Home الصحافة المغربية قضية الصحراء من التردد نحو الحسم النهائي

قضية الصحراء من التردد نحو الحسم النهائي

قضية الصحراء من التردد نحو الحسم النهائي

علي اسندال

كان القرار الأخير لمجلس الأمن تحت رقم 2797 -2025 ، بمثابة ثمرة وانتصار كبير في معركة دبلوماسية دامت نصف قرن ، وإذا كان هذا القرار جدد ولاية بعثة المينورسو ودعا إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق، فإن ديباجة القرار تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المقترح المغربي والمتمثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الأمثل والواقعي لحل هذا الملف .وهذا القرار استبعد باقي الحلول الاخرى من أي حوار مستقبلي حيث أعطى مفهوما جديدا لموضوع “تقرير المصير”.

في هذا المقال سنحاول مقاربة الموضوع من خلال ابراز نقاط القوة والضعف في هذا القرار والمواقف الدولية تجاهه ، وتقديم سناريوهات ممكنة للطي النهائي لهذا الملف الحيوي لبلدنا المملكة المغربية.

أولاً: دلالات القرار الأممي (2797) ومسار التسوية

رغم أن القرار الاخير لمجلس الامن يُكرّس نفس الإطار السياسي الحالي ، والذي كان يقوده المبعوث الخاص للامين العام للامم المتحدة عبر الموائد المستديرة والتي ستستضيفها الولايات المتحدة ، فإن التركيز على تجديد دعوته المستمرة للأطراف للانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة. غير انه جعل سقف هذا الحوار محددا ولا يمكن أن يتناول موضوع “الاستفتتاء “أو” تقرير المصير” كما تطرحه الجزائر كحل خارج اطار السيادة المغربية . فالقرار كرس موضوع السيادة المغربية بشكل صريح و واضح.

ومن خلال تاكيده على الحل “الواقعي والعملي والدائم والقائم على التوافق”، لا يعني ان الاطراف ستقدم مقترحات جديدة وسيتم على أ اسها التفاوض من جديد ، بل أكد القرار على دعم مجلس الأمن لخطة الحكم الذاتي المغربية ،ووصفها بـ “الجادة وذات المصداقية”. وهذا ما يشكل نهاية لخيار الاستفتاء بشكل لا رجعة فيه .

كما تجدر الاشارة ان هذا القرار اشار مباشرة للجزائر كطرف معني، مما يرسخ مسؤوليتها السياسية والقانونية في ضرورة البحث عن حل نهائي والانخراط فيه بجدية .

ثانياً: مؤشرات التحول نحو “الحسم”

لاشك ان هناك جهودا دبلوماسية مضنية كانت وراء هذا الانجاز التاريخي ،من خلال تغيير مجموعة من الدول الكبرى والمؤثرة على صعيد السياسة الدولية لمواقفها ، بداية بالمانيا واسبانيا وفرنسا وانتهاء بالدور الرئيسي للولايات المتحدة الامريكية بقيادة رئيسها.

وهذا الزخم الدولي المتنامي والداعم للموقف المغربي من خلال هذه الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء ، وفتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية، عزز من مصداقية الموقف المغربي ،و ساهم في اقتناع جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين بمسار الحل المغربي ودعمه .

وتجلى ذلك في موقفي الصين وروسيا اللتان امتنعتا عن التصويت ،ما أعطي ضوءا أخضر لمجلس الامن لتبني القرار بالاغلبية ،وتم ذلك رغم الصراعات القائمة بين الدولتين مع الولايات المتحدة واختلاف وجهات نظرهما في العديد من الملفات الدولية كمشكل اوكرانيا وملف تايوان والتجارة والعقوبات …

كان الموقف الأمريكي والغربي هو الذي اعطى قيمة دبلوماسية لتصويت هذه القوى الكبرى ، ودعمها لخطة الحكم الذاتي كحل أكثر واقعية وجدوى.

ومن ابرز المؤشرات التي ساهمت ايضا في هذا القرار ، ثمرات ونتائج النموذج التنموي الذي جعل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية أمرا واقعا ، من خلال مشاريع كبرى ذات بعد دولي، كميناء الداخلة الاطلسي ، الذي يحظى ببعد افريقي وأوروبي وأمريكي وهو عامل أساسي لترسيخ التنمية على أرض الواقع وتعزيز المقترح المغربي الذي يهدف الى خدمة ساكنة تلك المناطق.

ثالثاً: تحديات “التردد” المعرقلة للحسم

من غير المستبعد ان تكون هناك تحديات كبيرة من شأنها السعي إلى عرقلة تنزيل هذا المقترح على ارض الواقع ،وإن كانت الظروف الدولية تنحو في اتجاه حصر الجزائر في الزاوية ، من خلال اجبارها على الانخراط المباشر في الحل، باعتبارها طرفا أساسيا ،او أن تقوم برفع يدها على الملف من خلال ضغط شعبي ربما يعصف بنظام الجنرالات .

فاذا كانت المواقف المعارضة لكل من (جبهة البوليساريو والجزائر) و ردود فعلهما على القرار، فسيظهر ذلك من خلال تحفظها أو رفضها للموائد المستديرة لمناقشة المقترح المغربي.

ان الولايات المتحدة تريد انهاء جمود العملية السياسية التي قادها المبعوث الشخصي للأمين العام وستعمل على إحياء المفاوضات بشكل فعلي ، رغم استمرار التوتر وتلويح البوليزاريو بالعودة الى الحرب.

ان هذه التحديات ليست سهلة ولكن الاختراق الدبلوماسي المغربي قادر على ربح هذه الجولة ،من خلال اظهار البوليزاريو كمظمة خارجة عن القانون بمساهمتها في ايواء ودعم الارهاب وتجار المخذرات، مما سيجعل عبء إضافي على الجزائر بصفتها المستضيف لهذا الكيان ، وضرورة التخلص منه او مواجهة المنتظم الدولي بتهمة دعم الارهاب .

ويشكل ملف حقوق الإنسان واللاجئين ورقة ضاغطة ومهمة في حسم هذا الملف ، فالبعد الإنساني المتدهور للمحتجزين، يفرض على الأمم المتحدة ضرورة إحصاء سكان مخيمات تندوف وتحديد هويتهم من أجل الانتقال نحو تنزيل الحل المغربي.

فإذا كانت التركيبة العرقية لسكان المخيمات غير معروفة أصلا ، إلا أن بعض الوثائق الاسبابنة المسربة تشير الى أن نسبة كبيرة من سكان المخيمات، قد تصل إلى حوالي 90%، هم من أصول غير صحراوية ، بل قدموا من دول الجوار الإفريقي مثل (مالي، تشاد، وموريتانيا….).

وعلى هذا الاساس فان عدد الصحراويين الأصليين القادمين من الأقاليم الجنوبية للمغرب لا يتجاوز بضعة آلاف، حيث ذكرت إحدى الروايات المنسوبة للوثيقة أن عددهم لا يتعدى 1937 شخصاً.

ولذلك تعالت مجموعة من الأصوات من عدة جهات مؤخرا تطالب بالإحصاء (مثل المغرب وإسبانيا مؤخراً نيابة عن الاتحاد الأوروبي) مما يؤكد على ضرورة إجراء إحصاء دقيق للسكان من قبل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) لضمان ايصال المساعدات للمستحقين، خاصة بعد صدور تقارير موثوقة تتهم الجزائر والبوليزاريو بتضخيم الاعداد وتحويل المساعدات و الإتجار بها .

لذلك لن يبق المجتمع الدولي والأمم المتحدة مكتوفي الأيدي أمام رفض هذه الاطراف لإحصاء المحتجزين ، وسيتم حشرهم في الزاوية وتاكيد مزاعم الإرهاب والاتجار بالمساعدات في حالة رفض الاحصاء.

ورغم هذا الاختلاف حول الأعداد إلا أن تقديرات منظمات الأمم المتحدة ومن خلال حجم المساعدات التي تقدم للاجئين ، فان عددهم يتراوح تقريبا ما بين 70 الف الى 90 الف لاجئ. و انطلاقا من الوثائق الاسبابنة والتي لا تخلو من مصداقية ، قد يكون عدد المنحذرين من الصحراء المغربية لا يتجاوز 10 آلاف شخص كأقصى تقدير .

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية

إن أفق الحل النهائي يمكن أن تنطلق من قرار مجلس الامن كآلية جديدة تدفع نحو الطي النهائي للملف، وسيقطع بلا شك مرحلة التردد التي طبعت 50 سنة من المد والجزر والجمود.

المطلوب وطنيا : ان الزخم التنموي الذي شهدته الاقاليم الجنوبية بالاضافة الى المكتسبات الدبلوماسية التي شهدها الملف والانخراط القوي والفاعل للمنتظم الدولي وقواه الكبرى في هذا الملف ، يضع أعباء اضافية على الدولة المغربية من خلال المضي في تنزيل النموذج التنموي في هذه الاقاليم وتنزيل الجهوية المتقدمة وفق منظور جديد يأخذ بعين الاعبتبار هذه المستجدات .

وهذا الجهد يجب أن ينطلق في أقرب الآجال ومن خلال اتخاذ جميع التدابير التشريعية والقانونية وتوفير آليات لدمج اللاجئين وتوفير شروط استقبال ملائمة تجبر الأضرار ، وتمحو جزءا من ذاكرتهم السيئة في مخيمات الذل والعار.

إن المملكة المغربية قادرة على المصالحة وجبر الأضرار التي لحقت بجزء من مواطنيها المغرر بهم ،وليس لها أية عقدة للاعتراف وتصحيح الاخطاء التاريخية في هذا الملف .والتجربة المغربية النموذجية في التعامل مع سنوات الرصاص خير دليل على حيوية المجتمع المغربي وقدرته على تضميد الجراح كيفما كان نوعها.

على الصعيد الاقليمي : هذا الملف له تأثيركبير على العلاقات المغربية الجزائرية المتوترة مما عرقل مسار الاتحاد المغاربي وفوت عليه ثمار التكامل والتنمية ،فإذا كانت الجزائر تريد بالفعل الخير لشعبها ولشعوب المنطقة ،فيجب عليها أن تقبل بالايادي الممدودة وترد على التحية بمثلها على الأقل.

على صعيد الاتحاد الإفريقي: مطلوب منه أن يسير في اتجاه دعم هذا الحل وطرد الجمهورية المزعومة من هياكله، والأمر لم يعد من المستحيلات بل مسالة وقت فقط ، خاصة بعد إجماع الدول الافريقية على دعم المبادرة المغربية وانخراطها في مشاريع تنمية القارة وأهمها أنبوب الغاز المغرب – نيجيريا .

خلاصة :إن القرار الاخير لمجلس الأمن يمكن اعتباره مرحلة فاصلة في تاريخ هذا الصراع ، فما بعد القرار يختلف جذريا على ما قبله . وهذا يؤشر كون القرار مجرد بداية ستتبعه خطوات متعددة على جميع الاصعدة .

كما يمكن اعتباره نقطة انطلاق لمسيرة جديدة، تنموية وتشريعية ودبلوماسية متواصلة ،تجسد الابداع المغربي وتبرز قدرة الإنسان المغربي على تجاوز الصعاب وتعزيز الوحدة الوطنية والالتفاف الوطني حول النظام الملكي كاطار للسيادة الوطنية .

Azizمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

four − three =

Check Also

نقابة الاتحاد الاشتراكي تبخس الحوار الاجتماعي وتدعو لزيادة الأجور

وجهت الفيدرالية الديمقراطية للشغل، بمناسبة فاتح ماي 2026، رسالة نضالية حاملة لشعار “العدال…