Home اخبار عاجلة ظاهرة “التفاهة“ في مواقع التواصل الاجتماعي
اخبار عاجلة - February 6, 2025

ظاهرة “التفاهة“ في مواقع التواصل الاجتماعي

ظاهرة “التفاهة“ في مواقع التواصل الاجتماعي

 

ذات مرة، قال الروائي التشيكي ميلان كونديرا في روايته الممتعة حفلة التفاهة على لسان إحدى شخصياتها ” التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود، إنها معنا على الدوام وفي كل مكان. إنها حاضرة حتى في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه..”

كم استوقفتني هذه النظرة للتفاهة وإن بإمكانها استوقاف أي قارئ آخر.. وخصوصا عندما وصفها بجوهر الوجود و بأنها “مفتاح الحكمة وروح الدعابة”، كما أضاف في مكان آخر.

فهل، فعلا، هذه التفاهة التي يمجدها ميلان كونديرا، هي ما أصبح وأمسى يراه الناس يغزو مواقع التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي؟

بادئ ذي بدء، لقد عرف العالم في هذا العصر قفزة نوعية في مجال التكنولوجيا، والتي كان لها دور كبير في خلق فضاء افتراضي يحتوي على ثروة هائلة من المعلومات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي سهلت كذلك عملية الاتصال والتعارف بين مختلف الأفراد و المجتمعات.

وعليه، عرف العالم اليوم ثورة في مواقع التواصل الاجتماعي والتي أفضت إلى مفهوم جديد، عُرِف باسم صناعة المحتوى عبر هذه المنصة.

وصناعة المحتوى مفهوم له أهمية كبرى، ويطرح مشكلا أكبر يتجلى في غياب الرقابة القانونية التي تحرص على جودته، ومضمونه الذي يجب أن يكون مضمونا هادفا يسعى إلى تنوير المشاهد ومساعدته على تجاوز صعوبات الحياة.

إذن، هذا الأمر ساهم بشكل كبير في اتساع دائرة مفهوم التفاهة بين مستخدمي هذه المنصة خاصة الشباب منهم، وهذا ما قد ترتب عنه انعكاسات سلبية على المجتمع عموما، وتدن على مستوى الأخلاق خطير وكبير.. والذوق السليم بين أفراد و الشعوب على اختلاف ألوانها وألسنتها، ومن هنا يتبادر إلى ذهن العام والخاص إمكانية التساؤل حول: مفهوم التفاهة، وأسبابها، وأيضا النتائج المترتبة عن هذا النوع من التفاهة.

أولا؛ مفهوم التفاهة:

يقصد بمفهوم “التفاهة” حسب معجم المعاني بالنقص في الأصالة أو الإبداع أو القيمة،

وبحسب بعض المفكرين، تعتبر “التفاهة” كلاما تافها يلقى بلغة بالغة مؤثرة وبصيغة جاذبة توهم المستمع بعذوبة الكلمات والعبارات التي يجد فيها حلاوة يقع في قلبه منها الاهتمام والمتابعة.

 وبحسب تعريف الفيلسوف الكندي “آلان دونو” فهي كلمة تعني كل ما لا قيمة له وكل ما هو غير جيد، فالتفاهة بتعبير آخر السخافة والرداءة في أي مجال.

ثانيا؛  أسباب التفاهة:

هناك ثلاث أسباب كبرى تعزز هذا القول:

السبب الأول: تساهم مجموعة من المواقع و التطبيقات والمنصات وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك، انستغرام، تيك توك ) التي ليس لها قوانين تابة تحد من توسيع دائرة انتشار التفاهة التي أصبحت تروج وتنتشر بشكل واسع دون مراقبة قانونية.

السبب الثاني: الدعم المستمر لبعض المؤسسات الكبرى الإعلامية والاجتماعية والسياسية وغيرها، مثل القنوات التليفزيونية التي تستضيفهم في برامج وتسلط الضوء عليهم، وتروج مقاطعهم التافهة، تستدعيهم للعمل في القناة.

 كما أن هناك فعاليات ترفيهية تقوم باستقطاب التافهين و تقديمهم في بعض الاحتفالات الوطنية وغيرها.

بالإضافة، إلى الشركات التجارية التي تسعي إلى استقطاب هؤلاء المؤثرين لتقديم و ترويج منتوجاتهم وخاصة في أيام المواسم والافتتاح للمحلات و الأسواق.

وهذا ما نشاهد مؤخرا في قنواتنا. وكأن الواقع يعلن: لا تكن موهوبا فهذا زمن التافهين.

السبب الثالث: يرتهن رواج وانتشار التفاهة بإثارة و إعجاب الجمهور، ولفت انتباههم دون الوقوف على مجموعة من القوانين سواء كانت وضعية أو إلهية، وهذا أمر سهل في زمن شبكات التواصل، مما يوضح أن أساس تفكير عامة المشاهير هو كيف أحقق أكبر قدر من المشاهدات بغض النظر عن صحة ما يقدمه.

ثالثا؛ النتائج المترتبة عن التفاه:

كلنا يعلم أن التفاهة ظاهر اجتماعية تؤثر بشكل كبير على المجتمع وتؤدي إلى

إلى مجموعة من النتائج السلبية:

النتيجة الأولى: تدهور القيم والمبادئ التي تساهم في تراجع القيم الأخلاقية و المعايير الاجتماعية.

النتيجة الثانية: تردِّي مستوى الحوار و النقاش حيث يصبح التركيز فقط على الأمور السطحية التافهة عوض الأفكار السليمة والجادة فحسب أنطون تشيخوف لا يوجد ماهو أكثر فظاعة وإهانة ومدعاة للكآبة مثل التفاهة.

النتيجة الثالثة: كما وتساهم في زيادة الصراعات و النزاعات بين صناع المحتوى (تضخم الأنا)، ضعف الوعي المجتمعي الذي يؤدي إلى جعل الأفراد أكثر عرضة للتلاعب و التحريض، مع التركيز على القضايا والفضائح الهامشية وتجاهل القضايا الجوهرية.

يقول كارلوس زافون إن العالم لن يفنى بسبب قنبلة نووية كما تقول الصحف، بل بسب الابتذال و الافراط في التفاهة التي ستحول الواقع إلى نكتة سخيفة.

 ونخلص، إلى أن “التفاهة” مرض معدٍ وخطير أصيب به الناس في عصرنا الحالي، حيث أصبح الإنسان يميل إلى تصديق كل خبر كاذب مليء بالأحاسيس الجياشة على قبول الصدق المثبت بالأدلة البراهين.

وهذا ما نبه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:

سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة”. رواه ابن ماجه وأحمد.

مؤلف المقال : بلا قيود

:المصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

thirteen + five =

Check Also

المغرب اضطلع بنصيبه في التصدي لظاهرة الهجرة بمسؤولية والتزام كبيرين

أكد الأكاديمي والمحلل السياسي، عتيق السعيد، أن المغرب اضطلع بنصيبه في التصدي لظاهرة الهجرة…