دراسة مغربية تدقق في التحولات النوعية لإنتاج المعرفة باللغة الأمازيغية

ذكرت ورقة بحثية منشورة ضمن العدد الأخير من المجلة الدولية للدراسات الأمازيغية، التي تصدر عن المركز الديمقراطي العربي بألمانيا، أن “المعرفة المنتجة بالأمازيغية وحولها شهدت تحولات نوعية خلال العقود الأخيرة، تمثلت في اتساع مجالات الاشتغال، وتنوع المقاربات المنهجية، وتعدد الاتجاهات البحثية وتقاطعها بين ما هو لغوي-لساني وسوسيولوجي وأنثروبولوجي وتربوي-تعليمي وإبداعي-فني-ثقافي ومعلوماتي-رقمي”.
وأوضحت الورقة التي كتبها بنعيسى يشو، الباحث بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن “المعرفة في الفكر الكلاسيكي كانت تتسم بطابع الموضوعية والحياد”، باعتبارها نابعة من العقل الفردي الساعي إلى معرفة الحقيقة المجردة، إلا أن التحولات الفكرية التي عرفها القرن العشرون، خاصة مع ظهور نظريات النقد الاجتماعي وما بعد الحداثة، أدت إلى مساءلة هذا التصور، مبرزة بذلك أن المعرفة لا تنتج من فراغ، بل في سياقات اجتماعية وثقافية وسياسية محددة، تخضع فيها لسلطة ما وتمارس من خلالها”.
ولفت الباحث ذاته الانتباه إلى أن “الاتجاه اللساني يشكل أحد أكثر المسارات العلمية استثمارا في دراسة الأمازيغية، وقد ارتكز بالأساس على محاولات التدوين والتقعيد والمعيرة، ضمن سياق لغوي وثقافي يتسم بالهشاشة المؤسساتية وتعدد اللهجات. وفي هذا السياق، انصبت جهود الباحثين منذ المرحلة الكولونيالية على التوثيق الوصفي للهجات الأمازيغية كما يظهر في بعض الأعمال. غير أن هذه الأعمال، رغم قيمتها الوثائقية، غالبا ما افتقرت إلى وعي نقدي بالسياقات السياسية والرمزية التي تنتظم فيها هذه الدراسات”.
وزاد: “مع بداية الألفية الثالثة، وإحداث مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودعمه لفعاليات المجتمع المدني وللجمعيات والمؤسسات التي تهتم بإنتاج المعرفة حول الأمازيغية وبها، وخصوصا بعد الاعتراف الدستوري بالأمازيغية في المغرب (2011)، انتقلت البحوث اللسانية من التوثيق إلى التنميط والمعيرة، مركزة على بناء نسق لغوي موحد من خلال استثمار واستضمار الفوارق اللهجية”.
وشدد على أن “الانتقال من إنتاج المعرفة ‘حول’ الأمازيغية إلى إنتاجها ‘بالأمازيغية’ يمثل تحولا إبستمولوجيا عميقا، تجاوز مجرد التمثيل إلى إعادة توزيع الفاعلية المعرفية. فبينما ظلت الأمازيغية لزمن طويل موضوعا للدرس والتصنيف والجمع والتوثيق باعتماد وسيط لغوي أكاديمي مهيمن كالفرنسية والإنجليزية، بذلت مجهودات من قبل المؤسسات الساهرة على الحفاظ على اللغة الأمازيغية وثقافتها وتنميتها وتطويرها”.
وشرح أن “اللغة الأمازيغية تنتمي إلى تقليد إنتاج المعرفة متعدد الأنظمة الكتابية، فإذا كان حرف تيفيناغ هو الخط الرسمي في المغرب منذ سنة 2003، فإن أنظمة كتابية أخرى-الآرامي واللاتيني-استخدمت كذلك في إنتاج وتناقل المعرفة بالأمازيغية وحولها. ومن ثم، فإن دراسة الإنتاج المكتوب ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار هذه التعددية التي تعكس في الآن نفسه الشروط التاريخية واختيارات الجماعات العلمية والثقافية”.
وذكر أن “المجال الفني والأدبي الإبداعي من المجالات التي راكمت معرفة هامة باللغة الأمازيغية في شقيها الشفهي والكتابي. غير أن هذا الطموح يصطدم بتحديات متعددة: أولها محدودية المصطلح العلمي والتقني بالأمازيغية، نظرا لحداثة ورش المعيرة والتخطيط اللساني؛ ثانيها محدودية المؤسسات المعنية بإنتاج وتدبير المعرفة بالأمازيغية كالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إضافة إلى ندرة الموارد المادية والبشرية؛ وثالثها هيمنة نماذج التكوين الأكاديمي الناطقة بلغات أخرى. إضافة إلى ذلك، فإن غياب بنية نشر قوية باللغة الأمازيغية، وندرة الباحثين المتمكنين من الكتابة العلمية بها، يعمق الهوة بين الاعتراف الرمزي والقدرة الفعلية على التمكين المعرفي”.
وخلص بنعيسى يشو إلى أن “تتبع مسارات إنتاج المعرفة حول الأمازيغية وبها يكشف عن انتقال إبستمولوجي عميق من مرحلة أولى اتسمت بالوصف الإثنوغرافي الكولونيالي الذي اختزل الأمازيغية في التوصيف الثقافي للمجتمعات الأمازيغية في انفصال شبه تام عن سياقاتها التاريخية، إلى مرحلة ثانية ركزت على البعد الهوياتي حيث أصبحت الأمازيغية رمزا للنضال الثقافي والسياسي، وبعدها إلى مرحلة ثالثة نقدية-ما بعد كولونيالية أعادت مساءلة أدوات المعرفة السابقة، وصولا إلى المرحلة الراهنة التي تشهد بداية إنتاج معرفة بالأمازيغية نفسها، باعتبارها لغة علمية وأداة تحليلية وليست فقط موضوعا للدراسة”.
وشدد على أن “التحدي الأبرز هو العمل على تحويل الأمازيغية من موضوع معرفة إلى فاعل إبستيمي، وهو ما يتطلب تجاوز نماذج التمثيل الخارجي المتمثلة أساسا في الأطر المعرفية الأوروبية نحو نماذج نقدية قادرة على إعادة التمركز من داخل اللغة، واستثمار الفرص الهائلة التي تتيحها التكنولوجيات الحديثة، وباقي وسائل التواصل الاجتماعي، وكذا الذكاء الاصطناعي، مما سيمكن لا محالة المعرفة المنتجة حول الأمازيغية”.
The post دراسة مغربية تدقق في التحولات النوعية لإنتاج المعرفة باللغة الأمازيغية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
البرتغال تقر إجراءات لتسهيل ترحيل المهاجرين في وضعية غير قانونية
صادقت الحكومة البرتغالية اليمينية على مشروع إصلاح تشريعي يهدف إلى تسهيل وتسريع ترحيل المها…





