الشرطة بين المغرب وفرنسا.. قراءة سوسيولوجية على ضوء تحقيق أجرته قناة “سي نيوز” الفرنسية (فيديو)


تُشكل مكانة جهاز الشرطة داخل المجتمعات أحد أبرز مؤشرات العلاقة الصحية بين الدولة والفرد، باعتباره مرآة لمدى الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات إنفاذ القانون. في هذا السياق، جاء التحقيق الميداني الذي أنجزته قناة “سي نيوز” الفرنسية من قلب مدينة الدار البيضاء، ليكشف من منظور مُقارن، عن تباين جوهري بين النموذج الأمني المغربي ونظيره الفرنسي، سواء على مستوى الصورة المجتمعية أو الممارسة الميدانية.
من الشرطة الكلاسيكية إلى الشرطة المواطِنة: التحول المغربي يُلفت الأنظار
أظهر التحقيق أن الشرطة المغربية تحظى باحترام واضح من قبل المواطنين، وهو احترام نابع من تحول بنيوي عرفه الجهاز الأمني منذ بداية الألفية الثالثة. فقد انتقلت المقاربة الأمنية من منطق الضبط إلى منطق الخدمة العمومية، وفق ما تُعرِّفه الدراسات الحديثة بـ”الأمن الإنساني Human Security“، الذي يضع المواطن في صلب الاهتمام الأمني.
هذا التحول لم يكن اعتباطيا، بل جاء نتاج لإصلاحات مؤسساتية قادتها المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بمرجعية ملكية جعلت من “الأمن في خدمة المواطن” قاعدة مُهيكلة للعمل الأمني. ويظهر هذا التوجه في تعزيز شرطة القرب، وتكريس مبدأ الشفافية، وتحديث البنية التكوينية واللوجستية لرجال الأمن.
فرنسا وأزمة الثقة المفقودة بين رجل الأمن والمواطن
في المقابل، تعيش فرنسا أزمة ثقة متفاقمة بين الشرطة والمجتمع، كما أشار إليه التحقيق نفسه من خلال مقارنة ردود فعل المواطنين الفرنسيين والمغاربة.
فعلى الرغم من أن الشرطة الفرنسية تُعتبر تقليديا من ركائز الجمهورية، إلا أن تزايد أحداث العنف المفرط واتهامات التمييز والعنصرية جعلت الجهاز الأمني محط انتقاد دائم من طرف الإعلام والنخب الأكاديمية.
وبالاعتماد على عُصارة عدد من الدراسات الفرنسية في علم الاجتماع السياسي، ضمنها أعمال عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي ديدييه فاسان Didier Fassin، فإن الشرخ بين الأمن والمجتمع في فرنسا يعود إلى تآكل الثقة في حياد الشرطة وإلى تمركزها في الأحياء الهشة كجهاز ردع أكثر منه مؤسسة حماية، مما يُعزز الإحساس بالاغتراب لدى فئات واسعة من المواطنين.
الثقة كعنصر مركزي في نجاح المقاربة الأمنية الوطنية
تكشف المقارنة بين البلدين أن النجاعة الأمنية ليست مجرد مسألة تقنية بحتة أو ردعية، بل هي في جوهرها علاقة ثقة متبادلة. ففي المغرب، يُقدم رجل الشرطة كشريك في استقرار الحياة العامة، وللأمر جذور اجتماعية وثقافية راسخة منحته احتراما خاصا، بينما في فرنسا أصبح في نظر الكثيرين رمزا جافا للسلطة المنفصلة عن واقع المجتمع وتطلعاته.
هذا الفارق في التمثلات لا يرتبط فقط بمستوى الأداء الميداني، بل أيضا بالفلسفة الأمنية التي توجه كل نموذج: الأمن القائم على القرب مقابل الأمن القائم على الردع.
البعد الدولي: من احترام داخلي إلى اعتراف خارجي
تتجاوز دلالات التحقيق حدود المقارنة الداخلية، لتنعكس على مستوى العلاقات الدولية، حيث باتت الأجهزة الأمنية المغربية تحظى بثقة متزايدة من شركائها الأوروبيين. ويكفي التذكير بواقعة توقيف الشرطة الهولندية لقاصر في مدينة سيتارد، جنوب هولندا، بفضل معلومات دقيقة وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، كدليل على فعالية التجربة المغربية في الاستخبار الوقائي والتنسيق العابر للحدود.
هذا الاعتراف الخارجي يُبرهن بجلاء أن الاحترام الذي يُعبر عنه المواطن المغربي تجاه شرطته يجد صداه في الثقة الدولية المتنامية في المؤسسة الأمنية الوطنية.
وفي الختام، إن الخلاصة الأبرز التي يمكن استنتاجها هي أن الشرطة لا تُحترم لأنها تُخيف، بل لأنها تُؤتمن. وهذه المعادلة التي نجح المغرب في ترسيخها، بينما لا تزال فرنسا عالقة في نموذج الأمن الانضباطي الذي يفصل بين الحماية والسيطرة، ما كلفها خسارة الشرعية المجتمعية.
ظهرت المقالة الشرطة بين المغرب وفرنسا.. قراءة سوسيولوجية على ضوء تحقيق أجرته قناة “سي نيوز” الفرنسية (فيديو) أولاً على المغرب ميديا – آخر أخبار المغرب العاجلة والموثوقة 24/7.
برج محمد السادس يزداد جمالًا في مدخله الرئيسي
تم تزيين المدخل الرئيسي لِـ برج محمد السادس، المعلمة البارزة في الرباط/سلا، بالنباتات الخض…




