تصاعد التوتر في الشرق الأوسط.. هل يستفيد المغرب من إعادة رسم خريطة الشراكات الدولية؟
في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وإعادة ترتيب موازين القوة بين عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، تشهد العلاقات الدولية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية مع التوترات السياسية والدبلوماسية المتصاعدة.
ويأتي التصعيد المتزايد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الدولي، خاصة في ظل ما يرافقه من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على عدد من الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من بينها الإمارات وقطر والسعودية والأردن، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على التوازنات الاقتصادية والتجارية في مناطق أوسع من العالم.
وفي موازاة هذا التصعيد، برزت مؤشرات توتر إضافية على مستوى العلاقات عبر الأطلسي، خصوصاً بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا، عقب موقف مدريد الرافض للمشاركة في أي دعم عسكري أو لوجستي محتمل لواشنطن في سياق المواجهة الراهنة.
وقد أدى هذا الموقف إلى تصعيد في الخطاب السياسي بين الطرفين، حيث لوّحت الإدارة الأمريكية بإمكانية مراجعة أو حتى تعليق بعض جوانب العلاقات التجارية مع إسبانيا، في خطوة قد تكون لها تداعيات اقتصادية تتجاوز الإطار الثنائي لتطال الاتحاد الأوروبي ككل، بالنظر إلى عمق الروابط الاقتصادية بين ضفتي الأطلسي.
هذا الوضع المستجد أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، حيث بدأت تتردد تساؤلات حول طبيعة التحولات التي قد تطرأ على خارطة الشراكات الإقليمية للولايات المتحدة في منطقة غرب المتوسط وشمال إفريقيا.
وفي هذا السياق، طُرح اسم المغرب باعتباره أحد الفاعلين الإقليميين الذين قد يستفيدون من أي تباعد محتمل بين واشنطن ومدريد، خاصة في ظل الدينامية المتصاعدة التي طبعت العلاقات المغربية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
فخلال العقد الماضي، شهدت الشراكة بين الرباط وواشنطن تطوراً لافتاً على مستويات متعددة، شملت التعاون العسكري والأمني والتنسيق السياسي في عدد من القضايا الإقليمية، إضافة إلى تعميق العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
ويعكس هذا المسار رغبة مشتركة في بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تبادل المصالح وتعزيز الاستقرار الإقليمي في منطقة تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.
وفي المقابل، يعمل المغرب على ترسيخ موقعه كشريك موثوق للفاعلين الدوليين في قضايا الأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية، مستفيداً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي ومن استقراره السياسي والمؤسساتي مقارنة بعدد من محيطه الإقليمي.
وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح علوي أن المغرب يعتمد مقاربة استباقية في تدبير المخاطر المرتبطة بالتحولات الدولية، مع التركيز على تعزيز صمود الاقتصاد الوطني في مواجهة التقلبات الخارجية.
وخلال مقابلة أجرتها مع إذاعة فرنسا الدولية rfi، شددت الوزيرة على أن الحكومة تضع ضمن أولوياتها مراقبة التأثيرات المحتملة للتصعيد الإيراني الأمريكي على الأسواق العالمية، خاصة في ما يتعلق بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، معتبرة أن التعامل مع مثل هذه الأزمات يقتضي يقظة دائمة وسياسات اقتصادية مرنة قادرة على التكيف مع المستجدات.
وفي معرض حديثها عن موقع المغرب في خارطة الاستثمار العالمية، قدمت نادية فتاح معطيات تعكس تطور جاذبية المملكة لدى المستثمرين الدوليين، مشيرة إلى أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ صورته كوجهة صناعية وتكنولوجية واعدة.
وأوضحت أن الاستثمارات الكبرى التي أعلنت عنها شركات دولية في قطاعات الطيران والصناعة المتقدمة تعكس الثقة المتزايدة التي تحظى بها البيئة الاقتصادية المغربية.
وفي هذا الإطار، توقفت الوزيرة عند الاستثمارات الجديدة التي أعلنت عنها مجموعة “سافران” الفرنسية، معتبرة أن اختيار هذه المجموعة العالمية توسيع حضورها الصناعي في المغرب يعكس نجاح الرؤية الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس منذ أكثر من ربع قرن، والتي تستهدف تحويل المملكة إلى منصة صناعية متكاملة قادرة على المنافسة في سلاسل القيمة العالمية.
وأشارت إلى أن المغرب تمكن بفضل هذه الرؤية من تطوير منظومة صناعية متقدمة في قطاعات مثل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، وهو ما ساهم في جذب عدد متزايد من الشركات متعددة الجنسيات التي تبحث عن مواقع إنتاج مستقرة وقادرة على الاندماج في الأسواق الدولية.
وأضافت أن هذا التوجه يبعث برسالة قوية إلى المستثمرين مفادها أن المملكة توفر بيئة استثمارية آمنة ومستقرة على المدى الطويل، ما يجعلها خياراً استراتيجياً للشركات التي تخطط لاستثمارات تمتد لعشر أو خمس عشرة سنة قادمة.
وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، كشفت الوزيرة عن تطورات إيجابية في سوق الشغل، موضحة أن الاقتصاد الوطني تمكن خلال سنة 2025 من إحداث نحو 250 ألف فرصة عمل جديدة، توجه الجزء الأكبر منها إلى فئة الشباب.
ورغم هذه المؤشرات المشجعة، أقرت نادية فتاح علوي بأن التحديات المرتبطة بسوق العمل لا تزال قائمة، خاصة في ما يتعلق بإدماج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية.
وأكدت أن الحكومة جعلت من تحسين فرص التشغيل وتعزيز قابلية الشباب للاندماج المهني محوراً أساسياً في السياسات العمومية الحالية، من خلال دعم التكوين المهني وتشجيع الاستثمار المنتج وتعزيز ريادة الأعمال.
وتأتي هذه الجهود في سياق اقتصادي عالمي يتسم بقدر كبير من عدم اليقين، حيث تتداخل التوترات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية والطاقية، ما يفرض على الدول تبني استراتيجيات مرنة قادرة على استيعاب الصدمات الخارجية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن المغرب يسعى إلى تحويل هذه التحولات الدولية إلى فرص لتعزيز موقعه كشريك اقتصادي واستثماري موثوق، مستفيداً من شبكة علاقاته المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
وفي ظل استمرار التقلبات في النظام الدولي، يبقى الرهان الأساسي بالنسبة للعديد من الدول، ومن بينها المغرب، هو القدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة وبناء شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص النمو في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة وتعدد مراكز النفوذ.
أسرار الخبراء لشعر يبدو أكثر كثافة فوراً
لم تعد كثافة الشعر تفصيلاً جمالياً عابراً، بل نتيجة لاختيارات دقيقة وخطوات مدروسة، لذلك يت…










