“قايد راسو”…

قبل زمن غير بعيد، كنا نسمع ونحن صغار أن فلانًا مريض… يتساءل الناس: وهل ذهبوا به عند الطبيب؟… يأتي الجواب: نعم… ذهبوا به عند “طبيب راسو”. كانت هذه العبارة ترحل بتفكيري في سفر تتزاحم فيه الأسئلة… طبيب راسو… من يكن هذا الطبيب؟ هل يعالج نفسه فقط؟… بعد حين فهمت أن طبيب راسو هو طبيب يعمل لحسابه الخاص، وكان الناس يميزونه عن طبيب المخزن، أو طبيب الدولة، أو ما يعرف الآن بطبيب القطاع العمومي، الذي كان يفحص المواطنين بالمجان، ويعطيهم الدواء بالمجان، ويحقنهم بالمجان، ويبتسم في وجوههم بالمجان…
وعلى غرار طبيب راسو، صادفت مقاطع منشورة على بعض المواقع تتحدث عن درب بحومة إيلان بمدينة مراكش، يسمى “درب قائد راسو”، وهو درب غارق في التاريخ، سكنه العلماء والفقهاء وعائلات مراكشية عريقة… قدمت بعض التفسيرات حول هذه التسمية، إلا أنها لم تكن مقنعة بما يكفي.
عادت بي عبارة “قايد راسو” إلى تسعينات القرن الماضي، حين كنت طالبًا أحضر رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ الحديث بكلية الآداب باب الرواح بالرباط، حيث كان موضوع البحث هو “جيش العبيد والدولة المغربية منذ التأسيس حتى سنة 1757م”، وقد صادفت وقتها إشارات متعددة وردت ضمن مجموعة من المصادر التاريخية حول قايد راسو، أو قواد رؤوسهم.
لقد شكل هؤلاء القواد فرقة عسكرية متميزة ضمن جيش عبيد البخاري خلال حكم السلطان المولى إسماعيل، كما أثروا في تطور الأحداث بعد موته خلال ما يعرف بأزمة الثلاثين سنة، التي امتدت من سنة 1727م إلى سنة 1757م، والتي انتهت بتولي السلطان سيدي محمد بن عبد الله الحكم، حيث قضى على ما تبقى من جيش عبيد البخاري، منهيًا بذلك تجربة عسكرية نظامية فريدة لم يسبق أن عرفها تاريخ المغرب من قبل، حيث حرص السلطان المولى إسماعيل على تأسيس جيش نظامي من العبيد والحراطين، مستقل عن الجيوش التقليدية التي كانت تعتمد على الحشد القبلي، آملًا أن يخلق جيشًا للدولة غير مرتبط بالولاءات القبلية.
فمن هو قايد راسو، أو من هم قواد رؤوسهم؟
لقد تحدث عنهم الإخباريون المغاربة في العديد من المصنفات التاريخية، وكذا بعض الأجانب، خاصة الأسرى الذين عاشوا في البلاط السلطاني بمكناس، ودونوا ما شاهدوه وعايشوه حول تلك المرحلة، من أمثال Thomas PELLOW في مؤلفه “la relation de Thomas Pellow. Une Lecture du Maroc au 18ème Siècle”، وكذا بعض من وصل إلى مكناس في رحلات سفارية، حيث تحدث John WINDUS في مؤلفه “رحلة إلى مكناس” عن أقسام جيش العبيد، وذكر أن القسم الرابع من هذا الجيش كان “لا يتمتع قواده إلا باللقب، ولذلك يطلق عليهم قواد رؤوسهم”. وأضاف أن قواد رؤوسهم “هم نوع من القواد يعفون من الخدمة”، وحدد عددهم في 1800 قائد. في حين تحدث الناصري في “الاستقصا” عن 5 آلاف قائد، “كلهم أصحاب خيل”. كما شغل قواد رؤوسهم العديد من الدارسين من أمثال Meyers, Allan Richard من خلال مقال فريد بعنوان “Note sur les Quaid Rashu”.
إلا أن ما شدني هو التعريف الذي أورده العباس بن إبراهيم حول قواد رؤوسهم في كتابه “الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام”، حيث قال بخصوص عبارة قواد رؤوسهم أنها: “…عبارة عامية معناها الضباط أو المتصرفون الإداريون الذين يتولون الوظائف استقلالًا ويباشرون الأعمال استبدادًا من غير رجوع إلى سلطة عليا شرعية. مفرده قائد راسو”.
بعيدًا عما قيل أكاديميًا عن جيش عبيد البخاري عموماً، وقواد رؤوسهم على وجه الخصوص، تأملت في التعريف الذي قدمه العباس بن إبراهيم لقواد رؤوسهم، خاصة عبارة “يباشرون الأعمال استبدادًا من غير رجوع إلى سلطة عليا شرعية”، فحمدت الله غاية الحمد، وشكرته شكر أوليائه الصالحين الذين يعيشون زمن الصفاء في خلواتهم. حمدته حمدًا بلا حد عما يعرفه زمننا هذا من تعدد المؤسسات المنظمة دستوريًا، وفصل وتنظيم السلط، وكثرة القوانين التي تضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فاصلة بين ما يجب فصله، ومؤكدة على التشاركية فيما يجب التشارك فيه، خدمة للبلاد والعباد. ولو لا ما ذكر، لوجدنا على وزن قايد راسو: وزير راسو، وبرلماني راسو، ومدير راسو، ومفتش راسو، ورئيس راسو لجماعة ترابية، وعمدة راسو… وحتى المؤسسات والمرافق العمومية تصبح “ديال راسها”… إلا أن الله حفظ وسلم.
The post "قايد راسو"… appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
الفيلالي يعتلي المسرح بـ”شيك أوت”
في خطوة تعكس رغبته في استعادة بريقه الفني والتواصل المباشر مع جمهوره، يعود الفنان الكوميدي…










