الملك محمد السادس يثبت صمود الاقتصاد المغربي أمام الأزمات العالمية

مستشرفا محطات أحداث كبرى قاريا ودوليا تحتاج بنيات تحتية رفيعة المستوى، يسير “قطار التنمية” بالمملكة المغربية على سكة ترصيد الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي قادها الملك محمد السادس على مدى 26 سنة الماضية، منذ جلوسه على العرش في يوليوز 1999.
وكشف مرور أزمات عاصفة، من قبيل جائحة “كوفيد” وما استتبعها من اضطرابات الاقتصاد العالمي نتيجة تداعيات التضخم الناتج عن حرب أوكرانيا وباقي التوترات الجيو-سياسية، عن صلابة ومرونة قويّيْن برهن عليهما الاقتصاد المغربي خلال السنوات الخمس الأخيرة، وذلك بشهادة مؤسسات دولية وازنة، فضلا عن تعزيز الموقع/الإشعاع الاستراتيجي.
وتأتي الذكرى السادسة والعشرون لتربع الملك محمد السادس على العرش، “مرسِّخة مكانة المغرب على درب الإقلاع التنموي بحكمة وبُعد نظر”، حسب ما أبرزه خبراء محللون اقتصاديون ضمن استقراءات للحصيلة استقتها هسبريس.
الإنسان والبنية التحتية
ضمن قراءته للموضوع، أكد محمد عادل إيشو، أستاذ الاقتصاد بالمدرسة العليا للتكنولوجيا بخنيفرة محلل مالي، أن “الذكرى الـ26 لعيد العرش تؤشّر لمواصلة المملكة، بخطى ثابتة، مسارا تنمويا متقدما، جعل من البنيات التحتية رافعة اقتصادية استراتيجية، ومن الاستثمار في الإنسان والجهات خيارا مركزيا، ومن التموقع الجيو-استراتيجي جسرا بين إفريقيا، أوروبا والعالم”.
ومنذ تولي الملك مقاليد الحكم (سنة 1999)، يضيف إيشو في تصريح لهسبريس، “شهد الاقتصاد الوطني تحولا بنيويا عميقا. لم يعد المغرب محصورا في اقتصاده التقليدي الزراعي، بل انفتح على قطاعات صناعية استراتيجية مثل صناعة السيارات، الطيران، والطاقات المتجددة. وبفضل سياسة ماكرو-اقتصادية حذرة وقيادة مالية راشدة من بنك المغرب، تمكّن الاقتصاد الوطني من الحفاظ على استقراره رغم تقلبات الأوضاع الدولية، من جائحة كوفيد-19 إلى الأزمات الجيو-سياسية المتتالية”.
ولفت أستاذ الاقتصاد إلى أن “النظام البنكي المغربي يُعد اليوم من بين الأقوى على الصعيد القاري، حيث استطاعت البنوك الوطنية أن تفرض حضورها في غرب ووسط إفريقيا، كما ساهمت في تعبئة تمويلات كبرى للمشاريع البنيوية داخل المملكة”، معلقا: “هذا الاستقرار المالي أرسى أسس الثقة للمستثمرين، وفتح آفاقا جديدة أمام المقاولات الوطنية والدولية”.
“مشاريع البنيات التحتية حوّلت المغرب إلى ورش مفتوح لا يهدأ؛ فمِن الطرق السيارة، التي تجاوز طولها 1800 كلم، إلى مشروع القطار فائق السرعة ‘البراق’، الذي يربط بين طنجة والدار البيضاء، في سابقة إفريقية، تشكل هذه المنجزات دليلا واضحا على الرؤية الاستراتيجية لجعل المملكة مركزا لوجستيا قاريا ودوليا”، يستدل المحلل الاقتصادي ذاته، موردا: “لا يمكن الحديث عن البنيات دون التوقف عند ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح اليوم من بين أكبر الموانئ في العالم من حيث الربط الملاحي، متجاوزا عددا من الموانئ الأوروبية بفضل موقعه وقدراته التنافسية”.
في السياق نفسه، شهدت المطارات المغربية “طفرة كبيرة، سواء من حيث طاقتها الاستيعابية أو جودة خدماتها، ما يعزز قدرة المغرب على استيعاب التدفقات السياحية المتزايدة، خاصة مع اقتراب احتضان المملكة كأس إفريقيا للأمم سنة 2025، وكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال”. وأكد المصرح لهسبريس أن “هذين الحدثيْن الرياضيين الكبيرين دفعا إلى تسريع وتيرة أوراش بناء وتحديث الملاعب والبنيات الفندقية، حيث مشروع ملعب الدار البيضاء الكبير أحد أبرز معالم هذه الدينامية الجديدة”.
وزاد أستاذ الاقتصاد مؤكدا: “ولأن الرؤية الملكية تعتبر التنمية شاملة أو لا تكون، فقد تم إطلاق مشاريع ضخمة ذات بعد اجتماعي ومجالي، أبرزها ورش الحماية الاجتماعية، الذي يهدف إلى تعميم التغطية الصحية والتقاعد والدعم المباشر للفئات الهشة، وكذا الاستثمار في العالم القروي والمناطق الجبلية لرفع التهميش وتحقيق العدالة المجالية. إلى جانب ذلك، تواصل المملكة تعزيز ريادتها في مجال الطاقات النظيفة، من خلال مركب نور ورزازات للطاقة الشمسية، واستكشاف آفاق جديدة في مجال الهيدروجين الأخضر بشراكات دولية واعدة”.
واستنتج أن “مكانة المغرب على الصعيد الإفريقي والدولي تعززت خلال العقدين الأخيرين بفضل رؤية دبلوماسية تنموية استباقية، قادها الملك بحكمة وبُعد نظر. فقد أصبح المغرب شريكا اقتصاديا موثوقا في القارة، وفاعلا محوريا في عدد من المبادرات الدولية المرتبطة بالتنمية المستدامة والأمن الغذائي والطاقي”.
وأجمل محمد عادل إيشو القول: “في ضوء هذه التحولات البنيوية، ومع اقتراب محطات ما بعد سنة 2025، يتضح أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من النموذج التنموي، قوامها التوازن بين الطموح الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والتموقع الإقليمي. إنها مرحلة ترسيخ المكتسبات وتعزيز دور المغرب كقوة صاعدة، بقلب إفريقي، ورؤية عالمية، وقيادة ملكية واعية بحجم التحديات والرهانات”.
طموح الارتقاء
عبد الرزاق الهيري، مدير مختبر “تنسيق الدراسات والأبحاث في التحليلات والتوقعات الاقتصادية” بجامعة سيدي محمد بن عبد الله-فاس، أبرز في تعليقه أن “بداية الألفية الثالثة شهدت بالمغرب تحولات نوعية وتطورا ملحوظا شمل قطاعات حيوية عدة، ويُعدّ قطاع البنيات التحتية من أبرز هذه القطاعات التي عرفت قفزة نوعية منذ 1999″، شارحا أنها “شملت الموانئ، والمطارات، وشبكات السكك الحديدية، والطرق، خاصة الطرق السيارة. كما امتد هذا التطوير إلى قطاعات حيوية أخرى كالصحة والتعليم بمختلف مكوناته”.
وقال الهيري، ضمن تصريح لهسبريس، إن “هذا الاستثمار في البنيات التحتية كان ضروريا للتمكن من تنفيذ وإنجاح الاستراتيجيات القطاعية التي أطلقها المغرب مع مطلع القرن الحادي والعشرين في مجالات متنوعة مثل الفلاحة، الصناعة، الرقمنة، اللوجستيك، السياحة وغيرها. فنجاح أي استراتيجية اقتصادية يبقى مرهونا بجودة البنية التحتية، باعتبارها القاعدة التي تُبنى عليها المشاريع الكبرى”، مستدلا على ذلك بالقطاع الصناعي؛ إذ “لا يمكن أن يزدهر دون وجود منظومة نقل فعالة من موانئ وطرق، تضمن ليس فقط توزيع المنتجات داخليا، بل كذلك تمكّن المغرب من الاندماج في الاقتصاد العالمي عبر التجارة الدولية واستقطاب الاستثمارات الأجنبية”.
وفي هذا الإطار، شدد المحلل الاقتصادي عينه على أن “المغرب يواظب على تعزيز وتوسيع بنياته التحتية، دعما لطموحه للارتقاء إلى مصاف الدول الصاعدة اقتصاديا، ولضمان جاهزيته لتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى. ويشمل هذا التوجه مشاريع استراتيجية في السكك الحديدية، عبر ربط المزيد من المدن بخطوط القطار فائق السرعة، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للمطارات لمواكبة أهداف المغرب السياحية، إلى جانب بناء موانئ جديدة مثل ميناء الناظور، وميناء الداخلة الأطلسي الذي يُرتقب أن يعزز تموقع المغرب العالمي كمركز وصل بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب”.
“غير أن هذا التقدم لا يمكن أن يكتمل دون مواكبة في قطاعيْ الصحة والتعليم، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي نهضة اقتصادية واجتماعية”، يستدرك الهيري، متابعا بالتحليل: “الدولة مطالبة بتعزيز حضورها في مجال تطوير الرأسمال البشري، الذي يُعد العمود الفقري لأي مشروع تنموي شامل. وفي هذا السياق، حدّد المغرب ملامح طموحاته من خلال النموذج التنموي الجديد الذي يستشرف أفق 2035، والذي يسعى من خلاله إلى تجديد آليات النمو الوطني، وتصحيح الاختلالات، خاصة في الجانب الاجتماعي”.
ومن أبرز هذه المبادرات، ذكر المتحدث لهسبريس “إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يندرج ضمن رؤية ملكية رائدة، ويتطلب بنية تحتية قوية في القطاع الصحي لضمان تنفيذه بالشكل الأمثل. ولذلك، فإن ورش البنى التحتية يجب أن يستمر، خاصة لفك العزلة عن العديد من المناطق والجهات”.
وحسب الهيري، فـ”من المهم أن تُوجّه الاستثمارات العمومية في هذا المجال بطريقة تضمن العدالة المجالية، بما يتماشى مع التوجه نحو الجهوية المتقدمة، التي تُعد رافعة أساسية للتنمية، ووسيلة لتلبية الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، سواء على المدى القريب أو المتوسط والبعيد”.
The post الملك محمد السادس يثبت صمود الاقتصاد المغربي أمام الأزمات العالمية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
تفاصيل هزة أرضية بقوة 3.4 بجرسيف
رصد المعهد الوطني للجيوفيزياء هزة أرضية، أمس الخميس، بجماعة “تادرت” بإقليم جرسيف، بقوة بلغ…





