مآل حزب الله اللبناني
يشكل حزب الله اللبناني، منذ تأسيسه عام 1982، حالة فريدة على صعيد القانون الدولي والسياسة الداخلية اللبنانية. فهو حزب سياسي يشارك في الحكومات والبرلمان، وفي الوقت ذاته يمتلك ترسانة عسكرية ضخمة تعمل خارج إطار الدولة اللبنانية، وترتبط بعلاقة عضوية مع إيران. وعلى مدى عقود، تناوبت مراحل من الصعود العسكري والسياسي مع مراحل من التصفية الجسدية لقياداته، كان أبرزها اغتيال عماد مغنية عام 2008، ثم التصفيات المنهجية التي طالت قادة الصف الأول خلال الحرب الأخيرة، وعلى رأسهم الأمين العام حسن نصر الله في سبتمبر 2024. ومع تصاعد الحرب بين إيران وإسرائيل بدعم أمريكي، يجد الحزب نفسه اليوم في أضعف حالاته العسكرية والاقتصادية، وسط تراجع الدعم الإيراني وتغير المعادلات الداخلية في لبنان. فما المآلات المحتملة للحزب في ضوء قواعد القانون الدولي، في ظل مسؤوليته عن الأضرار التي لحقت بلبنان، والتسلسل الزمني للضربات التي وجهت إليه، والسيناريوهات المطروحة لمستقبله؟
1. الإطار القانوني: إشكالية تصنيف النزاع واستخدام القوة
أ. النزاع المسلح الدولي بين إيران وإسرائيل
شكلت الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، خاصة بعد الهجمات الإيرانية المباشرة على إسرائيل في أبريل 2024 والضربات الإسرائيلية (بمشاركة أمريكية جزئية) على أراضي إيران في 28 فبراير 2026، ساحة للخلاف القانوني العميق حول مدى شرعية استخدام القوة. يرى فريق أن الهجمات الإسرائيلية تمثل انتهاكًا للمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد السيادة الإقليمية لأي دولة، إذ لم يسبقها “هجوم مسلح” بالمعنى التقليدي الذي تستوجبه المادة 51 للدفاع الشرعي. في المقابل، يرى فريق آخر أن إيران انخرطت لعقود في شن هجمات عبر وكلائها، بينهم حزب الله، مما يشكل هجمات مسلحة مستمرة تبيح الرد الاستباقي وفق نظريات قانونية مثل “الدفاع الوقائي” المستندة إلى مبدأ Caroline التاريخي (دفع العدوان بضرورة فورية). هذا الخلاف يعكس انقسامًا في المجتمع الدولي حول تطور قواعد قانون اللجوء إلى الحرب (jus ad bellum) في مواجهة الحروب بالوكالة.
ب. النزاع المسلح غير الدولي في لبنان
أما العمليات بين إسرائيل وحزب الله على الأراضي اللبنانية، فتصنف قانونًا كنزاع مسلح غير دولي، لأن طرفيه هما دولة (إسرائيل) من جهة، وجماعة مسلحة غير حكومية (حزب الله) من جهة أخرى، وإن كانت الأخيرة تتمتع بعلاقات وثيقة مع إيران. تخضع هذه العمليات للمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف ولقواعد القانون الدولي العرفي، التي تلزم جميع الأطراف بحماية المدنيين والمنشآت المدنية، والالتزام بمبدأي التمييز والتناسب.
2. حزب الله بين كونه “سلاحًا خارج إطار الدولة” وعلاقته بإيران
قانونيًا، لا يتمتع حزب الله بصفة دولة، بل هو جماعة مسلحة منظمة تعمل داخل لبنان. وقد ألزمت قرارات مجلس الأمن الدولي، لاسيما القراران 1559 (2004) و1701 (2006)، لبنان بحل جميع الميليشيات ونزع سلاحها، وأكدت على ضرورة احتكار الدولة اللبنانية للسلاح. كما أن اتفاق الطائف (1989) الذي أنهى الحرب الأهلية نص صراحة على حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. غير أن الحزب ظل متمسكًا بسلاحه، مستندًا إلى مبررات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ومعتمدًا على دعم إيراني سخي من حيث التمويل والتدريب والتسليح. فلطالما اعتبرت إيران حزب الله أداةً محورية لنفوذها الإقليمي، وامتدادًا للحرس الثوري الإيراني خارج حدوده. هذا الارتباط العضوي جعل من الحزب هدفًا رئيسيًا في أي صراع إيراني-إسرائيلي، وأثقل كاهل لبنان بعبء ليس طرفًا فيه.
3. الضربات المتلاحقة التي تلقاها الحزب
تعرض حزب الله لسلسلة من الضربات النوعية التي استهدفت بنيته القيادية والعسكرية على مدى سنوات، وتصاعدت بشكل كبير منذ أكتوبر 2023:
فقد تم في 2008 اغتيال عماد مغنية (رئيس أركان الحزب وأحد مؤسسيه) في دمشق بعملية نسبت لإسرائيل، وكانت بمثابة ضربة كبرى للجهاز العسكري والأمني للحزب.
وأيضًا في الفترة من 2013 إلى 2017، تم اغتيال عدد من القيادات الميدانية في سوريا أثناء تدخل الحزب إلى جانب النظام السوري، أبرزهم جهاد مغنية (نجل عماد) ومصطفى بدر الدين.
أما بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، فكثفت إسرائيل عمليات الاغتيال داخل لبنان، وبلغت ذروتها مع اغتيال القائد العسكري فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية لبيروت في 30 يوليو 2024، وتفجير أجهزة اتصال (بيجر ولاسلكي) يستخدمها عناصر الحزب في 17–18 شتنبر 2024، مما أسفر عن مقتل وإصابة آلاف المقاتلين.
وفي 27 شتنبر 2024، تم اغتيال الأمين العام حسن نصر الله في غارة جوية استهدفت مقر القيادة في الضاحية الجنوبية.
واستمرت الاغتيالات التي طالت قادة عسكريين كبارًا، بينهم هاشم صفي الدين (المرشح لخلافة نصر الله)، ونبيل قاووق، ومحمد رعد، إضافة إلى تدمير معظم ترسانة الصواريخ والبنية التحتية العسكرية للحزب في الفترة من أكتوبر 2024 إلى لحظة كتابة هذه السطور.
كما شهدت الفترة ذاتها ضربات إسرائيلية استهدفت منشآت اقتصادية مرتبطة بالحزب، مثل فروع مؤسسة “القرض الحسن” في مارس 2026، مما زاد من الضغط المالي على الحزب.
4. دور حزب الله في تدمير لبنان ومسؤولياته القانونية والسياسية
على المستوى الداخلي، يتحمل حزب الله جزءًا كبيرًا من مسؤولية الأزمات المتعاقبة التي عصفت بلبنان، وذلك لعدة أسباب:
-إقحام لبنان في صراعات إقليمية: فبقراره الانفرادي بالحرب أو السلم، جعل الحزب لبنان ساحة لصراعات لا ترغب فيها غالبية اللبنانيين، مما أدى إلى دمار واسع في البنى التحتية، ونزوح جماعي، وشلل اقتصادي.
-عرقلة قيام الدولة: من خلال الاحتفاظ بسلاح غير شرعي، حال الحزب دون فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وعطل مؤسسات الرقابة والقضاء في ملفات حساسة مثل انفجار مرفأ بيروت عام 2020.
-الانهيار الاقتصادي والمالي: ساهم هيكل الحزب المالي الموازي، وسيطرته على قطاعات اقتصادية كبرى، في ترسيخ اقتصاد الريع والفساد، وعزز عزوف المجتمع الدولي عن تقديم مساعدات إنقاذية للبنان دون إصلاحات حقيقية.
-التأثير على السيادة اللبنانية: العلاقة الوثيقة مع إيران جعلت القرار السياسي اللبناني مرتهنًا في كثير من الأحيان لمصالح إقليمية، مما أفقد الدولة قدرتها على تبني سياسة خارجية مستقلة.
من منظور القانون الدولي، تثور مسؤولية لبنان الدولية عن الأفعال التي يرتكبها حزب الله إذا ثبت أن الدولة اللبنانية كانت متواطئة أو عاجزة عن منع استخدام أراضيها لتهديد دول أخرى، وهو ما تكرس في قرارات مجلس الأمن المتكررة التي دعت إلى نزع سلاح الميليشيات.
5. الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني (مبدأ التمييز والتناسب)
شكلت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان ساحة لتطبيقات مثيرة للجدل لمبدأ التمييز. ففي حين تتهم منظمات حقوقية إسرائيل باستهداف أعيان مدنية أو استخدام القوة بشكل غير متناسب، يرى آخرون أن حزب الله هو من يتحمل المسؤولية الأساسية عن إلحاق الضرر بالمدنيين من خلال تموضع عتاده العسكري في مناطق سكنية مكتظة، واستخدام المنشآت المدنية غطاءً لعملياته، وهو ما يعد انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني بحد ذاته. ووفقًا للجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن “استخدام المدنيين أو الأعيان المدنية كدروع بشرية يحرمهم من الحماية ويجعلهم عرضة للخطر”. كما أن نشر أصول عسكرية في مناطق مدنية يعتبر انتهاكًا لمبدأ التمييز، وقد يؤدي إلى مسؤولية الطرف الذي يتخذ من المدنيين دروعًا عن الجرائم التي تقع نتيجة ذلك.
6. السيناريوهات المستقبلية لحزب الله
في ضوء التراجع الإيراني الحاد، وتآكل القدرات العسكرية والاقتصادية للحزب، والتغيرات السياسية في لبنان (مثل انتخاب رئيس للجمهورية ملتزم باحتكار الدولة للسلاح)، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أ. الاندماج التدريجي في الدولة:
وهو السيناريو الذي تراهن عليه أوساط لبنانية ودولية، حيث يسلم الحزب سلاحه الثقيل تدريجيًا ويندمج في إطار دفاعي وطني، ويتحول إلى حزب سياسي مدني بحت. هذا السيناريو يحقق متطلبات القرارات الدولية والطائف، ويفتح الباب أمام تعافي لبنان واستعادة ثقة المجتمع الدولي. لكنه يواجه عقبات داخلية في الحزب، لا سيما من الجناح العسكري المتحمس لاستمرار النهج “المقاوم”.
ب. سيناريو التفكك والانهيار:
قد يؤدي استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى انقسامات داخلية وتفكك التنظيم، خاصة بعد فقدان القيادة التاريخية والارتهان المالي. وهذا السيناريو يحمل مخاطر أمنية كبيرة، منها: فراغ في مناطق النفوذ، وتصفيات داخلية، وانهيار الخدمات التي كان الحزب يقدمها لقاعدته الشعبية. كما أن انهيار الحزب دون بديل وطني قد يفتح الباب أمام فوضى أمنية.
ج. سيناريو الاستمرار بقدرات متواضعة ونفوذ متراجع:
في هذا السيناريو، يتمكن الحزب من البقاء كمنظمة مسلحة لكن بقدرات محدودة، مع احتفاظه بغطاء سياسي وقاعدة شعبية ضيقة. سيظل الحزب في هذه الحالة يشكل تحديًا للسيادة اللبنانية، ويظل عرضة لضربات إسرائيلية دورية، مما يبقي لبنان في حالة هشاشة مستمرة ويعيق أي تعافٍ اقتصادي حقيقي.
الخلاصة
يمثل حزب الله اللبناني نموذجًا للتنظيم المسلح الذي تحول من قوة “مقاومة احتلال” إلى لاعب إقليمي بامتياز، لكنه دفع ثمنًا باهظًا لهذا التحول: تصفية قياداته تباعًا، وتدمير ترسانته العسكرية، وتوريط لبنان في حروب لا طائل منها. اليوم، وبعد أن خسرت حاضنته الإيرانية جزءًا كبيرًا من قدرتها على الدعم، وبات مطلب نزع سلاحه مطلبًا وطنيًا ودوليًا متزايدًا، يواجه الحزب لحظة تاريخية فارقة: إما أن ينخرط في بناء الدولة اللبنانية كحزب سياسي مدني، أو أن يستمر في مسار الصدام الذي لم يعد بوسعه احتماله. إن الخيار الأول ليس فقط الأنسب للبنان، بل هو أيضًا الخيار الذي ينسجم مع القانون الدولي، ويفتح الطريق أمام الاستقرار والازدهار الذي حرم منه اللبنانيون لعقود بسبب احتكار السلاح خارج إطار الدولة.
-دكتوراه في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية
The post مآل حزب الله اللبناني appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
برئاسة شوكي وحضور أخنوش… المكتب السياسي للأحرار يعقد أول اجتماع بعد المؤتمر الاستثنائي
زنقة20ا الرباط عقد المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، يوم السبت 07 فبراير 2026 بمد…











