Home اخبار عاجلة محاولات سطو الجزائر على التراث المغربي .. صراع ثقافي وتشويش رمزي
اخبار عاجلة - 4 hours ago

محاولات سطو الجزائر على التراث المغربي .. صراع ثقافي وتشويش رمزي

محاولات سطو الجزائر على التراث المغربي .. صراع ثقافي وتشويش رمزي

ينظر إلى محاولات الاستحواذ على بعض عناصر التراث الوطني من طرف الجزائر، في كثير من الأحيان، بنوع من السخرية أو الاستخفاف، وتختزل في كونها مجرد ردود فعل ناتجة عن عقدة نقص أو غيرة مرضية، أو كمحاولات تقليد بسيطة لا تستحق أكثر من التعليق العابر. غير أن هذا التبسيط يحجب أبعادا أعمق لهذه الظاهرة ويفرغها من سياقها الحقيقي، لأنه يتجاوز أن ما يحدث لا يمكن فهمه بقراءة سطحية فقط، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أوسع وأكثر تعقيدا، حيث تتحول الثقافة إلى مجال للتنافس، وتغدو الرموز أدوات فاعلة في تشكيل موازين التأثير.

في هذا السياق تقدم الأدبيات الحديثة مفهوما تفسيريا مهما هو القوة الناعمة (Soft Power)، الذي صاغه جوزيف ناي Joseph Nye، ويعني قدرة الدول على تحقيق مصالحها عبر الجاذبية والإقناع بدل الإكراه. فالثقافة، بما تحمله من رموز ومعان، تتحول إلى أداة تأثير في تشكيل الصورة الذهنية للدول. ومن هذا المنطلق يصبح التراث الثقافي ليس مجرد موروث، بل رصيدا رمزيا يستخدم لتعزيز الحضور وإبراز الخصوصية. وعندما ينجح بلد في تثبيت عناصره التراثية ضمن مؤسسات دولية فإنه لا يقتصر على حفظ ماضيه، بل يعزز حضوره الرمزي ويقوي صورته على المستوى الثقافي.

هنا تبرز أهمية منظمة اليونسكو، ليس باعتبارها جهة تمنح “ملكية” قانونية، بل باعتبارها مؤسسة تنتج الاعتراف الدولي. فوفق اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي تمر عملية تسجيل أي عنصر عبر مسار دقيق يبدأ بإدراجه ضمن الجرد الوطني، ثم إعداد ملف علمي يتضمن توثيقا تاريخيا وتقنيا، وإثبات وجود ممارسة حية داخل المجتمع، وإشراك الحرفيين والفاعلين المعنيين، مع تقديم خطة واضحة للحفاظ عليه. بعد ذلك يخضع الملف لتقييم خبراء دوليين، قبل أن يعرض على لجنة حكومية دولية (Comité intergouvernemental) تتخذ القرار النهائي. هذا المسار لا يمنح احتكارا قانونيا، لكنه يمنح ما هو أكثر تأثيرا: شرعية مؤسساتية، ومرجعية معترف بها دوليا، وإشعاعا واسعا.

وقد برزت أهمية هذا المسار من خلال عدد من الملفات الحديثة، ففي دجنبر 2020 تم تسجيل “المعارف والمهارات المرتبطة بالكسكس” ضمن ملف مشترك بين المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، وهو ما يعكس طبيعته كتراث متقاسم ويبرز حضور المغرب فيه كجزء أصيل ومتميز من هذا الفضاء الثقافي. وفي 10 دجنبر 2025، خلال الدورة العشرين للجنة الحكومية الدولية المنعقدة بنيودلهي، تم تسجيل القفطان المغربي كعنصر خاص بالمغرب، وهو اعتراف مهم بمنظومة تقليدية متكاملة تشمل الحياكة والتطريز ووظائف اللباس داخل المجتمع المغربي.

أما الزليج فقد دخل بدوره مسار التثبيت الدولي، إذ أطلق المغرب في نونبر 2025 مشروع تسجيل “فن الزليج بفاس وتطوان”، قبل أن تظهر مؤخرا معطيات تفيد بتقديم شكاية لدى اليونسكو على خلفية محاولة السطو على هذا الفن من طرف الجزائر وإعادة تقديمه بصيغ قد تحدث لبسا حول أصله، وهو ما يعكس انتقال هذا الملف من النقاش الإعلامي إلى مستوى الترافع المؤسساتي.

في هذا السياق لا يمكن فهم محاولات الاستحواذ على بعض عناصر التراث المغربي من طرف الجزائر كوقائع معزولة، بل كجزء من دينامية أوسع تسعى إلى التأثير في السرديات وإحداث نوع من التشويش الرمزي. وهنا تبرز فكرة أساسية: لم تعد الصراعات بين الدول تقتصر على الأدوات العسكرية أو الدبلوماسية التقليدية، بل امتدت أيضا إلى مجالات ذات طابع ثقافي، حيث يصبح التنافس قائما حول المعاني والرموز بقدر ما هو قائم حول المصالح المادية؛ فالمسألة لا تتعلق بإثبات امتلاك فعلي لعناصر التراث، بقدر ما تتعلق بإدخالها في منطقة رمادية تجعل إدراكها أقل وضوحا لدى المتلقي الدولي. وهذا بالضبط ما يمنح هذه الملفات أهميتها، لأنها تعكس شكلا من أشكال الصراع الثقافي الممنهج، الذي لا ينبغي التقليل من دلالاته أو الاستخفاف بأثره.

غير أن التحدي لا يأتي فقط من الخارج، بل يرتبط أيضاً بكيفية تعاملنا نحن مع هذا التراث. وفي هذا الإطار، ورغم أن اشتغال عدد من الحرفيين المغاربة في مشاريع خارجية، خاصة في مجالات الزخرفة والترميم، يعكس قيمة الخبرة المغربية وحجم الطلب عليها، فإنه قد يتحول، في غياب تأطير واضح، إلى قناة غير مباشرة لنقل معارف دقيقة قابلة لإعادة التوظيف أو الاستنساخ. كما ساهمت المنصات الرقمية في توسيع نطاق التعريف بالفنون والمهارات التقليدية المغربية ونشرها على نطاق واسع، وهو ما يعزز إشعاعها الثقافي ويقوي حضورها، غير أن هذا الانفتاح نفسه يواكبه، في بعض الحالات، كشف جزء من التفاصيل التقنية الدقيقة المرتبطة بهذه الحرف، بما يجعل بعض معارفها قابلة للانتقال خارج أطرها التقليدية. لذلك يظل من الضروري اعتماد مقاربة متوازنة تحافظ على دينامية التعريف والانفتاح، مع قدر من الوعي في كيفية تقديم هذه المعارف، بما يضمن استمرارها داخل إطارها المهني والثقافي السليم.

ومن هنا يصبح التعامل مع هذه المرحلة مسؤولية تتطلب تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح والحماية. فمن الضروري تسريع وتيرة توثيق التراث وتسجيله، وتعزيز حضوره داخل المؤسسات الدولية، إلى جانب تطوير أدوات قانونية لحماية المعارف التقليدية. وفي الوقت نفسه ينبغي توجيه المحتوى الرقمي بقدر أكبر من الوعي، بحيث يسهم في التعريف دون إتاحة تفاصيله التقنية الدقيقة خارج إطارها المهني. كما يقتضي الأمر التفكير في تأطير نقل الخبرات الحرفية بما يحافظ على قيمتها ويحد من استغلالها خارج سياقها الأصلي، فضلاً عن دعم البحث العلمي وبناء أرشيف موثق يعزز المرجعية المغربية.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بردود فعل ظرفية أو جدل عابر، بل بوعي بطبيعة هذا المجال وحدوده؛ فما يحدث ليس أمرا بسيطا يمكن تجاهله، بل يندرج ضمن أشكال الصراع الثقافي التي تستدعي الانتباه والتعامل معها بجدية. ومع ذلك فإن هذا التحدي لا يضع المغرب في موقع ضعف، لأن قوته لا تقوم على الخطاب أو الملفات فقط، بل على عمق تاريخي، وممارسة حية، ومنظومة متكاملة من الحرفيين والمؤسسات، وهندسة معمارية دقيقة، وخبرة متراكمة ومهارة متوارثة عبر قرون. لذلك فإن هذه المحاولات، رغم ما تحمله من دلالات، تظل محدودة الأثر أمام تراث ضارب في عمق التاريخ ومتجذر في الممارسة الحية، لا تتغير هويته بإعادة عرضه ولا تنتقل ملكيته بالادعاء، بل يظل مرتبطا بأرضه ومجتمعه وامتداده الحضاري.

ومن هذا المنطلق فإن حماية التراث لم تعد مسألة اعتزاز رمزي فحسب، بل أصبحت عملا منهجيا قائما على التوثيق والتأطير والحضور الفعلي داخل المؤسسات الدولية؛ فالتفوق في هذا المجال هو الضامن الحقيقي لبقاء التراث في سياقه الصحيح، لأن من ينظم معارفه ويثبتها عمليا هو الأقدر على منع إعادة توظيفها خارج أصلها، وصونها من أي التباس أو تحريف.

أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض

مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء.

The post محاولات سطو الجزائر على التراث المغربي .. صراع ثقافي وتشويش رمزي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

محمد بنطلحة الدكالي*مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

2 × 3 =

Check Also

حديث الساعة + ساعة

بقلم : محمد حسيكي    قبل أن يدخل المغرب الساعة إلى مجال العمل اليومي، بدأ العمل من الوجهة …