُفضي إلى بروز ديناميات احتجاجية قادرة على تقويض تماسك السلطة. ومن جهة أخرى، تبدو طهران وكأنها تعتمد إستراتيجية معاكسة، تقوم على إطالة أمد الحرب بهدف نقل كلفتها السياسية تدريجيا إلى واشنطن، بما قد يفاقم التوترات داخل المجتمع والنظام السياسي الأمريكي، ويحد من هامش مناورة الإدارة الحاكمة.
وبذلك، لا تعود الحرب موجهة نحو تدمير المنظومة العسكرية للخصم في حد ذاتها؛ بل تنتقل إلى مستوى أعمق وأكثر شمولية يمكن توصيفه بـ حرب تفكيك البيئة الإستراتيجية. ففي هذا النموذج، لا يكون الرهان الأساسي هو تحييد القدرات العسكرية المباشرة؛ بل إضعاف المنظومة الكلية التي تمنح هذه القدرات معناها وفعاليتها.
ورغم ذلك، فإن الساعات الأولى من الحملة العسكرية بدت وكأنها تندرج ضمن منطق كلاسيكي قائم على “القطع الرأسي”. فقد استهدفت الضربات الأولية مراكز القيادة، والبنيات التحتية الحيوية، وقلب الجهاز الأمني الإيراني. والتي أدت إلى تحييد المرشد الأعلى علي خامنئي، إضافة إلى عدد من كبار قادة الحرس الثوري.
وفق القراءة الكلاوزفيتزية، حيث يُفترض أن يؤدي ضرب مركز الثقل (Schwerpunkt) إلى تفكك النظام وتسريع انهياره، كان من المفترض أن تُحدث هذه العملية أثرا إستراتيجيا حاسما، يتمثل في شلل منظومة اتخاذ القرار الإيرانية وتآكل قدرتها على الصمود؛ غير أن تطور مسار الصراع يُشير إلى نتيجة مغايرة تماما للتوقعات الكلاسيكية.
فبدلا من الانهيار السريع، يبدو أن فقدان المركز القيادي لم يؤد إلى شلل المنظومة؛ بل على العكس، فعل آليات صمود كانت مغروسة مسبقا في صلب العقيدة العسكرية الإيرانية، ومُصممة تحديدا لمواجهة سيناريوهات من هذا النوع.
ويعود هذا الاستعداد إلى تحول إستراتيجي عميق بدأ يتبلور منذ التدخلات العسكرية الأمريكية في كل من أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003. فقد شكلت هاتان الحربان بالنسبة لصناع القرار في طهران مختبرا حيا لفهم منطق القوة الأمريكية، خاصة في ما يتعلق بإستراتيجية “القطع الرأسي” التي تستهدف إسقاط الأنظمة عبر تحييد قياداتها السياسية والعسكرية. ومنذ ذلك الحين، عمل الحرس الثوري الإيراني (CGRI) على إدماج هذا التهديد في صلب تفكيره العملياتي، عبر تطوير منظومة دفاعية تقوم على استباق سيناريو فقدان المركز بدل الارتباط به.
في هذا الإطار، لم تعد القيادة تُفهم باعتبارها نقطة ضعف يجب حمايتها بأيّ ثمن، بل كعنصر يمكن تعويضه ضمن بنية أكثر مرونة. وقد تجسد ذلك في إعداد سيناريوهات دقيقة لما بعد “القطع الرأسي”، تشمل نقل السلطة العملياتية بشكل تلقائي إلى مستويات تكتيكية وسيطة، وضمان استمرارية القرار العسكري عبر سلاسل قيادة بديلة وموزعة. كما تم تعزيز ثقافة الاستقلالية العملياتية داخل الوحدات، حيث تصبح قادرة على المبادرة وفق توجيهات عقائدية عامة، دون انتظار أوامر مباشرة من المركز. وبذلك، لم يعد تدمير القمة يُحدث الانهيار المتوقع؛ بل يُفعل نمطا آخر من الاشتغال العسكري قائم على الانتشار والتكيف.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صمود ظرفي، بل نتيجة تراكم عقائدي وتنظيمي طويل، جعل من سيناريو “اللا مركز” ليس حالة استثنائية، بل فرضية مدمجة في صلب التخطيط العسكري الإيراني.وعليه، فإن فقدان المركز القيادي لا يُمثل نهاية المنظومة؛ بل لحظة انتقال نحو نمط تشغيل بديل، حيث تتحول الصدمة إلى محفز لإعادة توزيع القوة داخل شبكة قتالية أكثر تشتتا، ولكن أكثر قدرة على الاستمرار.
ومن هنا، يمكن القول إننا أمام تشكل نموذج إستراتيجي جديد يمكن توصيفه بـ”الحرب بلا مركز”. ففي هذا النمط، لا تعود القدرة العسكرية متمركزة حول نواة قرار واحدة؛ بل تقوم على توزيع القيادة والقدرات والمبادرات عبر شبكة من المراكز التكتيكية المتداخلة. وفي مثل هذا البناء، لا يؤدي استهداف القيادة إلى تفكك المنظومة؛ بل إلى انتشارها وتوسعها في الفضاء العملياتي. وقد تحولت الحرب تدريجيا إلى صيغة لا مركزية، إقليمية وموزعة، تنسجم مع ما يصفه الإستراتيجيون الإيرانيون منذ سنوات بـ”الدفاع الفسيفسائي”.
ضمن هذا الإطار، لا تؤدي “الضربة القاضية” ضد المركز إلى انهيار النظام، بل قد تُطلق عملية إعادة توزيع للقيادة، حيث تنتقل السلطة العملياتية إلى مراكز تكتيكية متعددة قادرة على العمل بشكل شبه مستقل، في إطار مبادئ عقائدية مسبقة تضمن استمرارية العمليات. وقد ألمح وزير الخارجية الإيراني إلى أن بعض العمليات الإقليمية باتت تُدار من خلال قيادات عسكرية موزعة، وفق هذا المنطق، وليس عبر قيادة مركزية واحدة.
إن هذه التحولات تستبدل النموذج الهرمي للحرب ببنية عملياتية مجزأة ولكن مترابطة، صُممت لتبقى فاعلة حتى في حال تدمير المركز السياسي والعسكري. وفي هذا السياق، لا يؤدي فقدان المركز إلى إنهاء الحرب؛ بل إلى إعادة توزيعها جغرافيا، وتحويلها إلى مواجهة ممتدة ومتعددة المسارح.
الضربة الرأسية وتحول الصراع
شهدت الساعات الأولى من الحرب عمليات مكثفة جمعت بين الضربات الجوية واستهداف عقد القيادة والتنسيق، في محاولة واضحة لكسر سلسلة القيادة وتقويض قدرة إيران على تنظيم رد متماسك. ويندرج تحييد المرشد الأعلى وعدد من قيادات الحرس الثوري ضمن هذه المقاربة. في العقائد العسكرية الغربية المعاصرة، يُصنف هذا النوع من العمليات ضمن إستراتيجية “القطع الرأسي”، التي تستهدف رأس الهرم السياسي والعسكري لإحداث شلل في اتخاذ القرار وتسريع الانهيار؛ غير أن هذا الافتراض يصطدم بخصوصية البنية الإيرانية القائمة على قدرة عالية لامتصاص الصدمات.
إن المؤسسات الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري، طورت، عبر عقود، منظومة أمنية تقوم على التكرار البنيوي وتوزيع القدرات والاستقلالية التكتيكية والعمق العملياتي الإقليمي. وفي هذا الإطار، تبقى السلطة السياسية محددة للاتجاه العام، بينما تتوزع القدرة العملياتية عبر شبكة من الفاعلين العسكريين وشبه العسكريين والإقليميين.
وتحاكي هذه البنية مفهوم “حرب الشبكات” كما صاغه جون أركويلا وديفيد رونفيلدت، حيث تتحول اللامركزية إلى مصدر قوة وصمود. بالتالي، لا يؤدي تحييد المركز بالضرورة إلى الانهيار؛ بل قد يُفعل آليات الاستمرارية المصممة أصلا لهذا السيناريو، ما يدفع الصراع نحو نمط استنزافي طويل، قائم على تعدد الضربات واتساع رقعة العمليات.
الردع الفسيفسائي.. حين يتحول الهامش إلى مركز
يحتل مفهوم “الدفاع الفسيفسائي” موقعا محوريا في التفكير الإستراتيجي الإيراني. ويقوم هذا المفهوم على تفتيت الفضاء العملياتي بما يجعل من المستحيل استهداف المنظومة بأكملها دفعة واحدة. وهنا، لا تقوم الصلابة على حماية مركز واحد، بل على القدرة على إعادة التشكل ضمن التشتت. ويجد هذا التصور صدى له في مفهوم Mosaic Warfare الذي طورته DARPA، وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، حيث تُوزع القدرات العسكرية إلى وحدات مرنة لتعزيز القدرة على الصمود.
عمليا، يقوم هذا النموذج على توزيع القوة العملياتية عبر خلايا تكتيكية مستقلة نسبيا، قادرة على العمل ضمن توجيهات إستراتيجية عامة. وعند استهداف المركز، لا يختفي النفوذ العسكري؛ بل يُعاد توزيعه.
ولا يقتصر هذا النمط على الحالة الإيرانية، إذ شهدت حالات مشابهة في تجارب الجماعات الجهادية بعد مقتل قادتها، أو لدى طالبان، أو حتى حزب الله. وفي الحالة الإيرانية، يتعزز هذا النموذج عبر شبكة إقليمية من الحلفاء (حزب الله، الميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيون في اليمن)؛ ما يمنح طهران عمقا إستراتيجيا واسعا، ويحول الصراع إلى منظومة متعددة الجبهات. كما تكتسب هذه المقاربة بعدا اقتصاديا، إذ تعتمد إيران على فرض كلفة غير متكافئة، حيث تُجبر هجمات منخفضة الكلفة الخصم على استخدام وسائل دفاع عالية التكلفة؛ ما يخلق استنزافا ماليا تدريجيا.
إقليمية الصراع.. العمق الإستراتيجي كأكسجين عسكري
من أبرز تحولات هذه الحرب اتساع نطاقها الجغرافي، حيث لم تعد الضربات الإيرانية محصورة في مسرح واحد؛ بل امتدت إلى دول خليجية عديدة وبنيات تحتية حيوية. ولا يعكس هذا التوسع مجرد تصعيد؛ بل تفعيل عقيدة “الدفاع المتقدم”.
في هذا التصور، لا تُختزل الأمن القومي في حماية الحدود؛ بل في نقل المواجهة إلى خارجها، بما يمنع تحويل الداخل إلى ساحة رئيسية للحرب. ويظهر الشرق الأوسط، هنا، كنظام مترابط: قواعد عسكرية، مضائق بحرية، ممرات طاقة، وبنيات تحتية حساسة. واستهداف هذه العقد يحول النزاع إلى أزمة إقليمية ذات امتدادات عالمية.
في ظل إضعاف المركز القيادي، لم يعد العمق الإقليمي مجرد امتداد جغرافي للدولة؛ بل تحول إلى حيز سيادي موزع تُعاد عبره هندسة القوة خارج الحدود التقليدية. ومن هذا المنطلق، يبرز ما يمكن تسميته بـ Post-Center Warfare (حرب ما بعد المركز)، حيث لم تعد السيادة مرتبطة بعقدة مركزية واحدة، بل أصبحت قدرة ديناميكية قابلة للانتشار، وإعادة التموضع، وإعادة الإنتاج عبر الفضاء الإقليمي.
ضمن هذا الإطار، لم يعد “العمق الإستراتيجي” طبقة دفاعية إضافية؛ بل غدا منصة تعويض سيادي تتيح للدولة إعادة توزيع الضغط، وامتصاص الصدمات، وإعادة توليد قدرتها القتالية بعيدا عن نقطة الاستهداف المباشر. وهكذا، يتحول استهداف المركز من لحظة انهيار محتملة إلى نقطة تحول إستراتيجية، حيث لا يؤدي تدمير القمة إلى تفكك المنظومة؛ بل إلى إعادة تشكيلها في صورة شبكة ممتدة، قادرة على تحويل الهشاشة البنيوية إلى أداة انتشار واستمرارية.
فـ”القطع الرأسي” يفترض وجود مركز؛ أما الدفاع الفسيفسائي، فيُنتج حربا بلا مركز — وبالتالي بلا نهاية سريعة. في النهاية، لا تكشف هذه الحرب عن تحول في أدوات القتال فحسب؛ بل عن قطيعة مفاهيمية عميقة في فهم طبيعة القوة ذاتها. فإذا كان الفكر الإستراتيجي الكلاسيكي قد بُني على فرضية أن تدمير المركز يُنهي الحرب، فإن النموذج الذي يتشكل اليوم يُثبت العكس: حين تُصمم القوة لتعيش خارج مركزها، يصبح استهداف المركز مجرد لحظة انتقال لا لحظة انهيار.
من هذا المنظور، يمكن القول إن العالم قد دخل، عمليا، عصر حرب ما بعد المركز، حيث لم تعد الحروب تُحسم بضرب القمم؛ بل تُدار داخل شبكات قادرة على إعادة إنتاج ذاتها تحت الضغط. وفي هذا السياق، لم تعد النتيجة رهينة التفوق العسكري المباشر، بل بمدى قدرة كل طرف على تحويل الصدمة إلى بنية صمود، والضربة إلى فرصة لإعادة الانتشار.
وعليه، فإن السؤال لم يعد كيف نُسقط الخصم؟ بل أصبح كيف نمنعه من الاستمرار بعد سقوطه؟ في الحروب التي بلا مركز، لا يكون النصر في تدمير العدو، بل في حرمانه من القدرة على أن يولد من جديد.
The post "حرب بلا مركز" .. منطق الدفاع الفسيفسائي للاستراتيجية العسكرية الإيرانية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
هيمنة المستثمرين المؤسساتيين المغاربة على تداولات البورصة بحصة 66,6%
أفادت الهيئة المغربية لسوق الرساميل بأن بنية المستثمرين في سوق البورصة تتميز بالحضور القوي…










