الوطنية الحقيقية انتماء و مسؤولية لا تخريب

هنا24

الوطنية الحقيقية انتماء و مسؤولية لا تخريب
بقلم: أحمد بومهرود .
الوطنية ليست شعارًا يرفع في المناسبات ولا كلمات تُقال في الخطب لتثير العاطفة، بل هي ممارسة يومية تُقاس بمدى التزام المواطن بالحفاظ على استقرار بلده وحمايته من الأخطار. فالوطنية الحقيقية تعني الانتماء الصادق إلى الأرض والشعب والتاريخ، وتعني المسؤولية في حماية المؤسسات وصون الحقوق، لا المغامرة بمستقبل الوطن ولا المساومة على وحدته. ومن يساوم على استقرار وطنه أو يشارك في العبث بأمنه لا مكان له بين الوطنيين.
لقد شهدت بلادنا في الآونة الأخيرة مشاهد مؤسفة من تخريب وفوضى رافقت بعض الوقفات الاحتجاجية، حيث تحولت من ممارسة سلمية للتعبير عن الرأي إلى أعمال نهب وسرقة وتدمير للممتلكات العامة والخاصة. ومن المؤلم أن هذه التصرفات تتم تحت غطاء المطالبة بالحقوق، بينما هي في الحقيقة تفرغ الاحتجاج من قيمته وتحوله إلى أداة لتدمير الوطن بدل إصلاحه.
من الناحية الاجتماعية، هذه الممارسات تترك جراحًا عميقة في النسيج الوطني. فالاعتداء على الممتلكات الخاصة يعني الإضرار بالمواطنين البسطاء الذين جمعوا رزقهم بعرق جبينهم، والعبث بالمرافق العامة يعني حرمان الشعب نفسه من الخدمات التي أقيمت لأجله. كما أن مثل هذه السلوكيات تعمّق الشعور بالظلم لدى الفئات التي تتضرر من الفوضى، وتجعل من الاحتجاج ( الذي يفترض أن يكون وسيلة للتغيير ) سببًا في تفاقم المعاناة. وهنا يُطرح السؤال: كيف يمكن لمن يطالب بالعدالة الاجتماعية أن يكون أول من يعتدي على حقوق الآخرين؟
أما على الصعيد السياسي، فإن الانزلاق إلى الفوضى والتخريب يخدم أجندات لا علاقة لها بمطالب المواطنين. فالمستفيد الأول من هذه الممارسات هم أعداء الوطن الذين يسعون إلى زعزعة الاستقرار وضرب الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة. ومن المؤكد أن تعطيل المرافق العامة وتخريب الوثائق والاعتداء على الممتلكات لا يدخل في خانة “النضال السياسي”، بل هو محاولة لإضعاف الدولة وإفقادها هيبتها. إن مثل هذه الأحداث تشوه صورة الحراك الشعبي المشروع وتمنح المبرر لكل من يتربص بالبلاد ليشوه مطالبها ويطعن في شرعية احتجاجاتها.
لا أحد ينكر أن للمواطن الحق في التعبير عن رأيه وفي المطالبة بحقوقه، فهذا حق دستوري مشروع. لكن هذا الحق مقترن بواجب: أن يُمارس بطريقة سلمية لا تمسّ استقرار المجتمع ولا تعبث بممتلكات الدولة أو الأفراد. فالاحتجاج السلمي يساهم في الإصلاح ويعبر عن حيوية المجتمع، بينما الاحتجاج الفوضوي لا ينتج إلا الخراب ويُفقد القضية عدالتها.
ما تحتاجه بلادنا اليوم هو وعي جماعي يفرق بين من يطالب بإصلاح حقيقي من داخل إطار الوطنية، وبين من يستغل الشعارات لهدم المؤسسات وإغراق الوطن في الفوضى. الوطنية ليست في رفع الصوت في الشارع فقط، بل في الحفاظ على المكتسبات، وفي تقديم المصلحة العليا للوطن على أي انتماء ضيق أو مصلحة شخصية.
إن الانتماء الحق يعني أن نكون مسؤولين عن حماية وطننا من التخريب، وأن ندرك أن كل حجر يُكسر في مؤسسة عامة، وكل وثيقة تُحرق، وكل متجر يُنهب، هو ضربة موجهة إلى الشعب بأكمله. فالوطنية اليوم امتحان عملي: هل نختار البناء والإصلاح عبر الحوار السلمي والمؤسسات، أم نترك أنفسنا وقودًا لمخططات لا تريد لنا إلا الانهيار؟
إن الوطنية ليست مجرد كلمات رنانة، بل التزام ومسؤولية. ومن يظن أن التخريب وسيلة للاحتجاج، فإنه في الحقيقة يساهم في تنفيذ أجندة أعداء الوطن، سواء كان واعيًا بذلك أم لا. إن بلادنا بحاجة إلى تماسك داخلي يرفض الفوضى ويواجه محاولات زعزعة الاستقرار، وبحاجة إلى وعي سياسي واجتماعي يُميز بين الحقوق المشروعة وبين المخططات المدمرة. فالوطنية الحقيقية تعني أن نحافظ على وطننا، لأن الأوطان إن ضاعت لا تُستعاد.
الدورة الـ14 لمهرجان أصوات نسائية من 12 إلى 15 غشت بتطوان
تطوان – الزهرة زاكي : تنظم جمعية أصوات نسائية، خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 15 غشت 2026، …



