منبر الرأي .. شروط الإصلاح العميق والرقي الحقيقي

أريفينو : 07 مارس 2025.
بقلم د. نور الدين البركاني (في يونيو 2011)

لا شك أن خطاب 9 مارس 2011 يعد محطة تاريخية بارزة، إذ أجمع الفاعلون السياسيون والنقابيون والحقوقيون والمدنيون على أهميته الكبيرة، معتبرينه خارطة طريق لمرحلة جديدة في مستقبل المغرب.
لقد تلاقت إرادة الشعب مع إرادة الملك، الذي قرر، بحزم وشجاعة وحكمة، أن يدفع بعجلة الإصلاح بكل قوة، متحديًا جيوب المقاومة، ومدعومًا بحركة 20 فبراير. وهكذا، فتح ورشًا كبيرًا، أساسه دستور ديمقراطي يستجيب لتطلعات المغاربة. ويبقى الأمل معقودًا على توفر الإرادة الصادقة والنزاهة وحسن النيات لدى جميع الأطراف لإنجاح هذا المشروع الطموح.
الرهان على الحكمة والفعل
المسألة الأساسية في التعامل مع الأحداث الجسام ليست مجرد تصديقها أو إنكارها، فقد أصبح العالم بمثابة غرفة واحدة بفعل الثورة الإعلامية، وإنما العبرة في كيفية تحليلها واتخاذ المواقف الصحيحة حيالها، ثم المضي قدمًا في العمل وفق تلك المواقف. وهنا يكمن تميز المغرب عن كثير من الدول التي اجتاحتها رياح الإصلاح، حيث شكل نظامه الملكي استثناءً، وحظي بدعم أغلبية الشعب.
المغاربة يطمحون إلى تكريس التعددية الدستورية لهويتهم، وترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات، وضمان استقلالية القضاء، وفصل السلط، ودَمقرطة الدولة، وتحديث المؤسسات، وإقامة برلمان حقيقي منتخب، وحكومة نابعة من الإرادة الشعبية. كما يسعون إلى تعزيز دور الوزير الأول، ودسترة مؤسسة مجلس الحكومة، وتقوية الأحزاب السياسية ضمن تعددية حقيقية، وترسيخ آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة.
هذه المطالب الجوهرية، التي وردت في الخطاب الملكي، تشكل أسس بناء المغرب الديمقراطي الحديث، وضمان العيش الكريم لكل مواطنيه.
الإصلاح الأخلاقي شرط أساسي للرقي
من أكثر ما استرعى انتباهي في الخطاب الملكي هو مسألة تخليق الحياة العامة، إذ أؤمن يقينًا بأن الإصلاح العميق لا يمكن أن يتحقق دون إعلاء شأن الأخلاق والمبادئ والتربية السليمة. نحن اليوم في أمسِّ الحاجة إلى إيجاد مدخل جديد للتنمية الأخلاقية، فلا يمكن أن نحقق الرقي الحقيقي ما لم نحرص على بناء إنسان صالح، مسلح بالقيم والمبادئ.
إن المواطنة الحقة تعني السعي إلى تحقيق المصلحة العامة، والتخطيط والعمل لأجل مستقبل الأجيال القادمة، حتى وإن لم نكن نحن جزءًا منه. فالمسؤولية الوطنية مشتركة بين الملك والحكومة والبرلمان والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والمواطنين، وتتطلب جميعها الإخلاص في العمل، وبذل الجهود بدءًا من إصلاح الذات.
تحديات الأخلاق في المجتمع
الرقي الحقيقي ينبني على جعل القيم الأخلاقية في صدارة الاهتمامات، فالتقدم ليس مجرد تطور مادي، بل هو إيمان وأخلاق وانضباط. إن المواطن المخلص لوطنه هو من يمتنع عن الكسب غير المشروع، ويحرص على الاستقامة والنزاهة، فبذلك وحده نضمن لأجيالنا القادمة مستقبلًا أفضل.
الإصلاح لا يقتصر على سنّ القوانين والتشريعات، بل يكمن في مدى التزامنا بتطبيقها واحترامها. وكما قال الله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد: 11). وهذا يستوجب منا جميعًا مراجعة أنفسنا وتصحيح أخطائنا، سواء في سلوكياتنا أو أولوياتنا أو طريقة تربيتنا لأبنائنا، والعمل على تحصين الشباب من مظاهر الفساد والانحراف.
مفارقات المجتمع المغربي
كيف لنا أن نرتقي بوطننا ونحن لا نسهم بما يكفي في بنائه؟
كيف نطالب بالإصلاح ونحن نتعامل بالغش والخداع والكذب في حياتنا اليومية؟
كيف نستنكر الفساد بينما نحن أول من يشجع على الرشوة والسرقة والتزوير؟
كيف نطالب بالإصلاح ونحن نبيع أصواتنا في الانتخابات ونشتري ذمم الآخرين؟
كيف نريد إصلاح المجتمع ونحن نتعامل بلامبالاة تجاه مظاهر الفساد والآفات الاجتماعية؟
لقد عرف مجتمعنا تحولات خطيرة، حيث باتت القيم المادية تطغى على المبادئ الأخلاقية، وأصبح يُنظر إلى الشخص الناجح فقط من خلال ما يملكه من مال أو جاه، لا من خلال نزاهته وأخلاقه. كما أن الشباب، باعتباره الفئة الأكثر تأثرًا بهذه التحولات، يحتاج إلى توجيه صحيح، لأن دوره محوري في تحريك عجلة الإصلاح والنمو.
التحديات الثقافية والهوية الوطنية
المغرب بلد له ثوابت راسخة، أبرزها الإسلام الذي يشكل مصدر وحدتنا وتماسكنا. لذلك، من الخطأ الفادح التخلي عن قيمنا ومبادئنا تحت تأثير الغزو الثقافي الغربي، الذي يسعى، عبر الإعلام والتكنولوجيا، إلى طمس هويتنا. لا يجوز أن نسمح لهذا الغزو بأن يتحول إلى حرب على قيمنا، لأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى فقداننا لكل شيء.
علينا أن نربي أبناءنا على القيم السامية، مثل الأخوة والتضامن والنزاهة والإخلاص للوطن، واستثمار الوقت فيما ينفع. كما يجب إعطاء الأولوية للتعليم، الذي لا يكون فعالًا إلا إذا اقترن التطبيق بالممارسة، لأن السلوك الإنساني يتأثر بالمحيط، ونجاح الأفراد يرتبط بتنشئتهم داخل بيئة أخلاقية سليمة.
الإصلاح يبدأ من الذات
إن السعادة ثمرةُ جهدٍ وعنايةٍ متواصلة، وبالتالي، فإن كل شاب مغربي، إذا أراد الخير لوطنه ولنفسه، فعليه أن يحرص على التعلم، وتطوير مهاراته، والعمل بجد، وخلق فرص شغل للآخرين. لا ينبغي أن يعيش الإنسان لنفسه فقط، بل عليه أن يساهم في بناء المجتمع بكل السبل المتاحة.
التقوى، بمفهومها الواسع، لا تعني فقط الالتزام بالشعائر الدينية، بل تشمل أيضًا احترام القوانين، وإتقان العمل، والانضباط، وترشيد الاستهلاك، والتزام المواعيد، واستثمار الوقت بشكل جيد. فلو استوعبنا هذا المفهوم وسعينا إلى نشره، سنساهم بلا شك في إصلاح المجتمع وتخليق الحياة العامة.
آليات الإصلاح الحقيقي
لا يمكن إصلاح المجتمع بمجرد سنِّ العقوبات الصارمة، لأن القوانين وحدها لا تصنع مجتمعًا صالحًا، بل تحميه فقط. لا يمكن تحقيق تخليق الحياة العامة بالمراقبة والمحاسبة فقط، بل لابد من ترسيخ منظومة أخلاقية متكاملة، تستند إلى التربية السليمة في الأسرة والمدرسة والمسجد والإدارة والمؤسسات العامة.
الإشكال الأكبر في مجتمعنا اليوم ليس الفساد في حد ذاته، بل ضعف الشعور بالواجب والمسؤولية. فالكثيرون لا يتحملون مسؤوليتهم تجاه الوطن، ولا يرون أنفسهم جزءًا من مشروعه المستقبلي.
أستغرب كيف نفرح ونحتفل عند انتصار المنتخب الوطني، بينما نمارس في حياتنا اليومية سلوكيات تتناقض تمامًا مع حب الوطن، كالغش والرشوة والتخريب وانعدام المسؤولية. هذا التناقض الصارخ يعكس خللًا عميقًا في وعينا الجماعي.
الخاتمة: طريق الإصلاح والرقي
بلوغ الإصلاح الحقيقي والرقي المنشود يتطلب منا الاعتراف بأخطائنا، والمسارعة إلى تصحيحها. الحل يبدأ من تعزيز الرقابة الذاتية، وتقوية العلاقة مع الله، وترسيخ الإحساس بالواجب، وصناعة المواطن الصالح، وبناء الأسرة المتماسكة، والمجتمع الفاضل حيث تسود القيم الأخلاقية.
إن هذه هي الرسالة العظمى التي حملها الأنبياء والرسل، وهي وحدها الكفيلة ببناء مغرب قوي ومتقدم، يسوده العدل والكرامة.
يكتبها : د. نور الدين البركاني / الفاعل الجمعوي , الصيدلاني و الربلماني السابق.

The post منبر الرأي .. شروط الإصلاح العميق والرقي الحقيقي appeared first on أريفينو.نت.
انتخاب محمد عزوز رئيسا لفرع جمعية أساتذة اللغة العربية ببركان
صباح الشرق /SABAHACHARK انعقد يوم السبت 25 أبريل 2026 الجمع العام التأسيسي لفرع جمعية أسا…










