Home الصحافة المغربية قابلية التشيّع

قابلية التشيّع

قابلية التشيّع

تَدَحْرَجَ العَقْلُ العربي المسلم، منذ ما يُسمّى “بالفِتنة الكبرى”، عبر عدّة محطّات صاغَتْه، مِن التحكيم والحاكمية إلى “التَّحَكُّم وإدارة التَّوَحُّش” (1)، فكان الفَهْمُ الدِّيني في كل مرّة هو المحور الأساس الذي من خلاله تجلَّت أزمة “العقل الفقهي” (2)، ذي ازدواجية الخطاب (3)، القابع في براثن “الجهل المؤسَّس” (4).

ومن مفارقات هذا الوضع، إلحاح السَّلَف البعيد على ضرورة “الإمساك عمّا شجر بين الصحابة”، و”إعدام” ما حصل في حقبتهم من تصادم (5)، حفاظًا على مكانتهم كناقلين للدين، ودرءًا للفتنة بين المسلمين، ما يعني بشكل من الأشكال إقبار الحقيقة. في المقابل، يدعو خَلَفُهم اليومَ لتمكين الشريعة الإسلامية من قيادة المجتمع، تمهيدًا لإحلال “الخلافة على منهاج النبوة”.

لكنّ الحاصل، كما بدا صوتًا وصورةً في “عصر السماوات المفتوحة” كما يُقال، هو أنّ الأمة العربية والإسلامية لا زالت تعكس اليوم صورة ذلك الماضي، الذي يحاول البعض “إقبارَه” كما في حال السلفيين، أو القطع معه كما ينادي الحداثيون.

منذ أوائل القرن العشرين، ومباشرةً عقب سقوط “الخلافة العثمانية”، ظهر مفكرون مسلمون يدعون للإصلاح الإسلامي ومحاربة الاستعمار، فكان على رأسهم جمال الدين الأفغاني (6)، وفي لبنان محمد رشيد رضا، الذي دعا بدوره إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كنظام سياسي (7)، وعقبه تأسيس “جماعة الإخوان المسلمين” في مصر من طرف حسن البنا سنة 1928.

في أفغانستان دائمًا، غرز السوفييتُ في وحل حرب “الوكالة”، فحَطَّ الغربُ “أرجُلَه” الممتدة بالتَّوالي، وبتنا نسمع ببطولات وكرامات “المجاهدين” آنذاك. لقد عملت “الصحوة الإسلامية” كما يسمونها حينَها على تجييش الشعوب، وكأنّ هذه الشعوب وُلِدَت لتهوى القتال. ثم عاد “الأفغان العرب” إلى بلدانهم حيث أتمّوا القتال، وسقط السوفييت، ومعهم “حائط برلين”، لكي يسقط بالتَّوْ قناعٌ من على وجه عالم جديد، تحكمه “الأحادية القطبية”.

..أعاد سقوط “أبراج مانهاتن” حنينَ الأمريكيين إلى أفغانستان، وغرزوا بدورهم هناك إلى أن أسقطوا “بالجوار” “جدارَ صدام العظيم” في 2003، لكي تمتدَّ بذلك أذرع إيران إلى سوريا ولبنان، حيث شكلت محطة 2006 فارقًا جوهريًّا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

..ثم جاء “الربيع العربي” يختال ويحتال على نفس الشعوب التي حلمت ذات مرة أن تكون مقبولة دون قابلية، حلمت بتحسين الوضع، لكن سرعان ما سَفَّرَتْها حكوماتُ “الإخوان” التي اغتنمت “الربيعَ” من بعدما تربصت بالأوطان التي يسمونها عادة “أوثانًا”. سَفَّرَتْهم “لدَوْلةٍ” عشعش فيها الخيال والظلام، بين سوريا والعراق. هناك حيث أنهك المحور “الأفغاني” سبعَ سنواتٍ عجاف وَلَدْنَ سبعًا أُخَر، تلك أربع عشرة كاملةً من الدمار.

ثم ما لبثَ أن انطلق في الأقصى “الطوفان”، فقالت حينها إيران: “يا يمنُ لإخوانِك اسندي”، و”يا أنت يا حزبَ لبنان، من الصواريخِ لا تقلعي”. إلى أن جاءت “حربُ رمضان” حيث التقى الجمعان، وتبين أنّ “المسرحية” واقعُ حال. منذ ذاك ولا يزال “الإخوان” على كل وسائل السوشيال ميديا يتناظرون، يتساءلون: هل هؤلاء الفرس مسلمون؟ وهل لمن مات منهم من غفران؟ هل سيكون التشيّعُ السياسي من مخرجات الحرب؟ ألا يكون التشيّع السياسي عَتَبةَ التشيّع الديني؟

يقول ونيس المبروك (8): “إيران ليست جمعية خيرية لرعاية الضعفاء والمستضعفين من أهل القِبلة، كما يظن بعض الطيبين!! بل هي دولة لها مشروعها السياسي والعسكري والتوسعي…”، وعليه فإنّ “التشيع السياسي يشكّل المرجعية والأيديولوجية الفكرية التي تدعو للارتباط والولاء لنظام الولي الفقيه وتوجهاته وأذرعه ومواقفه، وهو يتّسع لأطياف وألوان من غير الشيعة الإمامية (الإثني عشرية)، فهو يخترق المذهب السني في بعض جماعاته المتشددة، مثل حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وصولاً إلى القاعدة وغيرها” (9).

لكنّ “الحقيقة أنّ التشيع لم يكن في يوم من الأيام، منذ ولادته، مجرّد اتجاه روحي بحت، وإنما وُلد التشيع في أحضان الإسلام بوصفه أطروحة مواصلة الإمام علي (عليه السلام) للقيادة بعد النبي فكرياً واجتماعياً وسياسياً على السواء كما أوضحنا سابقاً عند استعراض الظروف التي أدّت إلى ولادة التشيع، ولم يكن بالإمكان بحكم هذه الظروف أن يُفصل الجانب الروحي عن الجانب السياسي في أطروحة التشيع تبعاً لعدم انفصال أحدهما عن الآخر في الإسلام نفسه” (10).

الظاهر أنّه في ظلّ هذه الأجواء المشحونة بالاستقطاب وإرهاصات الأحادية القطبية، سيظلّ العقل المسلم بين “أذرع” إيران و”أرجل” محور الإخوان، ما دام “سجينَ ماضيه” تَحْدوهُ للتشيّعِ قابلية.

الهوامش:

(1) أنظر مقالنا “من التحكيم والحاكمية إلى التحكم وإدارة التوحّش”، جريدة هسبريس، 9 يوليوز 2015.

(2) اعتبر الدكتور محمد عابد الجابري، في مؤلفه “تكوين العقل العربي”، أن “العقل العربي عقل فقهي تكاد تقتصر عبقريته في البحث لكل فرع عن أصل وبالتالي لكل جديد عن قديم يقاس عليه اعتماداً على النصوص حتى غدا النص هو السلطة المرجعية الأساسية للعقل العربي وفاعليته”.

(3) أنظر مقالنا “ازدواجية الخطاب الإسلامي”، جريدة هسبريس، 17 أكتوبر 2017.

(4) حسب الدكتور محمد أركون، النظام التربوي في العالم العربي الإسلامي يقيّد العقول حتى لا تنتج، وهذا هو الجهل المؤسَّس. كتب أيضا عن “الجهل المقدّس” وكان محقاً، الجهل المقدس المؤدي إلى ما كتب عنه مالك بن نبي ووصفه “بقابلية الاستعمار”.

(5) جاء في “فضائل الصحابة” للإمام أحمد (1/69)، (2/1152): فقد روى ابن بطة بالإسناد الصحيح (2) عن عبدالله بن أحمد قال: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون”. قال الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (10/92): “تقرّر الكفّ عن كثير مما شجر بينهم وقتالهم؛ رضي الله عنهم أجمعين؛ وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب…”.

(6) جمال الدين الأفغاني (1838/1897) من بين المفكرين المسلمين الأوائل الذين طرحوا أفكاراً إصلاحية، ودعوا لمقاومة الهيمنة الغربية عبر قناة الإسلام.

(7) محمد رشيد رضا (1865/1935)، من خلال كتابه “الخلافة أو الإمامة العظمى” في عام 1924.

(8) أمين عام مساعد في “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، “بين التشيّع السياسي وسياسة التشيع”، موقع “الجزيرة نت”، 31 أكتوبر 2024.

(9) هاني نسيرة، “إيران وتوظيف التشيع السياسي؛ إشكالات المفهوم واستراتيجيات الخطر والاحتواء”، موقع “استراتيجيك”، 5 أبريل 2022.

(10) السيد محمد باقر الصدر، موقع “مركز الإشعاع الإسلامي”، “التشيع الروحي والتشيع السياسي”.

The post قابلية التشيّع appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

سمير عزومصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

three × two =

Check Also

اليوم الدولي للفرنسية يعيد نقاش المسألة اللغوية داخل المدرسة المغربية

يحتفل العالم الفرنكفوني في 20 مارس من كل عام باليوم الدولي للغة الفرنسية، الذي يصادف تأسيس…