Home الصحافة المغربية مايسة الناجي والإفطار العلني في رمضان: قناعة أم فراغ مغطى بضجيج

مايسة الناجي والإفطار العلني في رمضان: قناعة أم فراغ مغطى بضجيج

مايسة الناجي والإفطار العلني في رمضان: قناعة أم فراغ مغطى بضجيج

مايسة الناجي والإفطار العلني في رمضان: قناعة أم فراغ مغطى بضجيج

هوية بريس – عبدالاله الرضواني

في البداية اود ان أشير الى أنني لستُ معنيًا بالحكم على من يصوم ومن لا يصوم؛ فذلك شأن فردي خالص، وسيحاسَب كل إنسان على اختياراته بمعزل عن الآخرين (فإذا جاءت الصاخة* يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس 33-37). غير أن المسألة التي تستحق النقاش ليست ما إذا كان الفرد يصوم أم لا، بل الكيفية التي يُحوَّل بها هذا الاختيار الشخصي إلى فعل علني مُحمَّل بالدلالات. فنحن لا نعيش في فراغ، ولا في حالة طبيعية متحررة من كل قيد، بل داخل مجتمع تؤطره منظومة من القوانين والقيم والتقاليد والأعراف التي تشكل نسيجه الرمزي وتمنحه تماسكه. وبين حرية الفرد واحترام هذا الإطار، يتحدد الحد الفاصل بين السلوك المسؤول والسلوك الذي يتعمد الاصطدام بالجماعة بدل التعايش معها.

منذ يوم او يومين، نشرت مايسة سلامة الناجي صورًا وهي تتناول مشروبًا في أحد فضاءات مدينة مراكش خلال شهر رمضان. وبغضّ النظر عن الموقف الشخصي من الصيام، وهو في جوهره مسألة فردية تتصل بالضمير ولا تقبل الإكراه، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في الفعل ذاته، بل في طبيعته العلنية، وسياقه الزمني، والدلالات الرمزية التي يُحمَّل بها. فحين يتحول السلوك الفردي من ممارسة خاصة إلى عرض موجّه، فإنه يغادر دائرة الحرية الشخصية ويدخل مجال التأثير الاجتماعي، حيث تُقاس الأفعال ليس فقط بنيّاتها، بل أيضًا بآثارها وانعكاساتها على الجماعة.

إن الفرق بين الحرية والسلوك الاستفزازي ليس فرقًا أخلاقيًا فحسب، بل هو أيضًا فرق تحليلي يمكن تفكيكه بأدوات علم النفس الاجتماعي. في هذا السياق، يمكن فهم مثل هذه التصرفات من خلال مفهوم “السلوك الباحث عن الانتباه”، حيث يسعى الفرد إلى تعظيم حضوره الرمزي داخل الفضاء العام عبر كسر التوقعات السائدة. فكلما كان الفعل أكثر تصادمًا مع القيم الجماعية، خصوصًا في لحظة زمنية مشحونة دلاليًا مثل شهر رمضان، كلما زادت احتمالية انتشاره وتداوله. وهنا يصبح الاستفزاز أداة تواصل، لا غاية تعبيرية، ويغدو “الجدل” هو المنتج الحقيقي، لا الفكرة..

كما يمكن قراءة هذا السلوك في ضوء ما يُعرف بـ “التمرد الزائف”، وهو نمط من السلوك يخلط بين التمرد كفعل نقدي مؤسس على رؤية فكرية، وبين مجرد خرق القاعدة بهدف لفت الانتباه. التمرد الحقيقي يفترض وجود مشروع معرفي أو أخلاقي يسعى إلى إعادة تعريف القيم أو مساءلتها بعمق، أما التمرد الزائف فيكتفي بإثارة الصدمة دون تقديم بديل أو حتى طرح إشكال فكري متماسك. وبذلك يتحول الفعل إلى مجرد أداء رمزي فارغ، يُستهلك سريعًا داخل دورة الأخبار والتفاعل الرقمي، دون أن يخلّف أثرًا معرفيًا حقيقيًا.

جزء من المشكلة يعود إلى ما يمكن تسميته “العمى السياقي”؛ أي العجز عن إدراك أن الفعل يكتسب معناه من السياق الذي يُمارس فيه. فالإفطار العلني في رمضان لا يُقرأ بالطريقة نفسها في مجتمع علماني بالكامل كما يُقرأ في مجتمع مسلم يُشكّل رمضان أحد أعمدته الرمزية والوجدانية. تجاهل هذه الحقيقة لا يعكس تحررًا، بل ضعفًا في قراءة الرموز الجمعية، وفي تقدير ما تمثله هذه اللحظة الزمنية في وعي الناس وهويتهم.

إلى جانب ذلك، تتيح لنا “نظرية إدارة الانطباع” قراءة أوضح لما حدث؛ فصاحبة الفعل تسعى إلى تقديم ذاتها في صورة المختلف، الشجاع، القادر على تحدي ما تعتبره «تابو» جماعيًا. لكن هوية تُبنى أساسًا على النفي (أنا ضد ما يفعله الجميع) لا على الإثبات (أنا أقدم رؤية بديلة متماسكة) تبقى هوية هشة، تعتمد في استمرارها على إعادة إنتاج الصدمة مرة بعد أخرى. وبمجرد أن يتوقف الجمهور عن الانفعال، تفقد هذه الهوية وقودها الأساسي.

تتداخل هنا أيضًا لعبة “رأس المال الرمزي”. في زمن تتسابق فيه الأصوات على منصات التواصل، يصبح الجدل ذاته موردًا ثمينًا، يُحوَّل إلى فرص ظهور، ومتابعين، وتأثير إعلامي. حينها لا يعود الاستفزاز مجرد انزلاق عابر، بل يتحول إلى استراتيجية شبه واعية لحجز مكان داخل السوق الرمزي للإعلام، حتى لو كان الثمن هو الاصطدام بشعور غالبية المجتمع.

لذلك، فجوهر النقاش ليس: هل مايسة تصوم أم لا؟ فهذا شأنها، وستُحاسَب عليه وحدها. السؤال الحقيقي: لماذا اختارت أن تجعل من هذا الاختيار مشهدًا معلنًا في فضاء عام، في زمن تعرف رمزيته وحساسيته؟ الجواب الأقرب أن ما حصل ليس تعبيرًا هادئًا عن قناعة شخصية، بل محاولة لإثبات الذات عبر استفزاز الجماعة، وتحويل قيمها ورموزها إلى خلفية مسرح تُعرَض عليه لحظة بروز فردي.

في النهاية، لا يتعلق النقاش بمن يصوم ومن لا يصوم، بل بالتمييز بين حرية مسؤولة تمارس في وعي بالسياق، وحرية استعراضية لا تكتمل إلا بوجود جمهور مُستَفَز. الأولى لا تحتاج إلى إعلان، لأنها تنبع من قناعة مستقرة، بينما الثانية تعيش على ردود الفعل، وتفقد معناها في غيابها. وبين هذين النموذجين يتحدد الفارق بين الفعل بوصفه تعبيرًا عن الذات، والفعل بوصفه أداة لإثارة الآخرين.

إن المجتمعات لا تُختزل في قوانينها، بل تتشكل أيضًا من شبكة معقدة من الأعراف والرموز التي تمنحها تماسكها الداخلي. واحترام هذه الشبكة لا يعني الانصياع غير النقدي لها، بل يقتضي التعامل معها بقدر من الوعي والمسؤولية. أما تحويلها إلى مادة للاستفزاز، فإنه لا يعكس بالضرورة شجاعة فكرية، بل قد يكون، في كثير من الأحيان، علامة على فراغ يُغطّى بضجيج، وعلى عجز عن إنتاج معنى يُستعاض عنه بإنتاج الجدل.

The post مايسة الناجي والإفطار العلني في رمضان: قناعة أم فراغ مغطى بضجيج appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

10 + 6 =

Check Also

السنغال تخرج عن النص: حكومة داكار تهاجم “الكاف” وتطالب بتحقيق دولي بعد تجريدها من لقب “كان 2025” ومنحه للمغرب!

<p>في تصعيد خطير وغير مسبوق يتجاوز المستطيل الأخضر، دخلت الحكومة السنغالية على خط ال…