ليلة القدر والقرآن واللغة العربية
هوية بريس – د.مصطفى قرطاح
شرف الله تعالى ليلة نزول القرآن الكريم شرفا عظيما، ونوه بشأنها، فأطلق عليها ليلة القدر؛ أي ليلة الشرف، وباركها فصارت ليلة مباركة، وصار الملأ الأعلى يحتفلون بها كلما حلت ذكراها في رمضان من كل عام، فتتنزل الملائكة وجبريل عليه السلام، وصار قيامها إيمانا واحتسابا مظنة مغفرة ماتقدم من الذنوب.
إن الاحتفاء بهذه الليلة هو احتفاء بنزول الوحي، وفي هذا الصدد، يجدر التذكير بأمرين اثنين:
أولهما أن الله تعالى افتتح رسالة القرآن بمخاطبة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} [سورة العلق:1-5]، فكان هذا الخطاب الإلهي تأسيسا وانطلاقة لمشروع القراءة والعلم في الأمة، والعناية بمستلزماتهما من الكتابة والتوثيق والنشر، وتوابعهما
من المدارسة والتفكر والتعقل والتفقه والنظر، كما كان إيذانا برفع عار الأمية والجهل عن العرب.
الأمر الثاني: أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، فقال سبحانه منوها بشأنه وممتنا على نبيه: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 192-195]، فصارت عربية القرآن حجة على العرب أنفسهم، يبسط الله تعالى هذه الحجة في قوله: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} [النحل:103]، كما صار العلم بالعربية شرطا لازما لفهم كلام الله تعالى والتفقه فيه والاستنباط منه، وبقدر التمكن من العربية يكون التمكن من فهم الشريعة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: “وبيان تعين هذا العلم (يعني العلم بالعربية وتعينه لفهم الشريعة) ما تقدم في كتاب المقاصد من أن الشريعة عربية، وإذا كانت عربية؛ فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا؛ فهو متوسط في فهم الشريعة” [الموافقات في أصول الشريعة، ج5، ص:53]، وبمفهوم المخالفة يصح القول بأن التفريط في العربية وإهمالها هو تفريط في الدين ونقض لأهم أسسه ومقوماته.
ولما كانت الرسالة الإسلامية رسالة عالمية، فإن العربية لم تعد لغة قومية تخص العرب وحدهم، بل صارت لغة كل مسلم، مهما كان منشؤه أو عرقه أو لسانه، يتعبد الله تعالى بقراءة القرآن الكريم؛ في الصلاة أو خارجها، كما صارت لغة كل مؤذن يرفع صوته بالأذان إعلاما بدخول وقت الصلاة ودعاء إلى شهودها في المساجد، وهكذا انتشرت اللغة العربية في مشارق الأرض ومغاربها، وصارت محل عناية عظيمة من قبل العرب والعجم على حد سواء، بل نبغ فيها العجم نبوغا عجيبا، وسيبويه خير نموذج في هذا الباب.
ولم تكن هذه العناية باللغة العربية توحي بميل إلى إقصاء اللغات الأخرى وتهميشها، لأن القرآن الكريم نص بكل وضوح على أن اختلاف اللغات هو آية من آيات الله تعالى: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} [الروم:22]، بل إن دعوة القرآن الشعوب والقبائل إلى التعارف شكل أساسا متينا وحافزا قويا على تعلم لغات تلك الشعوب.
وهكذا احتلت اللغة العربية هذا الموقع العظيم من دين الإسلام، كما تبوأت تلك المكانة المرموقة بين لغات الأمم، ومن هنا ندرك السبب الذي جعل أعداء الإسلام يناصبون العداء للغة العربية ويهمشونها ويحاربونها بطرق شتى، ومن وجوه تلك المحاربة نشير إلى ما يلي:
– محاربتها في المناهج التعليمية، من خلال وضع أسوأ المناهج التربوية وأقبح طرق التدريس في تعليمها،
– محاربتها في المؤسسات الرسمية، وخاصة في المؤسسات الثقافية والإعلامية، ومزاحمتها بلغات أجنبية لا صلة لها بالأمة، ولا تتفع في العلم والمعرفة،
– التشجيع على استعمال اللهجات واللغات الدارجة والتمكين لها.
وفضلا عما يفضي إليه إهمال اللغة العربية من إضعاف الصلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وتراث الأمة الإسلامية، فإنه يتسبب كذلك في تمزيق الأمة الإسلامية بتغييب اللغة الجامعة التي توحدها.
وخلاصة القول، فإن الاحتفال بليلة القدر لا ينبغي أن يبقى مقتصرا على الاجتهاد التعبدي الفردي، يشغل بعض الساعات والليالي من العشر الأواخر من رمضان، بل ينبغي أن يكون موقظا لوعي الأمة ونخبها ومفكريها برسالة ربها وكتابه، وباللغة التي نزل بها، فتضع الخطط والبرامج الرامية لتعلم العربية واكتساب علومها، وإقامة المؤسسات المشرفة على تنزيل تلك البرامج، وتوفير الشروط المادية والبشرية لاستمرارها ونجاحها، كما ينبغي أن يكون الاحتفال بهذه الليلة مبعثا لإعادة الاعتبار للقراءة ووضعها موضع التعبد والامتثال والنقرب إلى الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
The post ليلة القدر والقرآن واللغة العربية appeared first on هوية بريس.
النساء في المجالس المحلية: حضور شكلي أم تمكين فعلي؟
كشف التقرير السنوي لمنتدى أنوال للتنمية والمواطنة حول وضعية حقوق الإنسان بجهة الشرق لعام 2…







