سردية ثنائية الرواية والتاريخ

إن الزوج بين القصة التاريخية والقصة الخيالية قد تشكل على مستوى الأنواع الأدبية كتزاوج تناقضي واضح ومتعارض بين نوعين أدبيين قائمين؛ هما القصة الخيالية والقصة التاريخية. الرواية حتى وإن كانت واقعية هي أمر مختلف عن كتاب تاريخ. إنهما يختلفان في طبيعة الاتفاق الضمني المعقود بين المؤلف وبين قارئه. هذا الاتفاق وإن لم يصغ كتابة فإنه يبنى على هيئة توقعات مختلفة من ناحية القارئ، ووعودا مختلفة من ناحية المؤلف. حين يفتح القارئ رواية يحضر نفسه ليدخل عالما غير واقعي وبالنسبة إلى هذا العالم مسألة مكان وقوع الأحداث وزمانها هي مسألة في غير محلها، في المقابل هذا القارئ في استعداد لأن يقوم بما يسميه (صموئيل كولوردج) Samouel Coleridge 1834 ـ1771م التوقف الإرادي لعدم التصديق، شرط أن لا تكون القصة المروية مثيرة للاهتمام: إن القارئ يوقف بمحض إرادته حذره وارتيابه وعدم تصديقه، ويقبل أن يلعب لعبة كما لو كما لو أن هذه الأشياء المروية قد حصلت.
حين يفتح القارئ كتاب تاريخ يتوقع أن يدخل تحت قيادة الأرشيف، في عالم الأحداث التي حصلت بالفعل، أضف إلى ذلك أنه حين يجتاز عتبة المكتوب فإنه يأخذ حدره ويفتح عين النقد ويطلب خطابا، إن لم يكن صحيحا يقارن بخطاب كتاب فيزياء، فعلى الأقل ممكنا قابلا للتصديق ومحتملا، وفي كل حال أمينا صادقا، ولما كان قد تربى على ملاحقة العمل المزور لذا فإنه لا يرضى أن يتعامل مع كاذب. فعلى الرغم من التمييز المبدئي بين الماضي الواقعي وبين القصة الخيالية اللاواقعية، فإن معالجة دياليكتكية لهذا الانقسام البدائي تفرض نفسها بسبب تقاطع التأثيرات المتأتية من القصص الخيالية ومن القصص الحقيقية على مستوى ما يمكن تسميته ” عالم النص” الذي يشكل المفتاح لنظرية حول القراءة. إن ما كنا ندعوه في السابق “إضفاء الطابع القصصي الخيالي على الخطاب التاريخي”، يمكن أن تعاد صياغته على أنه تقاطع قابلية القراءة وقابلية الرؤيا. ما يمكن أن يقرأ، وما يمكن أن يرى من داخل التمثيل التاريخني.
هنا تكمن الصلة التي حبكت بين المقروء وبين المرئي على صعيد تلقي النص الأدبي. في الواقع القصة تعطي ما هو للفهم وما هو للرؤية. إن فصل التأثيرين المتداخلين يصبح سهلا حين تنفصل عملية صنع اللوحة ومتابعتها. الجمود الوصفي والتقدم السردي الفعلي الذي يعجل فيه ما يسميه (أرسطو) في كتابه في الشعر، الانقلابات والتغيرات، وهي تتعلق بشكل خاص بالمفاجآت وبالأعمال العنيفة. إن المؤرخ يعرف جيدا هذا التبديل. أحيانا عديدة يجمع العديد من اللوحات كي يصور الوضع الذي تبدأ فيه قصته، وبالطريقة نفسها يستطيع أن ينهي كتابه، إلا إذا اختار أن يترك الأمور معلقة، كما فعل )توماس مان( Thomas Mann حين فقد عن قصد أثر بطله في نهاية روايته “الجبل السحري”.
إن المؤرخ ليس غريبا عن مثل هذه الاستراتيجيات لختام القصة التي تكتسب معناها، بالنسبة للقارئ المستنير، إلا لصالح لعبة خبيرة من الإحباط مع توقعاته المألوفة، غير أن قابلية الرؤية لا تتغلب نهائيا على قابلية القراءة إلا مع رسم شخصيات القصة سواء أكانت قصص حياة أو قصص خيال أو قصصا تاريخية.
التاريخ خطاب نفعي يسعى الكشف عن القوانين المتحكمة في تتابع الوقائع، في حين أن الأدب والرواية على وجه الخصوص خطاب جمالي تقدم فيه الوظيفة الإنشائية على الوظيفية المرجعية، فليس من شك في أن الرواية التاريخية تنطلق من الخطاب التاريخي، ولكنها لا تنسخه بل تجري عليه ضروبا من التحويل حتى تخرج منه خطابا جديدا له مواصفات خاصة، ورسالة تختلف اختلافا جذريا عن الرسالة التي جاء التاريخ مضطلع بها. وعلى هذا يندرج التاريخ في منظومة الأجناس ذات الغاية النفعية، وتندرج الرواية في منظومة الأجناس ذات الغاية الجمالية.
تندمج هذه الثنائية في الرواية التاريخية التي تتميز عن غيرها من أنواع الكتابة التخيلية كونها تعلن استنادها إلى حوادث ماضية دونها السابقون، ومن ثم فإنها تستمد وجودها من الدوران حول هذا النص أو النصوص الماضية، مما يكثف صلتها بهذه الوقائع ويضفي على عالمها صيغة مرجعية واضحة، فهويتها السردية تتحدد من خلال التنازع بين التخيلي والمرجعي. فتكون الرواية التاريخية نوعا من السرد الذي غدت الحقائـق الـتـاريـخـيـة أخيلة الكتاب الروائيون؛ فراحوا يبدعون هذا الأدب الاستهلاكي الرخيص الذي لا غاية من وراء كتابته ونشره غير الاتجار والتسلية.
لا بد من إثارة الانتباه إلى الطفرة التي تشهدها الرواية المغربية من خلال نسج علاقات متشابكة ومركبة بين الرواية والتاريخ، إذ بات “التخيل التاريخي” هو تلك المادة التاريخية المتشكلة بواسطة السرد، و المنقطعة عن وظيفتها التوثيقية والوصفية إلى وظيفة جمالية ورمزية، فهو لا يحيل على حقائق الماضي ولا يقررها ولا يروج لها، إنما يستوحيها بوصفها ركائز مفسرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المعزز بالخيال والتاريخ المدعم بالوثائق. فلم يبق بالإمكان قبول التصورات الأولى لوظيفة “الرواية التاريخية” كما أشار إليها الروائي جرجي زيدان، معتبرا أنها قد استنفدت طاقتها الوصفية بعد أن جرى تحويل جذري في طبيعة تلك الكتابة السردية التاريخية التي استحدثت لها وظائف جديدة لم تكن معروفة آنذاك، إذ وجدت طريقها إلى التخييل التاريخي الذي يسمح بإقحام الأهواء والاستيهامات دون أن تتأثر قيمة الواقعة التاريخية متمثلة ومتخيلة، بالإضافة إلى حضور “الميتاناصات” و”الميتا تخييل”.
وقع اختياري على نماذج لروايات مغربية لأعلام تاريخيين ( ابن خلدون، وابن سبعين، وابن تومرت…) أرست تفاعلا بين صور الماضي والحاضر، وأعطت للسارد/المؤلف إمكان الاختفاء وراء الواقعة التاريخية واختيار المواد الملائمة له، علما أن التخييل التاريخي في الرواية المغربية، اضطلع الرد على تيارات ما بعد الحداثة، وإعادة الثقة بالتاريخ، ليس كمواد مسرودة، ولكن كرؤية سردية واعية بدورها، متأثرة بأسئلة الحاضر، منتبهة إلى عمق تأثير التاريخ على الحاضر، فلربما كل سردية تاريخية أو تخييلية منفلتة قد تحيي أوجاعا وآلاما، وتربك سؤال التقدم والنسق والمواطنة.
يمكن أن نعتبر روايات “العلامة ” و”أنا الأندلسي” لحميش، و”ثورة المريدين ” لسعيد بنسعيد العلوي نماذج لمعرفة كيف يصبح متاحا لصانع التخييل التاريخي أن يخرم العدة المنهجية والالتزام الأخلاقي؛ كما في حالة حميش وبنسعيد العلوي. يكشف حميش سيرة ابن خلدون مركزا على الدور المركب الذي اضطلع به الرجل في مرحلة حاسمة من مراحل الشرق الأوسط (ضعف النسق المملوكي)، ملمحا إلى أن المثقف لا يخون ولا يضعف في اللحظات العصيبة، دون أن يفقر الجانب الوجداني عند ابن خلدون ووصفه يما يطرأ على كل الناس من حب وضعف، لكنه يمنحه مزايا الصدق والجرأة والثبات في المواقف، حينما يذهب لمفاوضة “التتار” وتجنيب الممالك النهايات الحزينة، هذا في الوقت الذي فر الحاكم برقوق وحاشيته خوفا وفزعا وجبنا. واضح أن ابن خلدون، في علامة حميش، ليس ابن خلدون في كتب التاريخ، إنه ابن خلدون المفضي إلى صوت المؤلف والمترجم لنسق قيمي انتشر بين عينة من المثقفين، قائم على الحجاج مع من يعنيه الأمر لصالح المثقف.
شخصية ابن خلدون شخصية إشكالية، في حين يبدو ابن سبعين مثالا حيا للشخصية التراجيدية التي ترى ولا تدري، تتعذب وليس لها من سبيل للخلاص، يتم عرضها مترحلا من الأندلس إلى المغرب حاملا حقيقته التي عثر عليها، لكنه سيموت في مكة على إثر علمه بسقوط الدولة العباسية. ابن سبعين شخصية متعددة الأوجه والآلام، عرضها السارد وفق منظورات متعددة؛ كالتاريخ والفلسفة والمعرفة والتصوف. ومن خلال هذا النص الروائي نكتشف أن لكل زمن أندلسه الآيلة للسقوط لا محالة. وأن لكل عصر رجالاته.
يطمح المؤلف سعيد بنسعيد العلوي في “ثورة المريدين” طرح سيرة ابن تومرت في كتاب أبي بكر البيدق لتتبع وقائع حياة ابن تومرت، وكشف ذكائه واستراتيجيته لبناء فكره وتقوية عزيمة مريديه؛ كعبد المومن الكومي والوصول بها إلى بر الأمان، ثم الاختفاء. يتم التشكيك في رواية البيدق الأولى، ويتم التلميح إلى أن سيرة المهدي موجودة في كتاب تخيله المؤلف للبيدق؛ المتضمن لحقيقة المهدي وسريرته.
دس لنا بنسعيد فهما جديدا لحقيقة شخصية خاصة بابن تومرت، وحقيقة تاريخية اجتماعية له؛ وهو فهم يساعد الذات على التعالي عن الخداع، ويمكنها من عدم الوقوع في الفخ السلبي. في الحقيقة، ندرك أن المعاناة في حالة ابن تومرت هي واحدة من أساليب دعم القدرات التركيبية للذات الساردة والمسرودة . ذات بنسعيد التخييلية، ذات قدرات لانهائية، تجمع بين السفر والرومانسية، وتجعلنا ندرك أن التعلم قرين التجربة، وأن التجربة هي التي رمّمت ما حطمه الطغيان والتفسخ نهاية الدولة المرابطية.
الرواية لا تقول التاريخ لأنه ليس هاجسها، ولا تتقصى الأحداث والوقائع لاختبارها، فليس ذلك من مهامها الرئيسية. تستند فقط على المادة التاريخية. وتدفع بها إلى قول ما لا يستطيع التاريخ قوله. فإذا اختارت الرواية الفضاء التاريخي المرجعي مجالا لها من أن تقول التاريخ، فإنها تقوله على طريقتها، ولعل هذا ما يعنيه حين يذكر بأن هذه الرواية تستند إلى المادة التاريخية. ويترتب على هذا أن الرواية من خلال حواريتها لا يمكن أن تكون إعادة كتابة للتاريخ، وإنما هي أتون ينصهر فيه العنصر التاريخي مع عناصر أخرى تسهم جميعا في بناء الكون التخيلي للرواية.
نحن هنا أمام سرد روائي عندما يصوغ حكاية تاريخية بطريقة ناجعة، لا يختزل التاريخ، ولكنه يكشف مهملاته ومنسياته، وأحيانا يبدد بعض شكوكه. هكذا تكون إذن الرواية محاولة إبداعية ناضجة تكرس علاقة مخصوصة مع الوثيقة التاريخية، فهي تنطلق منها وتسعى إلى إعادة بنائها عبر التصور، حتى أننا لنشعر أحيانا أن الروائي ينطوي على مؤرخ يمتلك آليات البحث التاريخي ومنهجه. ولكنها من جهة أخرى لا تعتبر نفسها تابعة للوثيقة أو صدى لها. إنها قراءة إبداعية للتاريخ تنطلق منه، ولا تقف عند حدوده. واعتبار التخيل التاريخي أجدر أن يحل محل ما اصطلح عليه بالرواية التاريخية، لأن التخيل التاريخي سيمكن الكتابة السردية التاريخية من تخطي مشكلة الأنواع الأدبية وحدودها ووظائفها، ثم إنه يفكك ثنائية الرواية والتاريخ ويعيد دمجها في هوية سردية جديدة.
The post سردية ثنائية الرواية والتاريخ appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
أ. أسفي| الوداد. قطار المشجعين» ينطلق من مراكش إلى الوازيس
أعلن المكتب المديري لأولمبيك آسفي عن تخصيص قطار خاص لنقل جماهير النادي إلى مدينة الدار الب…











