خوارزميات تكتبنا واليوم العالمي للشعر يحلم بالبقاء

بقلم : عبده حقي
في الحادي والعشرين من مارس من كل عام، يتوقف العالم – ولو رمزياً – عند نبضٍات خافتٍة لكنها عميقة، اسمها الشعر. ذلك الكائن اللغوي الذي ظل، عبر القرون، تجليا للروح الإنسانية ودفترَ أسرارها، يحتفي به الناس في يومه العالمي، الذي أقرّته منظمة اليونسكو منذ سنة 1999، ليكون مناسبة لدعم التنوع اللغوي وإحياء التقاليد الشفوية وتكريم الشعراء . غير أن هذا الاحتفاء، في زمننا الراهن، لم يعد مجرد طقس ثقافي بريء، بل صار أشبه بمحاولة إنقاذ ما تبقى من إنسانية مهددة بالذوبان في عصر الآلات الجليدي.
لقد أصبح الشعر، اليوم، كائناً غريباً في عالم يتسارع فيه كل شيء إلا النفوس والقلوب. فبينما كانت القصيدة في الماضي القريب تولد من صرخة إنسان أو تنهيدة عاشق أو احتجاج شاعر، أصبحت اليوم تنافسها نصوص تُنتجها الخوارزميات في صمت بارد، بلا ذاكرة ولا جراح ومعاناة حقيقية . وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب قصيدة حقيقية؟ نعم. لكن هل يمكنه أن يشعر بها؟ من هنا يبدأ السؤال الصادم والحقيقي.
في احتفاليات اليوم العالمي للشعر لسنة 2026، كما في المغرب وغيره، تتردد أصوات شعرية تحاول التذكير بأن الشعر ليس مجرد كلمات موزونة، بل هو موقف وجودي. فقد أشار أحد الشعراء في كلمة احتفالية إلى أن الشعراء “ينظرون حيث يتعامى الآخرون” ويصغون “حين يُمأسس الصمم”، في إشارة واضحة إلى دور الشعر كضمير حي في زمن اللامبالاة . إنهم، ببساطة، آخر الحراس على أبواب المعنى.
لكن هذا المعنى نفسه أصبح مهدداً. فالعالم اليوم يعيش تحولات عميقة، حيث لم تعد الحروب فقط عسكرية، بل اقتصادية ورقمية أيضاً. فالإنسان لم يعد يُقاس بكرامته، بل بإنتاجيته؛ ولم يعد يُنظر إليه ككائن حساس، بل كرقم في معادلة السوق. وهنا تتحول القصيدة إلى فعل مقاومة، إلى صرخة ضد هذا التشييء الغبي الذي يحوّل الإنسان إلى سلعة.
في هذا السياق، تبدو سيطرة الذكاء الاصطناعي على مجالات الإبداع كأنها سيف ذو حدين. فمن جهة، تفتح هذه التكنولوجيا آفاقاً جديدة للكتابة والتجريب، ومن جهة أخرى، تهدد بإفراغ الإبداع من كنهه وجوهره الإنساني. فالقصيدة التي لا تنبع من تجربة معيشة، من ألم أو حب أو فقدان، تظل مجرد تركيب لغوي جميل، لكنها بلا روح. وكأننا أمام لوحات فنية مذهلة تقنياً، لكنها بلا قلب نابض.
وإذا كان العالم اليوم يعيش هذه التحولات، فإن المواطن العربي يعيشها مضاعفة. فهو لا يواجه فقط تحديات العصر الرقمي، بل يرزح أيضاً تحت وطأة القمع السياسي، وضيق العيش، والتفاوت الاجتماعي. ففي كثير من البلدان العربية، لا يزال الشعر يُكتب في ظلال التوجس، كأنه فعل سري، أو كأنه جريمة رمزية. ومع ذلك، يظل حاضراً، لأن الحاجة إليه تشتد كلما ارتفعت قساوة القمع.
إن القصيدة العربية، في هذا السياق، لم تعد مجرد تعبير جمالي، بل أصبحت وثيقة مقاومة. فهي تحكي عن السجون، عن المنفى، عن الخيبات والانكسارات وعن الحلم الذي يأبى أن يموت. وهي بذلك تستعيد دورها التاريخي كـ”ديوان العرب”، لكن بصيغة أكثر وجعاً وأكثر وعياً.
ولا يمكن الحديث عن الواقع الإنساني اليوم دون التوقف عند التوترات الجيوسياسية التي تعصف بالعالم، خاصة في منطقة الخليج. فالصراع الشرس والمحتدم بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعيد تشكيل ملامح المنطقة، ويضع الإنسان العربي في قلب عاصفة لا يملك زمامها. في مثل هذه اللحظات، يصبح الشعر ضرورة لا ترفاً، لأنه وحده القادر على التعبير عن القلق الجماعي، وعن الخوف، وعن الأمل الهش الذي يطفو فوق الركام والردم والرماد.
لقد قالت منظمة اليونسكو إن الحاجة إلى الشعر تصبح “ماسّةً إلى أقصى الحدود في الأوقات التي تتسم فيها الأوضاع بالاضطراب” . وهذه العبارة، اليوم، تبدو أكثر صدقاً من أي وقت مضى. فالعالم يعيش اضطراباً متعدد الأوجه: حروب، أزمات اقتصادية، ثورات تكنولوجية، وتصدعات وشرخ في القيم. وفي خضم هذا كله، يقف الشعر كملاذ أخير، كأنه الضوء الخافت في آخر النفق الإنساني.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: هل ما زال الشعر قادراً على التأثير في زمن الصورة السريعة والمنشور العابر؟ الجواب ليس بسيطاً. فالشعر لم يعد يحتل نفس المكانة الجماهيرية التي كان يحظى بها في الماضي، لكن هذا لا يعني أنه فقد قوته. بل ربما أصبح أكثر عمقاً، وأكثر نخبوية، لكنه أيضاً أكثر صدقاً.
إن الشعر، في جوهره، لم يعد فناً جماهيرياً كما كان في الستينات والسبعينات ، بل تجربة فردية عميقة. إنه لحظة تأمل، لحظة صمت، لحظة مواجهة مع الذات. وفي عالم يضج بالصراخ، تصبح هذه اللحظات نادرة وثمينة. وربما لهذا السبب بالذات، نحتاج إلى الشعر أكثر من أي وقت مضى.
أخيرا وليس آخرا، يمكن القول إن الاحتفاء باليوم العالمي للشعر لم يعد مجرد مناسبة ثقافية، بل أصبح فعلاً رمزياً لمقاومة التشييء والاغتراب. إنه تذكير بأن الإنسان ليس آلة ولن يركع لنزواتها، وأن الإبداع ليس خوارزمية، وأن الروح لا يمكن برمجتها.
الشعر، إذن، ليس مجرد كلمات، بل هو ما يتبقى من الإنسان حين ينهار كل العالم. هو النداء الأخير في وجه الصمت، وهو الشاهد على أن القلب، رغم كل شيء، ما زال قادراً على النبض بصدق .
لإعادة تكوين القطيع الوطني.. إطلاق عملية المراقبة وصرف الشطر الثاني من الدعم المباشر
تنفيذا للتعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الرامية إلى تنزيل برنامج إعادة ت…











