Home الصحافة المغربية حين تتفسخ قيم الأسرة

حين تتفسخ قيم الأسرة

حين تتفسخ قيم الأسرة

منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، بحث عن بيتٍ يأويه ليُكوِّن فيه أسرةٍ، وجعل له اسما يحفظه من الضياع بين غياهب المجهول والمعلوم. فالأسرة، كما علّمنا ديننا الحنيف والمصلحون، ليست فقط مؤسسة اجتماعية، بل هي المحراب الأول للقيم، والمعمل الذي يُصاغ فيه الإنسان قبل أن يُلقى إلى جلبة الشوارع.

لكن، ما الذي يحدث إذا ما تحول هذا المحراب إلى مقبرة، وحين يغدو البيت الذي صُمّم لحماية الأسرة مختبراً لتفريخ المآسي؟ هنا تصبح الفضيحة درساً أعمق من مجرد قضية جنائية، إذ تكشف لنا عن انهيار في البنية الأخلاقية الأسرية، وعن خلل في الوعي الجمعي الذي يتواطأ بالصمت، ويُزيّن السترة حتى لو كانت ستراً لعار أبدي. نحن أمام مأساة، لكنها ليست معزولة، بل هي مرآة تعكس وجهاً نخجل من النظر إليه، فنغطيه بعباءات الخطابات الرسمية والشعارات الورقية، غير أن الحقيقة تظل قابعة كجمر تحت الرماد، تنتظر لحظة ختم إداري لتنفجر أو هزة عابر سبيل ليؤُزّها أزّا .. !

الأسرة بين قدسية الخطاب وقبحية الواقع

حين تحدّث الحكماء عن الأسرة، أعطوها معاني كثيرة، فهي رمز للتآزر والتعاضد والسترة، وشبّهوها بالشجرة التي تظلّل أبناءها وتغذي جذورها بالحب والرحمة. لكن في حالة التفسخ، تتحول الشجرة إلى غابة مظلمة، تنهش فيها الذئاب أبناءها، ويغدو الأب ــ الذي يفترض أن يكون حامياً ــ جلاداً في ليل صامت طويل.

إن هذا التناقض بين صورة الأسرة في القصائد والخطب، وصورتها الواقعية في بعض بيوتنا، ليس صدفة عابرة، بل هو نتاج تاريخ طويل من تقديس الشكل وطمس الجوهر. نحن نحتفل بالزواج كطقس اجتماعي، لكننا ننسى أن الزواج ميثاق غليظ قبل أن يكون وليمة .. وأن العِشرة تُبنى على الرحمة، لا على الاستغلال والمكيدة. نغني للأمومة ونرفعها إلى مرتبة الأساطير، لكننا نغضّ الطرف عن نساء يُسحقن تحت وطأة الفقر والسكوت والخوف من العار ومن المكبوت. فهكذا تنقلب القيم رأسا على عقب .. فالبيت الذي يفترض أن يُنشئ مواطناً حراً خلوقا، يُنشئ عبداً للسرّ والخوف، لا ناطقا، ولا صادقا، ولا عطوفا.

هذا الانقلاب ليس فقط خطأ فردياً، بل هو علامة على ثقافة بأكملها اختارت الصمت بدل المواجهة، والنفاق بدل الاعتراف، فصار العار أكبر من القدرة على احتماله، وصارت الفضائح تنفجر في وجوه المجتمع مثل قنابل مؤجلة.

حين يشترك المجتمع بصمته في الجريمة

لقد هزّت جريمة زنا المحارم التي وقعت بـ “عين عودة” مشاعر المغاربة قاطبة، وعرت عن عار كان مكنونا .. قد يقول قائل: “الأب والابنة وحدهما يتحملان الوزر في ارتكاب الجريمة”. لكن الحقيقة الفلسفية أوسع .. المجتمع شريك في الجريمة وصمته عار على جبينه ..! فحين نُعلّم أطفالنا أن “السترة زينة” وأن “العار ما يخرجش للشارع”، فإننا نبرمجهم على أن الكارثة يجب أن تُخزّن في الأقبية لا أن تُعالج في الضوء. نحن نغلق الأبواب بإحكام، لا خوفاً من الرياح، بل خوفاً من همس الجيران. وهنا يصبح الخوف من الفضيحة أشدّ فتكاً من الفضيحة ذاتها. ولأننا مجتمع يقدّس المظاهر أكثر مما يحترم الجوهر، فإننا نحرس أسرارنا بصرامة حتى ولو كانت خطيئة، تحوي أطفالاً بلا نسب، ونساءً بلا حماية، وجرائم تمشي على قدمين داخل بيوت ظاهرها محترم وباطنها نار تستعر.

إن الصمت ليس بريئاً، بل هو أداة قمع تُعيد إنتاج الجريمة. وحين ننظر إلى أنفسنا في المرآة، علينا أن نسأل: هل نحن مجرد متفرجين على مأساة “عين عودة”، أم أننا ساهمنا، كلٌّ بصمته، في صنع بيئة خصبة لهذا الجحيم، حتى تحولت “عين عودة” إلى عين ترمقنا بازدراء وحسرة؟

حين تُحمل الدولة المسؤولية

لم تُكشف المأساة بفضل مؤسسة للرعاية الاجتماعية، ولا بفضل جهاز وقائي ورقابي، لكن بفضل ختم إداري، واعجباه ..! نعم، مجرد طلب ورقة إدارية كشف المستور الذي ظلّ يتخبط في غيابات بيت مهتوك لسنوات. وهذا وحده كافٍ ليُظهر خللاً عميقاً في علاقتنا بالدولة .. دولة تحرس الأوراق أكثر مما تحرس الأطفال، وتطارد التوقيعات المبتلة أكثر مما تطارد جرائم البيوت. هذا يكشف أن بنيتنا الإدارية تسير على منطق الحديد والورق، لا على منطق الإنسان والكرامة. فهل يعقل أن يصبح المكتب البلدي أكثر فعالية من مراكز الحماية الاجتماعية؟ وهل يعقل أن تُعرّي البيروقراطية ما عجزت عنه آليات المراقبة والوقاية؟ !

ليست المأساة جريمة معزولة يمكن أن تُغلق في محضر شرطة، بل هي مرآة تفضح هشاشة مؤسسات الحماية، وقصور السياسات العمومية عن الوصول إلى تلك الزوايا المظلمة حيث ينزوي الأطفال والنساء في صمت مريب. وهنا يطل علينا الوجه الكوميدي الأسود .. نحن أمة تُتقن فنّ الأختام والطوابع، لكنها تعجز عن صون كرامة الطفولة من الانتهاك. إن الدولة التي لا ترى جراح أطفالها إلا حين تُعرض في قاعة المحكمة، هي دولة تحتاج إلى مراجعة جذرية لمفهوم المسؤولية، وإلا فإننا سنظلّ ننتظر ورقة أخرى ليخرج إلينا عار آخر لفضيحة شنيعة .. !

فالدولة عندنا كثيراً ما تكتفي بالردّ على شكل قوانين جديدة أو تصريحات رسمية، بينما الجذور تبقى غائرة في الأرض، الفقر الذي يسحق، والتعليم الذي يعجز عن التوعية، والثقافة التي تغلّف العار بورق سميك اسمه “سترة العار”. وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد عبثي .. الدولة تعلن الحرب على المظاهر، بينما جرثومة زنا المحارم تواصل التكاثر في عمق مجتمعنا.

إنه من دون ثورة داخل الضمير الجمعي، ستظل كل القوانين مجرّد مسكّنات لا توقف النزيف. فالمأساة في النهاية ليست مأساة أبٍ جلاد وابنة ضحية، بل مأساة مجتمع ودولة يتبادلان الأدوار بين صمت مريب وتقصير مهيب.

في الختم، إن ما وقع في “عين عودة” يلفت نظر “عين بصيرة” أن ليس هناك شذوذ يُستبعد، بل هو ناقوس يقرع في آذاننا جميعاً. علينا أن ندرك أن المجتمع الذي يدفن أسراره في الداخل ويصطنع الطهر في العلن، قد يخبئ لنا أسرارا سرعان ما تنفجر في كل حين.

إن إنقاذ الأسرة من هكذا فضائح ليس ترفاً أخلاقياً، إنه شرط وجودي لبقاء أي مجتمع يريد أن يعيش بكرامة. غير أن الحل لا يكون بالصمت ولا باللعنات المتأخرة، ولكن بالاعتراف، والمواجهة، وبناء منظومة تحمي الطفولة قبل أن تطلب ورقةً مختومة. فالدرس هنا ليس اتهامياً، ولكن دعوة صادقة لمراجعة كل مفاهيمنا .. فليست الأسرة مجرد بيت، إنها معبد للقيم؛ وليس المجتمع مجرد متفرج، هو شريك في المسؤولية؛ وليست الدولة مجرد ختم على ورق، إنها حارسة كرامة الإنسان وحقه في الحياة .. علينا بثقافة تقوم على الجوهر لا على المظاهر، وبضمير يقظ لا ببيروقراطية خامدة. وهكذا، قد نعيد للبيت قدسيته، وللمجتمع شرفه، وللدولة مسؤوليتها. فالأمم لا تنهض بكتم جراحها .. لكن، بصدق المواجهة وعدالة الحماية وضمير لا يخذل حين يُستغاث.

The post حين تتفسخ قيم الأسرة appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

سعيد تبحيراتمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

20 − nine =

Check Also

مصدر يكشف تفاصيل تدبير مرحلة إعادة بناء مستشفى أكادير

كشف مصدر مطلع من داخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن الوزارة باشرت ترتيبات دقيقة لمواك…