هشام ناجح: القصة رصاصة واحدة لا تقبل الخطأ .. والرواية “خؤون لعوب”

ثمة كتاب لا يأتون إلى الكتابة كما يأتي العابر إلى طريقه اليومي، بقدر ما يهبطون إليها كما لو أنهم يعودون إلى قدر قديم يسكنهم منذ الطفولة الأولى للكلمات. وحين نقترب من تجربة القاص والروائي المغربي هشام ناجح، نشعر أننا لا نقترب من مجرد كاتب يضيف اسماً إلى مكتبة السرد المغربي، وإنما من ذات قلقة جعلت من اللغة بيتاً آخر، ومن السرد ممراً سرياً بين جراح الواقع وأحلام الإنسان. ذلك أن الكتابة عنده لا تبدو مجرد صنعة فنية أو تمرين جمالي وعلاجي، ولكنها تبدو أشبه بنداء داخلي غامض، كأنها محاولة دائمة لفهم العالم، أو لترويض تلك الأسئلة الثقيلة التي تطرق أبواب الروح كلما اشتد صمت الحياة.
وفي هذا الحوار على صفحات جريدة ” هسبريس الالكترونية “، نقترب من عوالم هشام ناجح، وهو يكتب كما لو أنه يستعيد حكاية الإنسان الأولى مع اللغة، تلك اللحظة الأولى، حين بدأ الكائن البشري يسمي الأشياء لكي لا تضيع، ويرسم مخاوفه على جدران الكهوف حتى لا تبتلعه العتمة. ومن هذه الجذور البعيدة تنبثق كتابة هشام ناجح، كتابة تنصت إلى القلق الإنساني العميق وتعيد صياغته في صور سردية تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع ذاكرة المجتمع، ويتجاور فيها الحلم مع الخيبة، والواقع مع المخيال.
وليس من السهل الإمساك بعالم هذا الكاتب الذي يتنقل بين القصة والرواية، كما ينتقل عبورا بين المغرب وفرنسا كمهاجر، كما لو أنه يعبر بين ضفتين من ماء مختلف. فهو يعبد في دير القصة، ويصعد بروحه في محراب الرواية. وفي هذا التوتر الخلاق بين الجنسين تتشكل تجربته السردية، تجربة لا ترى في القصة مجرد تمرين على الرواية، ولا في الرواية امتداداً آلياً للقصة، وإنما تعتبر كل جنس سردي مملكة خاصة لها قوانينها وإيقاعها ومصيرها الجمالي. لذلك تبدو القصة عنده رصاصة دقيقة لا تقبل الخطأ، بينما تتجلى الرواية كعالم واسع، فاتن ومزهر، ومراوغ، يمنح الكاتب الحرية لكنه يطالبه في الوقت نفسه بقدر كبير من الحيطة والحذر واليقظة.
ولا تنفصل الكتابة عند هشام ناجح عن سؤال الواقع المغربي الذي يطل من خلف السطور مثل ظل طويل. فشخصياته تنبثق من الهامش، من الفقر، ومن التحولات الاجتماعية الصامتة، ومن ذلك الاختناق الرمزي الذي يرافق حياة الإنسان حين يشعر أن العالم يضيق حوله. ومع ذلك فإن هذه الشخصيات لا تُقدَّم بوصفها نماذج اجتماعية باردة، وإنما بوصفها كائنات حية، مفعمة بالقلق والحنين والرغبة في النجاة. إننا نلمس في هذه العوالم السردية نبض الإنسان المغربي وهو يحاول أن يعثر على مكانه بين تاريخ مثقل بالتحولات وحاضر مرتبك بين الحداثة والتقاليد.
ومن هنا تكتسب تجربة الكاتب هشام ناجح، بعداً إنسانياً يتجاوز الحدود المحلية. فالهجرة التي عاشها ويعيشها لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بقدرما كانت تجربة وجودية أعادت صياغة نظرته إلى الوطن وإلى العالم معاً. وبين الهنا والهناك، بين الوطن الذي يسكن القلب والمنفى الذي يفتح أفق الحرية، تتشكل رؤية مزدوجة للعالم. رؤية تمنح المسافة قوة إضافية في النظر، لكنها في الوقت نفسه تضاعف الحنين وتجعله أكثر حدة ومرارة.
وفي هذا الفضاء المعلق بين الذاكرة والاغتراب تتشكل شخصيات هشام ناجح. شخصيات تبدو واقعية إلى حد الإرباك، لكنها في العمق وليدة مخيال خصب يعرف كيف يعيد تركيب الواقع ويمنحه بعداً جمالياً جديداً. فالمخيال عنده ليس مجرد زخرفة سردية، ولكنه الطاقة السرية التي تمنح النص قدرته على التنفس، وتجعل الشخوص تتجاوز حدود الواقع الضيق لتدخل فضاءً أوسع من الاحتمالات الإنسانية.
ولا يمثل هذا الحوار المفتوح على جريدة “هسبريس الالكترونية”، مجرد وقفة مع هشام ناجح، متحدثا عن تجربته، بقدر ما هو محاولة للإنصات إلى صوت من أصوات السرد المغربي المعاصر، وهو يفكر في معنى الكتابة، وفي معنى أن يكون الإنسان كاتباً في زمن تتزاحم فيه التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية في مغرب يسافر بسرعتين. من سؤال الحرية إلى سؤال الهوية، ومن علاقة المثقف بالمؤسسات إلى رهانات الرواية في العصر الرقمي، تنفتح في هذا اللقاء، أسئلة كثيرة تمس جوهر التجربة الإبداعية في المغرب اليوم.
ولعل أجمل ما في هذا الحوار أنه لا يقدم أجوبة نهائية، بقدر ما هو دعوة للمثقفين المغاربة، في فتح أبواب للتأمل. فهو يعيد طرح السؤال القديم حول جدوى الكتابة نفسها. لماذا نكتب؟ وهل الكتابة قادرة حقاً على إنقاذ شيء ما من هذا العالم المتسارع نحو النسيان؟ وتبدو الإجابة في العوالم المتشكلة اجتماعيا ونفسيا وسياسيا للكاتب هشام ناجح، كامنة في اللغة نفسها. اللغة بوصفها البيت الأخير الذي يلجأ إليه الإنسان حين تضيق به الطرق، والملاذ الذي يحفظ للذاكرة إنسانيتها، وللحكاية قدرتها على مقاومة الفناء والنسيان.
وهكذا ندخل إلى هذا الحوار، على عتبات “هسبريس”، كما يدخل القارئ إلى بيت سردي واسع النوافذ. بيت تتقاطع فيه الأزمنة، وتتحاور فيه التجارب، ويطل منه كاتب مغربي وهو ينصت إلى صخب العالم من حوله، ويحاول في الوقت نفسه أن يعيد ترتيب هذا الصخب داخل جملة هادئة، وعبارة شفافة، قادرة على أن تقول ما يعجز الواقع أحياناً عن قوله. هنا تبدأ الحكاية. وهنا أيضاً يبدأ السؤال.
نص الحوار
الكتابة عندك ليست فعلاً تقنياً فقط، بقدر ما تبدو كأنها قدر شخصي أو ضرورة وجودية. متى شعرت لأول مرة أن الكتابة ليست خياراً وإنما خلاصاً؟ وهل جاءت القصة لتؤسس لك الطريق نحو الرواية، أم أن الرواية كانت حلماً مؤجلاً؟
لا أحد يولد كاتبا. لكن، أمام تعاقب الخيبات وتوالي الصدمات يحن الإنسان إلى بداية الخلق، حين شرع الإنسان الأول يسمي الأشياء، ثم يوثق هواجسه في الكهوف ويوطنها على شكل رسومات تسعف حاجاته إلى التعبير عن القصدية من وجوده، في ظل شراسة الضواري وقوة العواصف والبروق والرعود وكل الجوائح والألغاز التي تقض مضجعه وتربك حساباته؛ إنها الحاجة إلى التعبير عن هذا المبهم العالق. وعوض أن يسكن الإنسان الأول الكهوف، فقد ارتأى أن يسكن في اللغة التي تعبر عن قلقه ومبتغاه في الآن نفسه، ليرسم ما عاناه وخبره، ويضمن بذلك بقاءه من خلال المسكن الرحيب، الشاسع، الممتد عبر سبل التعبير، فأقر خلاصه المكنون في اللغة التي تواكب سبل المواجهات وتيّسر العواتي النائيات، حيث ورثنا هذه اللغة التي أفضت اليوم إلى تحرير الكتابة من التشابه المخاتل، المنغمر في طبيعة الأحداث والشخوص المرتبطة بالزمان والمكان، فقعدت لكل جنس على حدة تحت مظلة الأمم السرديات المرويات. وطفق كل سرد أمة والأمم لا تموت؛ فالقصة أمة، والرواية أمة، وحولهما ندندن حتى نلج جنات السرد الحقة.
أتعبد في دير القصة، وأسمو بروحي في محراب الرواية. ومن هنا نستشف الفرق بين الدير والمحراب في ظل الاعتقادات القلبية، ولكل قلب خفقانه من جهة عبادته. ثمة فرق بين الجنسين، ولا أرغب في الخوض في طبيعة الفروق. إن الطبيب الحريف يجسد أعراض المرض من خلال مجساته وخبرته، التي يعود إليها الفضل في تقديم وصفة استشفاء تعيد إلينا المتانة المأمولة. فأنا متعجل لأن أكتب كما لو كنت متخلفا عن إيقاع الحياة، وإذا كان الأمر كذلك فعليّ أن أعجل، أعجل بمصادري حيث أنقل حقي من العجيب والعصيان والإحسان كما قال روني شار.
انتقلت من القصة القصيرة إلى الرواية. ما الذي لم تعد القصة قادرة على احتوائه فدفعك نحو الفضاء الروائي؟ وهل تعتبر الرواية امتداداً للقصة أم قطيعة معها؟
الكاتب المنسجم مع تطلعاته يرنو بعين العطف إلى تبني سروده بالشكل الذي يليق بها، فكل لحظة هي مدعاة للانصهار والذوبان في رحم السرد داخل حقله الخاص، لهذا لم أكن يوما بعيدا عن ملازمة القصة والرواية معا. إن أول إصداراتي كان عبارة عن رواية؛ وهذا كفيل بأن يكرس توازناتي السردية.
أما في ما يخص الامتداد أو القطيعة بين القصة والرواية، فواهم من يكرر القول النافل إن القصة هي ميدان التداريب من أجل مواجهة كتابة الرواية، حيث تنطلي عليه سذاجة الأوائل الذين ابتكروا هذه الجملة المسكوكة حد الغباء. ثمة بون شاسع بين القصة والرواية، بالرغم من بعض التقاطعات، وهي ما أوحت للبعض هذه الجملة المسكوكة: “عليك أن تطلق قلمك في القصة وبعدها ستلج الرواية من الباب الواسع”. إن القصة، هذه الطفلة الخالدة، هي الفن السردي الأصعب الذي يهبك رصاصة واحدة؛ إما أن تسددها إلى رقبة القصة أو إنها ستقتلك من خلال طلقة واحدة، وحيدة وغير رحيمة، تلك التي نسميها على سبيل الترادف والتقاطع في الوقت نفسه بـ”رصاصة الرحمة”.
وماذا عن الرواية إذن؟
إنها الخؤون اللعوب، العاشقة منذ الوهلة الأولى. لكن، سرعان ما ستكشف عن مللها من العاشق المقامر إذا لم يحسن التصرف معها وفيها. سيصبح معرة للسراد في كل حين وأمد، ويسير بأخباره المشاؤون والركبان كما حدث مع بعض الشعراء الذين انتقلوا إلى السرد دون تزكية من حزب الأمم السرديات المرويات.
إن الكاتب (الروائي والقاص) الحقيقي هيّاب لما يكتب. ويجب أن يرقب البرزخ بين القصة والرواية؛ هذا عذب فرات والآخر ملح أجاج.
لوجه السرد فتش عن العذوبة والملوحة وافصل بينها.. لوجه السرد!
تشتغل على ثيمات تبدو ملتصقة بالإنسان المغربي في هشاشته اليومية. كيف ترى الثقافة المغربية اليوم؟ هل تعيش مخاضاً حقيقياً أم ارتباكاً بين الحداثة والتقليد، بين السياسي والاجتماعي؟
كل كاتب يسعى إلى أن يبعثر ذاته في كتاباته، سواء أحب أو دون ذلك، ما دام اللاوعي يرصص هو الآخر طريقه في تضمين المكتوب. وهذا سيدفعنا إلى أن نتحدث عن التمسك بتلك الثيمات التي تنهل من معين المجتمع نفسه؛ كالأحلام والكوابيس. أما الرؤيا فتظل غائبة، نظرا لضعف معين الثقافة المغربي، وهذا سيقودنا إلى الحديث عن بعض أسباب الوضع الخاص بالتخلف الثقافي في جرد تاريخي قريب، بسيط؛ بالأمس الداني كانت الأحزاب السياسية هي من تقود قطيع الثقافة، عفوا قطاع الثقافة الذي تشكل من الأحزاب اليسارية، حيث ارتبطت بخطابات الواقعية الاشتراكية والقومية والبعثية ووو، فتمجد أكتوبر العظيم وتتغنى باسم الرفيق يوسف، الذي يدفع بكلكله مستعرضا جبروته تحت ثلوج الساحة الحمراء، وكلما سقطت الأمطار في موسكو يحمل بعضهم المطريات في الرباط.
وأكدوا لنا حينها أن رواية “الأم” لمكسيم غوركي هي كولخوزات أو سوفخوزات أو كومونات السرود، هذا على سبيل الذكر لا الحصر.
بالإضافة إلى الأحزاب التقليدية التي ارتبطت بأهل فاس في الغالب، وشكلت لنا ثقافة برجوازية ملفوفة بالتقديس السلفي الخفي والمعلن. وهذه الأحزاب بمختلف مشاربها الأيديولوجية هي من أضحت تشفع وتُشفع، فتقدم هذا المثقف وتؤخر ذاك، لكنها في نهاية المطاف خيبت أمل المغاربة على نحو كبير، لأنها بكل بساطة شكلت إيديولوجيا بعيدة عن المكتسبات الثقافية المغربية المتنوعة. وأمام انهيار الأحزاب وجدتها الجامعة المغربية فرصة سانحة فاستولت بحرمها على العملية الثقافية، دون إشراك جميع أطياف المجتمع؛ على أساس أنها تمتلك القدرة على الاستيعاب والفهم والتنظير أيضا.
على الأقل، كانت الجامعة في عهد الأحزاب مسرحا للفكر ولو على علاته إيديولوجيا، أما الآن فتداخلت الشخصية الوظيفية بالشخصية الثقافية وتم حصار الثقافة داخل الحرم الجامعي، وتكونت لنا بذلك نخبة جديدة غير قادرة على مواكبة الحداثة التي نطمح إليها، بحيث أصبح شغلها الشاغل الحضور في كل المحافل خوفا على أصواتها من الضياع، من فرط التدافع بالمناكب، فتجدهم في كل طائرة وواد يهيمون.
مشكلة الثقافة المغربية لا تكمن في وجود المثقف، بل في غياب المثاقفة بوصفها عملية قابلة للاقتسام والاحتكاك بين كل أخلاط المجتمع، حتى نضمن الدينامية التي تحتاجها حرارة الثقافة التي تبعث الأشياء الجديدة من بين الأموات.
لقد أضحت الجامعة المغربية نسقا من الأنساق الثقافية للسلطة. السلطة التي نحملها كذلك مسؤولية هاجس الخوف الذي ينتابها عند سماع كلمة المثقف الحر، فتتحسس هراواتها.
في أعمالك، هناك حضور واضح لسؤال الواقع: الفقر، الهامش، التحولات الاجتماعية، والاختناق السياسي الرمزي. إلى أي حد تعتبر نفسك كاتب موقف؟ وهل تؤمن بأن الأدب يجب أن يكون منحازاً؟
من الطبيعي التكهن بأن كل كاتب تتملكه الرغبة في أن يعكس مواقفه داخل كتاباته حسب طبيعة إيمانه بها، ووجاهة زوايا النظر التي يتكئ عليها؛ لأن أي موقف قد يتعرض، ببساطة متناهية، للمساءلة والتغيير أيضا، وكل موقف يعب من لحظته فيه نظر، وكل قضية تتشكل من طروحات جاهزة قد تئيض إلى نتائج غير واعية، باستثناء القيم الكونية الراسخة على أرض ثابتة لا تضطرب ولا تزول. وبما أن اللغة لها القدرة على الإضمار، فإنها تقوم بواجبها الكامن في الكنّ والإبطان بين الكلمات. لكن القارئ الكيس الفطن يفك طلاسم المخبوء ويعلم خفايا الكاتب ونواياه، التي تشكل مواقفه، دون الحاجة إلى مساءلته بشكل مباشر. وتبقى أجمل الكتابات هي التي يوحي بها الحياد، دون ميل إلى موقف غير محسوم فيه، وينسجم الكاتب مع دور الملاحظ عوض أن ينقاد إلى تكريس تلك الأحكام التي يراها اليوم صحيحة، وتضحى عاجلا في الجهة المقابلة، فتُنسف أو تقبر بالمرة، وقد تنسفه أو تقبره معها أيضا.
كونك كاتباً مهاجراً، كيف تغيّرت رؤيتك للمغرب من الخارج؟ هل المسافة تمنحك وضوحاً أكبر أم تضاعف الحنين والتوتر؟ وكيف يتسلل هذا الإحساس إلى شخصياتك ونبرتك السردية؟
نحن لا نغترب عبثا؛ ثمة دوافع تشرخ المضطر بنصالها الحادة من أجل أن يستعيد روحه المتسامية على المعهود في الوطن، حتى الدلالة الدينية تحرض على الهجرة حالما يحس الإنسان بأنه مستضعف في الأرض. لهذا بات من الضروري أن يطير المضطر قصد تحقيق أحلامه، لكن الصدمة الحقة أننا وجدنا أحلامنا في الغرب تشكل الضرورات بالنسبة إليهم. كم كنا أغبياء، وتعساء، ولطفاء في الوطن حالما ننظر إلى الأشياء البسيطة على أنها الأسمى.
شخصيا أحب وطني الثاني الذي وفر لي كل سبل العيش الكريم، وعلمني أن أعيد صياغة حريتي بعيدا عن هواجس الخوف التي لازمتنا في الوطن سنين طويلة.
أما عن شخوصي في كتاباتي فهي تقر بحرية العبارة، وتنتعش بماء السفر منذ أن تحرر جواز سفري من قيود التأشيرات. لكن، هذا لا يمنع من أنني أحب وطني الأول، فأنا أعبد المغرب، ومن كان عبدا يدافع عن معبوده بكل الوسائل.
شخصياتك تبدو حقيقية إلى درجة الإرباك. كيف تبنيها؟ هل تنطلق من أشخاص عرفتهم، أم من تخييل خالص؟ وأين تنتهي حدود الواقع ويبدأ الاشتغال الجمالي في صياغتها؟
في تصوري تقتل الكتابة بالمعاينة السرد، لهذا أميل إلى تفعيل المخيال حتى أتمكن من توطين شخوصي وإنزالهم بما يليق بهم في المتن السردي، بالرغم من أن هذه الشخصيات قد تكون حقيقية، معلومة، في تصرفاتها وانتمائها، إلا أنني أتصرف وفق مخيالي الذي تحدده طبيعة دورها في السرد؛ فمثلا، معظم الشخوص الرئيسة في روايتي “الشجعان” موجودة على أرض الواقع، لكني فصلتها على قدود سرودي. إذن، يجب أن نؤمن بأن المخيال هو تسعة أعشار دين السرد.
لكن هذا لا يمنعنا من أن نجيد استعمال الاستحضار والذاكرة والأسلوب إلى جانب المخيال، ونغلف كل ذلك باللغة التي تتماهى مع قدرة كل شخصية على نقل حقها من الحضور الكامل والمتوازن.
اختياراتك للعناوين لافتة، فهي تحمل شحنة رمزية قوية. كيف تولد العناوين لديك؟ هل تسبق النص أم تأتي بعده؟ وهل تعتبر العنوان عتبة دلالية أم بياناً سردياً أولياً؟
العنوان بالنسبة لي هو النص الأصغر، وقد يطفو على السطح في الثلث الأول من الكتابة حتى يشكل حضوره داخل بنية النص. لست من أولئك الذين يجدون عنوانا بعيدا عن نصوصهم من أجل الإثارة الساذجة. إن العنوان هو الباب الأول الذي يحيلنا إلى البيت السردي، فكل رواياتي كما تبدأ بالعنوان تنتهي به، كأنني أرغب في أن أزكي نظرية “العود الأبدي”.
ما هي القضايا الكبرى التي تشعر أنك تشتغل عليها بإلحاح عبر أعمالك؟ هل هو سؤال الحرية؟ الهوية؟ الاغتراب؟ أم الإنسان في صراعه الصامت مع العالم؟
بكل صراحة، عزمت مؤخرا الإعراض عن الكتابة في الأفكار الكبرى، كالحرية والهوية والاغتراب، التي لم تعد تغريني داخل النص، فنزحت إلى الميثولوجيا؛ هذا المستقر الذي يكرس الفتن ما ظهر منها وما بطن. كم كان القدماء عظماء جدا في تشكيل أساطيرهم الذاتية والجماعية وإلحاقها بالجانب الإنساني، حتى نستوعب مسامرات الأموات، ونخرج الميت من الحي والحي من الميت، ونأتي بأخبار الطوفان، ونمجد اللغة حين تشكل المنارات التي توجه بواخر الكلمات العابرة للمحيطات حيث تقيم الكنوز، والجان، والأغوال، والشياطين، والآلهة.
وستصدر لي في هذه السنة رواية في باب الميثولوجيا، بعنوان “سفر التكوين الروماني”. وآمل أن يحرك هذا النص كل العوالم العالقة التي تبتغيها السرود في متون أممها المرويات.
يعيش الكاتب المغربي اليوم، بين ضغط السوق، وسلطة المؤسسات، وانتظارات القارئ. كيف تتعامل مع هذه التوازنات؟ وهل تكتب ما تؤمن به فقط، أم تراعي شروط النشر والتلقي؟
يسعى كل إنسان إلى معرفة ذاته، خاصة الكاتب، حيث بات ضروريا أن يكتب من هو ليعرف من هو. نحن نعتقد دائما أن العدو يقبع في الخارج، لكن العدو الحقيقي يقبع في شعاب النفس، وهذا ما يدفعنا إلى خلخلة مجاهل أنفسنا وطرق أبواب استبطاناتها، بغية أن نترجمها إلى لغة تسعف وجودنا بصفته ماهية، مما يغنيك عن التفكير في الآخر، ولا يترك لك فرصة مناقشة شؤونه، فأكتب دون ضغوط ودون خريطة ممهورة بالأوامر، بالأحرى الحواجز المفتعلة. كما أحب أن أشرك القارئ في ما أحس به، وقد يفضي هذا الإشراك إلى خلق علاقات معنوية مع القراء الذين أحترم تطلعاتهم باعتبارهم الكاتب الثاني للنص.
الحرية كفيلة بأن تخلق النص البعيد عن أنساق سلطته، التي تجعل من النص مملوكا لجهة ما، كما هي حال تدجين أغلب النصوص اليوم في العالم العربي من أجل الظفر بالجوائز.
في زمن التحولات الرقمية وتسارع الإيقاع، ما جدوى الكتابة الروائية اليوم؟ ماذا تراهن عليه وأنت تكتب؟ هل تراهن على التغيير، على الذاكرة، على الأثر الجمالي، أم على شيء أعمق وأصعب تسمية؟
العالم منذ البدء كان عبارة عن رواية تتعدد فيها الأصوات والأمكنة والأزمنة. والأمم سرديات مرويات مهما يتقدم العالم في رصد وسائله التكنولوجية وتحولاته الرقمية. إن الرواية هي دليل العالم، التي لا يستطيع الفكاك منها وعنها. إنها تتطور بتطور الإنسان، وحتما ينعكس هذا التطور على آليات كتابتها، فتضمن بذلك الحضور القوي، حتى إنها أضحت الديوان الأول في العالم، الذي ننظر من خلاله إلى ما يسمى اليوم بالقرية الكونية؛ فمن دون أن نسافر بعيدا يمكن أن نتجول في العالم من خلال الرواية، حسب التنويعات والصنوف التي تتشكل من مختلف المدارس.
ولهذا يستدعى من الكاتب أن ينظر بعين العطف إلى أحد عناصر فتوتها، وشخصيا أراهن على اللغة بعد أن راهنت على المخيال من قبل في أحد الأجوبة، باعتبار اللغة مسكن الكائن الذي سيلوذ إليه بعد أن تقفل كل البيوت في وجهه. فاللغة وحدها كفيلة بسحب كل العناصر من أجل إذكاء روح الرواية، وهنا لا يفوتني استحضار قولة جميلة لسارتر: “لأنني اكتشفت العالم من خلال اللغة، فاعتقدت سنين طويلة أن اللغة هي العالم”.
فبدون جماليات اللغة وسحرها تصبح الرواية عبارة عن خطأ جسيم.
كلمة مفتوحة لك؟
ممنون لك أخي عبد الله الساورة على هذا الحوار الذي حرك خيولي البرية دون قيود، دون ألجمة تحد العاديات عن عدوها. وشكرا لجريدة هسبريس، وأرجو أن يحرك هذا الحوار نوارسكم.. مع الكثير من القلب.. محبات.. محبات.
The post هشام ناجح: القصة رصاصة واحدة لا تقبل الخطأ .. والرواية "خؤون لعوب" appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
طقس السبت.. بارد نسبياً وتساقطات
تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية، بالنسبة لليوم السبت، أن يظل الطقس باردا نسبيا بمرتفع…






