فاس في العتمة… انقطاع الإنارة العمومية يورط العمدة و يفتح ملف التدبير ويعيد النقاش حول المسؤولية

عاشت مدينة فاس خلال الأيام الأخيرة على وقع انقطاع واسع للإنارة العمومية بعدد من أحيائها، في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة التدبير والحكامة داخل هذا المرفق الحيوي، الذي يرتبط بشكل مباشر بالأمن الحضري وجودة الحياة اليومية للسكان.
ففي منطقة سايس، وتحديداً بأحياء مونفلوري، خيم الظلام الدامس على الشوارع والأزقة لساعات طويلة، ما خلق حالة من القلق في صفوف الساكنة، خاصة في الفترات الليلية التي تعرف حركة تنقل كثيفة. ورغم تعدد الشكايات، لم تتمكن المصالح التقنية التابعة للجماعة من إصلاح الأعطاب في الوقت المناسب، فيما ظل المواطنون ينتظرون تدخلاً تقنياً يعيد الإنارة إلى وضعها الطبيعي.
مرفق حيوي بين الأعطاب والتأخر في الإصلاح
الإنارة العمومية ليست خدمة ثانوية، بل ركيزة أساسية في منظومة الأمن الحضري والسلامة الطرقية، كما أنها عنصر مهم في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. وعندما تغرق أحياء بأكملها في الظلام، فإن الأمر يتجاوز عطلاً تقنياً ليصبح مؤشراً على خلل في سرعة الاستجابة وفعالية التدبير.
العديد من الفاعلين المحليين يعتبرون أن ما يحدث يعكس اختلالات متراكمة داخل مرفق الإنارة العمومية، الذي تدبره الجماعة الحضرية، برئاسة العمدة عبد السلام البقالي، إلى جانب المجلس الجماعي والمقاطعات الستة. ويرى هؤلاء أن تكرار الأعطاب وتأخر معالجتها يطرح علامات استفهام حول آليات التتبع والمراقبة، ومدى نجاعة الصفقات وسندات الطلب المتعلقة بالصيانة والتجهيز.
مطالب بالتحقيق والمراقبة
في ظل هذه الوضعية، تتعالى مطالب موجهة إلى والي الجهة خالد آيت الطالب، من أجل فتح افتحاص شامل لمرفق الإنارة العمومية، يشمل مسار الصفقات العمومية، وكيفية توزيع سندات الطلب، وتحديد المستفيدين منها، ومدى احترام معايير الشفافية والنجاعة في التنفيذ.
هذه المطالب لا تُطرح من باب التصعيد السياسي، بل بدافع البحث عن حلول عملية تضع حداً لحالة التسيب التي يصفها بعض المتتبعين، وتعيد الثقة إلى الساكنة في قدرة المؤسسات المنتخبة على ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
بين المسؤولية السياسية والحاجة إلى إعادة هيكلة التدبير
الإنارة العمومية، بحكم طبيعتها التقنية، تحتاج إلى خبرة متخصصة وتدبير احترافي يضمن سرعة التدخل والصيانة الدورية، خصوصاً في مدينة بحجم فاس وتوسعها العمراني المتسارع.
ويرى عدد من المتابعين أن تحويل هذا المرفق إلى تدبير مهني مباشر من طرف الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة جهة فاس مكناس قد يشكل خياراً عملياً لإعادة الاعتبار للجودة والاستمرارية، بالنظر إلى اختصاصها التقني وتجربتها في تدبير شبكات الكهرباء والماء والتطهير.
فالتجارب المقارنة داخل الجهة أظهرت أن التدبير المتخصص يختصر آجال الإصلاح، ويعتمد على فرق تقنية دائمة، ونظام تتبع رقمي للأعطاب، بدل الاكتفاء بتدخلات ظرفية مرتبطة بشكايات متفرقة.
الأمن الحضري في الميزان
غياب الإنارة العمومية لا ينعكس فقط على الراحة البصرية، بل يمتد أثره إلى الإحساس بالأمن، خاصة في الأحياء السكنية والممرات الثانوية. فالظلام الدامس يخلق بيئة خصبة لبعض السلوكات المنحرفة، ويزيد من مخاطر حوادث السير والسقوط، ما يجعل معالجة الأعطاب أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل.
إن ما وقع بأحياء مونفلوري بسايس ليس حادثاً معزولاً، بل إنذار واضح بضرورة إعادة تقييم منظومة الإنارة العمومية برمتها، سواء من حيث البنية التحتية أو من حيث أساليب التدبير والمراقبة.
نحو مقاربة إصلاحية شاملة
المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من معالجة الأعطاب بعد وقوعها إلى تبني مخطط استباقي يشمل:
جرداً شاملاً لنقط الضعف في الشبكة.
برنامجاً دورياً للصيانة الوقائية.
آليات شفافة لتدبير الصفقات وسندات الطلب.
تحديد المسؤوليات بوضوح داخل المجلس الجماعي والمقاطعات.
فاس، بتاريخها ومكانتها، لا تستحق أن تعيش في الظلام. والمطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل تحمل المسؤولية السياسية والإدارية، وإعادة المرفق إلى مساره الطبيعي، بما يضمن خدمة عمومية مستقرة وآمنة تحترم تطلعات الساكنة.
الرسالة واضحة: الإنارة العمومية ليست ترفاً، بل حق حضري أساسي، وأي خلل في تدبيرها يدق ناقوس الخطر ويستدعي معالجة جذرية تضع مصلحة المدينة فوق كل اعتبار.
مؤتمر دولي يناقش الإعلام الرقمي
تحتضن قاعة المحاضرات في كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس – فاس، التابعة لجامعة سيدي محمد…






