“الوجه الخفي للدبلوماسية الجزائرية: صناديق سوداء، ذمم مدفوعة، وجمهورية وهمية على حساب الشعب”

بقلم – رقيق ميلود **
في الوقت الذي كانت فيه الجزائر تروج على مدى عقود لأسطوانة “تقرير المصير” لمليشيات البوليساريو، بدأ الغشاء الأيديولوجي ينكمش عن وجه مشروع سياسي مغشوش، تحركه أيادٍ عسكرية مغلّفة بزي دبلوماسي، وتموله صناديق سوداء لا تخضع لأي رقابة تشريعية أو رقابية.
الوقائع التي تتسرب تباعاً من كواليس وزارة الخارجية الجزائرية تكشف أن كل من تعاقب على منصب الوزير، لم يكن سوى خازن لميزانية سوداء مخصصة لشراء الولاءات عبر القارات ،ولعل الفترة الأكثر “سخاءً” كانت تلك التي أشرف عليها رمطان لعمامرة، الذي حوّل الجهاز الدبلوماسي إلى شبكة ضغط وشراء ذمم، من إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، مروراً ببعض الدوائر الأممية ومنتديات القارات الهامشية .
إن الحديث عن “دعم تقرير المصير” ليس سوى واجهة مموهة لتمرير سياسات ابتزاز دولي، وإرشاء سياسي، غايته الحقيقية محاصرة المملكة المغربية، والتشويش على استقرارها ونموذجها التنموي و على مسارها الديمقراطي الحديث ،في المقابل، لا يعلم الشعب الجزائري شيئاً عن حجم الأموال الطائلة التي تُستنزف من ثرواته، والتي تذهب في شكل امتيازات وسفريات ومناصب لمجموعة مرتزقة، لا شرعية لها، ولا مستقبل لكيانها المصطنع في تندوف.
فضيحة مزدوجة: السلطة والمعارضة في قارب واحد
الأدهى أن بعض أحزاب المعارضة الجزائرية، التي تدعي محاربة الفساد، متورطة بدورها في صفقات الابتزاز السياسي، حيث تبين أن سكوتها لم يكن مجانياً، بل كان مقابله امتيازات وصمت استراتيجي، يضمن لها البقاء تحت سقف “المسموح” من قبل المؤسسة العسكرية، التي لا تتسامح مع أي اختراق حقيقي لدوائر النفوذ.
العسكر والمناورات: صناعة “عدو خارجي” للهروب من السقوط الداخلي
أما المناورات العسكرية المتكررة التي يشرف عليها سعيد شنقريحة، رأس النظام العسكري، فهي ليست إلا محاولة يائسة لتحويل انتباه الشارع الجزائري من الانفجار الداخلي المرتقب، إلى خطر مزعوم على الحدود، لكن الحقيقة أن الخطر الحقيقي لا يأتي من دول الجوار، بل من بنية النظام نفسه:
سلطة عسكرية متسلطة، فاقدة للشرعية الشعبية، وتدير البلاد بمنطق الغنيمة والولاء، لا بمنطق المؤسسات والدولة الحديثة.
معضلة العلاقات الخارجية: نظام يعادي الجميع
لا يمكن إغفال حقيقة أن الجزائر تعاني أزمة دبلوماسية شاملة، ليس فقط مع المغرب، بل مع تونس، الإمارات،ليبيا، مالي، فرنسا، إسبانيا، وحتى مع بعض المنظمات الإقليمية التي بدأت تتململ من الخطاب الجزائري المتكلس، وهذا يثبت أن المشكل ليس في الخارج، بل في الداخل، في عقلية إدارة موروثة من زمن الحرب الباردة و من التيار الستاليني المنبوذ ،لم تفهم أن الزمن تغيّر، وأن لغة المال لشراء الذمم لم تعد تجدي في عصر المعلومة والفضائح المكشوفة.
من سيدفع ثمن هذا العبث؟
أسئلة ملحة تطرح نفسها اليوم على الساحة الجزائرية: من سيحاسب على البليارات من الدولارات التي صُرفت خارج الحدود؟
من سيكشف للشعب حقيقة ما جرى خلف الكواليس باسم قضية “تقرير المصير”؟
من سيوقف مسلسل تضليل الرأي العام عبر صفقات الإعلام المأجور والمنظمات المدفوعة سلفاً؟
إن ما يحدث اليوم في الجزائر ليس سوى بداية لانكشاف نظام قائم على الأكاذيب، ولا بد أن يأتي يوم يسائل فيه الشعب من صادر مستقبله باسم “قضية” لم تكن يوماً قضيته.
**عضو المكتب السياسي لحزب البيئة والتنمية المستدامة
و مهتم بقضايا الدبلوماسية الشعبية










