وزان في عُيون إميلي كين

مقدمة
تراكمت بحاضرة وزان الجبلية طيات زحفت منذ القرون الخوالي؛ وهي طيات لخرقة أخفت أسرارها، وهي طيات من ذكريات احتفظت بها دروب المدينة المؤدية لمنبع الماء وللمسجد، وللبيت العتيق، وللديار بين القباب، وبين الأخضر والبياض الذي يلف دار الضمانة من دار السقف وحي المِرمري شرقاً إلى حي القشريين غرباً.
يمكن أن نفهم سردية المدينة بعدة وسائل، وفي آخر المطاف لن نفهم غير هذا الحضور الصُّوفي الذي لا يمكن تفسيره لأنه سرٌّ. تلف الزَّياتين الخضراء الأنفاس فتُصبح وزان هي واد الزاز، وهي الماء الزّلال، وهي الزرزور فوق مآذنها، والذكر الذي يزيدها على طول السنين مسحة من الجلال…فيطير الحمام بعيداً ثم يعود ليطوف بالمدينة تقوده خيوط الجلابة، وتجلبه أصوات المادحين ليستأنس بالخلوة. ينسى الزائر انشغالات الدنيا ويصمت قليلا؛ ففي حضرتها تخوننا اللّغة !
دفعتني دار الضمانة للاهتمام بفلسفة فيلهلم لايبنتس؛ لست أدري هل لهذه الالتفاتة من سبب؟ هل هي طيات جبل بوعقيقة المتداخلة؟ أم هي هندسة الباروك؟ أم هي كتابات دولوز المستعصية ؟ قد يكون في الأمر شيء من السينما التحتية والفوقية ! تناول لايبنتس الطَّيات الفوقية والطّيات التحتية….ونَظَّر دولوز للسينما….ربما العلاقة أملتها اهتمام لايبنتس بالهندسة والزوايا؟! ومال إلى الزوايا المدورة إلى ما لا نهاية. يتراجع الجسد في حضرة وزان ويتخفف استعداداً لإقلاع الرُّوح. تسمح لنا وزان بفهم الرياضيات والفلسفة معاً، بركوب الغيام والتجوال فوق التلال المجاورة والغيوم البعيدة.
حاولتُ متابعة أطياف المدينة عبر عيون الشريفة د وزان الإنجليزية إميلي كين زوجة الشريف الحاج عبد السلام من خلال سيرة حياتها الصادرة سنة 1904، بترجمة أنيقة، نقلها من الإنجليزية للعربية السيد حسن الزكري سنة 2023. كما حاول أبناؤها وعشاقها متابعتها عبر كتابات الأجانب والمغاربة، مؤرخين، روائيين، شعراء، وفنانين تشكيليين، وفي كل مرة يكتشفون جانباً من شخصيتها؛ تارة مزعجة ومتمردة على الأسوار وعلى النِّسيان، لكن منفتحة، منسجمة مع هويتها السَّمحاء، باعتبارها “حَرمُ من لا حُرمة له”.
وزان مدينة السَّلام
لم تكن وزان عبر تاريخها في مأزق بقدر ما لعبت دور الوسيط في حل النزاعات الكثيرة بين الدولة والقبائل وبين الدُّول حتَّى؛ فالتاريخ الديبلوماسي للمدينة يحتاج لأضواءٍ تُسلَّط عليه. وتقوم الوزانيات ويقوم الوزانيون بأدوار الوساطة أينما حلوا وارتحلوا اليوم وغداً.
لقد استوعبتْ الشَّخصية الوزانية تطور الأحداث التي كانت تجري داخلياً. وفهمت بحسها الفريد، العلاقات الدولية، مما جعلها تتوق للانخراط في “التحديث”، ولو على مستوى البنيات التحتية قبل الفوقية، في وقت كانت أوربا تعيش الانتقال من الرومانسية، والأنوار إلى الاهتمام بالشرق. والعالم العربي يخوض“ تجربة نهضوية“ مع الطهطاوي، محمد عبده، وشكيب أرسلان…بعد حملة نابليون على مصر (1798-1801م).
فطن إذن الشريف الوزاني الحاج عبد السلام لما سيأتي (توفي سنة 1892 بطنجة)، فانخرط في التحديث. وتجلى ذلك في المطالبة مبكراً بمد الجسور والقناطر، وببناء الطرقات، وما لبث أن اختار الإقامة بطنجة، وتزوج بالإنجليزية إميلي كين سنة 1873م. مال للتعليم الحديث. وتعلم اللغات الأجنبية وأتقنها. لم يحصل “التحديث“ لغياب شروطه.
لا يمكن فهم ما دونت إميلي كين دون استحضار نتائج معركة إيسلي (1844م)، حرب تطوان (1860م)، إرسال المغرب للبعثات لأوروبا في عهد الحسن الأول ما بين (1873-1894م) والمصير الذي لاقوه بعد عودتهم، تسابق بعض التجار لطلب الحماية القنصلية الأجنبية، ظهور المخططات الاستعمارية للعيان، إبرام معاهدة الجزيرة الخضراء (1906م)، خضوع المغرب للحماية الفرنسية الإسبانية (1912م)، وضعية طنجة الدولية. أما من ناحية الوضع الدولي، فعرفت هذه المرحلة ظاهرة الاستشراق إبان القرن 19م، المد الامبريالي والاستعماري (ما عُرف بالبحث عن المجال الحيوي)، قيام الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، ظهور التيار الوحشي في الفن التشكيلي وصعود المدرسة التكعيبية بقيادة بابلو بيكاسو. لقد قال قائل من النّقاد: “الغرب ليس كله شرًّا وليس كله خيراً! “
نلاحظ بأن وزان في عيون إميلي كين هي “حَرمٌ“ (ص.31)، “مَدَدٌ من السَّماء“ (ص.67)، “مدينةُ الأولياء“ (ص.111)، “دار الضَّمانة“ (ص.112)، “الدَّار الوزَّانية“ (ص.117)، “مدينةٌ مقدسةٌ“ (ص.123)، “البيتُ الشَّريف“ (ص.127)، “ السلطة الرُّوحية“ (ص.213). وصفتْ إميلي وزان بتعبيرات جميلة، في سياقات مختلفة تُظهر الطابع الروحي للمدينة في وسط الطبيعة السَّاحرة: “بيضاء ودافئة“ (ص.244)، “مدينة كبيرة من الخيام“ (ص.252)؛ لكثرة الوافدين لزيارتها من كل بقاع الأرض. لم تنعتها بما شعرت به فقط، بل بما عاينته، بما رأته وسمعته، وبما لم تتمكن من رؤيته، حيث هي بين دروبها، أو حتى وهي بطنجة تخاطب الدبلوماسيين والقناصل. وظل بيتها مفتوحا للناس أجمعين.
أدركت إميلي الإشعاع الرُّوحي للزاوية الوزانية وللمدينة. استوعبت جزءا بسيطاً من توهجها وهي تنتقل مع زوجها الحاج عبد السلام من المغرب لفرنسا، ومنه لإنجلترا ثم إسبانيا. أدركت قيمة المدينة خلال التفاوض لإطلاق سراح رهينة؛ مثل ما كان الحال مع والتر هاريس وهو في سجن الرسيوني، أو مع بيرديكاليس وهو في المعتقل محجوزاً عند هذا الأخير.
استمرت أدوار الزاوية بنفس التوهج وحتى والحاج عبد السلام يتخلى عن قيادتها. انغمست إميلي في دورها كزوجة، مربية نجيبة، فاعلة جمعوية محنكة، ممرضة مِقدامة في زمن الأمراض والأوبئة الفتاكة، مكلفة بمهمات عديدة لدى هيئات لأن طنجة دولية، ووزان نور متنقل بين قارتين وبين عوالم كثيرة. قالت إميلي كل شيء، لكنها لم تفصح عن كل شيء خاصة في لقاءات الشريف بالسلاطين بفاس أو بالفرنسيين بالجزائر، والرؤساء بالعواصم الأوربية. لقد تناولت الجوانب الشخصية بالخصوص؛ مثل اختيارها الزواج كمسيحية من رجل مسلم كلمته مسموعة ومستجابة، وبركته قائمة. توقفت إميلي في وصف زيارات الشريف وهو على المراكب، وهُمْ رُكَّاب على البغال والخيول يُستقبلون استقبال الأبطال حتى من طرف أعيان القبائل المتمردة.
ويتبين من شهادتها مدى تأثير زاوية وزان في النفوس؛ ليس بسبب المصالح، لدورها الرُّوحي كذلك، لأن التأثير آسر للعقول والقلوب، للمسلم والمسيحي…في تجاوب يجعل “قاطع الطريق“ يمتثل، والدبلوماسي يُقدر، وزعماء القبائل المسلحة الأشاوس يحترمون أشراف الزاوية. تعجب الإنجليز من أمر هذه الزاوية التي وجدوا ذكرها ببلاد الهند قائمة، وعند فرنسا هويتها معروفة، وبإسبانيا كلمتها مسموعة، الشريف على ظهر بغلة، المسلم والمسيحية في موكب واحد، وببيت واحد، وزاوية تتسع للجميع.
تنقلنا إميلي بين طنجة ووزان، ومنهما إلى فاس في رحلات رفقة زوجها الشريف الحاج عبد السلام في مهام رسمية، وفي أخرى عائلية لا تخلو من تفاصيل مفيدة. لقد نجحت إميلي كين في وصف المجتمع المحلي الوزاني بكل طقوسه في حالتي الأفراح والأحزان. وانبهرت المرأة الإنجليزية بمكانة الزاوية الوزانية وإشعاعها، ولسمعتها والاحترام الذي يكنه الناس لشيوخها في كل مناطق المغرب وخارجه. نكتشف معها وجود تلك الشبكة من الزوايا المتفرقة والتابعة للزاوية الأم في تشبيك وتنظيم بواسطته استطاعت الزاوية الوزانية أن تحافظ على حضورها، وعلى هيبتها، وعلى دورها في حل المشاكل والمساهمة في المحافظة على الأمن والأمان، وتدليل الصعاب، وتأمين الطريق حتى للمواكب الرسمية في بعض تحركاتها داخل المغرب من زمن ما قبل الاستعمار.
نقدم شهادة لهنري طِراس الذي قدم رؤيته كمؤرخ للأدوار التي كانت تقوم بها الزاوية الوزانية خلال مرحلة ما قبل الاستعمار، كما وردت في مؤلفه (تاريخ المغرب، ص.359) حيث يقول: “كان شرفاء وزان، مقدمي الطريقة الطيبية، يُستعان بهم في كثير من الأحيان في المفاوضات مع القبائل. وكان هذا الدور السلمي الذي لعبه الشرفاء متوافقًا مع التقاليد المتعارف عليها. “ ويضيف في نفس المرجع (ص.372) : “كانت زاوية شرفاء وزان، الطيبة أو التهامية، ذات تجنيد مختلط، لكنها ظلت، على الرغم من امتداداتها في جبال شمال المغرب الوعرة، حليفًا مخلصًا للحكومة [الدولة]. “
المساواة الرُّوحية
نستشف، بعد قراءة مذكرات إميلي كين، بأن الإنجليزية سقطت في عشق روحانيات المغرب بنبضاته الفنية الموسيقية، قبل أن تسقط في حب زوجها الشريف الحاج عبد السلام. تعلقت روحها بأنوار طنجة وحدائقها المعلقة على بحرين، وافتُتِنت بوزان وهي تستريحُ تحت ظلال أشجارها المباركة؛ التِّين والزَّيتون. تحركتْ وما تعبتْ، بل سكرتْ بينهما ب“خمرة الأشواق“ في حالة استغراق وما غرقت في اللوكوس أبدا، وهي تغدو في صولاتها بين الشِّتاء والصَّيف!
وكما هو متداول في الطبقات ف “التَّصوف اضطرابٌ، فإذا وقع السُّكون فلا تصوف“! ربما وجدتْ إميلي في “المساواة الروحية“ بين الذكر والأنثى التي تنجلي أسرارها في التجربة الصُّوفية بشكل واضح، تفسيراً للراحة التي شعرت بها وهي في حضن الزَّاوية الوزَّانية منسجمة مع طريقتها، وهي تدينُ بدين العِشقِ الإلهي؛ الجمالُ والجلالُ والكمالُ اللاَّنهائي. باتت “إميلي تعرف الله سبحانه، والله يعرف إميلي“؛ وهي الشَّابة القادمة من “معمل كبير“ اسمه إنجلترا القرن 19م، بحيث لا يمكن الفصل بين التَّصنيع والتَّعمير والعُزلة التي فرضتها وتيرة الزمن الحديث على الشَّباب إنجلترا، وخاصة النِّساء المُكافحات العاملات منهنَّ.
هل وجدت إميلي بالزاوية تلك المحبة المفقودة، وهي الشابة “المتحررة “ التي كانت مترددة ومتضايقة من الارتباط بالشريف د وزان الحاج عبد السلام في ظل مجتمع تقليدي ذكوري مغلق ؟ الجواب قدمته إميلي بخط يدها، برفضها الرجوع صُحبة والدها لإنجلترا بعدما دبر خطة ووضع سفينة رهن إشارتها، لكنها رفضت بعفوية وبساطة. وعادت لمسقط رأسها في زيارات لصلة الرحم بوالديها، وفي كل مرة كانت تعود ظلت تُحس باختناق نفسيتها، وما استطاعت المكوثَ في جو الضَّباب الكثيفِ والفِتن. لم تسترجع ابتسامتها وهدوءها إلا وهي بالمغرب؛ إدَّاك “ فُنيتْ شُعوراً وشُهوداً. “
وبالرغم من تضمن عقد الزَّواج من بين بنوده توصية بالدفن بإنجلترا، إلا أن إميلي عدَّلت رأيها لتوصي بالدفن بطنجة، وأصرَّتْ، وذلك ما حصل بالفعل سنة 1941م. وهنا يتعين علينا الأخذ في الحسبان مجموعة من المداخل لفهم قناعات إميلي، من بينها مفهوم “المساواة الروحية“ بين الرجل والمرأة، المساواة التي نجدها متداولة داخل منظومة الفكر الصُّوفي…فيسعفنا كواحد من أكثر المفاهيم استيعاباً للمرأة، ومساوياً بينها وبين الرجل في المجال الروحي بالخصوص. فالصُّوفية تؤمن بأن الروح لا جنس لها عكس الجسد. كما يُنظر للمرأة كمظهر للجمال الإلهي ومساوية للرجل في القدرة على الوصول إلى الخالق بواسطة العبادة، والمعرفة، والتَّرقي في مقامات الوجد والجود والكرم، كما نجد ذلك عند ابن عربي وربيعة العدوية، وغيرهما؛ “ إلهي! أتحرق بالنَّار قلباً يحبك؟ “
يمكن القول بأن إميلي، أحست بهذا الارتقاء في سلاليم الجمال الكوني وهي تخطو في هذا “المغرب المجهول“ بالنسبة للغرب، فاكتشفت معاني “التصوف الأخلاقي الذَّوقي“ وهي تُشارك حياة الناس البُسطاء، مُهتمة بالجانب الاجتماعي الصِّحي، كمقامة من مقامات “الإحسان الذي هو لُبُّ الإيمان“، كما يقول الجُنَيْدُ تاجُ العارفين وطاوُوس العُلماء.
ونُتابع مع إميلي مشاهد متفرقة من نبضات المُجتمع الوزَّاني في الأحزان وبمناسبة الأعياد، وهي تسهر بنفسها على تنظيم الأعراس، والولائم، وتزيين الأطباق، ورفع الأذواق، فتنتشر رائحة ماء الورود في كل مكان، من القشريين إلى دار السْقف والمريمري.
إميلي المَيَّالة للعشق
يمكن اعتبار قولة ابن عربي “العقل قيد والذَّوق إطلاق“ من أساسيات الفكر الصُّوفي، مع توضيحات لا بد منها لأن تشابك الديني بالسياسي، كما سنوضح، سرعان ما يطفو على السّطح، أو على الأقل شيء من آثار النزاع حول السلطة لا يمكن القفز عليه لأن الأمر يتعلق بزاوية لها تنظيم وهيكلة! وتُقدم إميلي عبر شهادتها ولو أنها متأخرة (نهاية القرن 19م)، مظاهر من هذا النفوذ الذي جعل الزاوية تستقطب القريب والبعيد داخل المغرب وخارجه.
واستثمرت الزاوية الوزانية في تقوية نفوذها عبر استراتيجية تشبيك فعال وممنهج (réseau) بإنشاء فروع لها، مما يعطيها تواجداً بالمدن والمناطق المهمة بالمغرب. وثانيا جمعت الزاوية الثروة، ثم استمرت في تقديم الخدمات الاجتماعية. والأهم جعلت الناس ينعمون بالأمن في ظل وجود معالم “الضَّمان“ المادية واللاَّمادية. لم تُخف إميلي طموحات الزاوية الوزانية السياسية حيث أشارت لذلك في أكثر من موضع في حديثها عن زوجها الحاج عبد السلام، حيث قالت (ص. 89): “كان الناس ينظرون إليه بأعين ملؤها الدهشة والإعجاب “. ويقول المرحوم المشيشي في هذا الباب في مؤلفه (قليل من كثير عن تاريخ وزان) بأنّ “الزاوية الوزانية ظلت، من سنة 1608 إلى 1880م، مخلصة لسلاطين الأسرة العلوية إلى أن خضع الحاج عبد السلام الوزاني سنة 1883 للحماية الفرنسية فسحب المخزن ثقته من الزاوية دون أن يلحق بها أيّ أذى“.
نحن هنا أمام زاوية وليست طريقة فقط لأنها تتوفر على مؤسسات وتقدم خدمات اجتماعية، ولها إمكانيات مادية ولوجستيكية…ليس زُهداً وعبادة فقط أو ممارسة وتجربة فردية بل الممارسة تنتظم وتنتسب للشيخ وتخضع له، مع أوراد خاصة وأذكار، وأدعية، وسلاسل المشايخ، وإجازات، وما إلى ذلك من عناصر التنظيم. كيفما كانت الأسباب نستشف من خلال مذكرات إميلي أنها راهنت على الاستثمار فيما هو اجتماعي ثقافي. حاربت على جبهات وكان سلاحها في المراحل المتأخرة هو الحب، وانتهى بالعشق، ومنه للوجد. وارتمت في أحضان الشريف، ثم الزاوية الوزانية، وبعدها ارتبطت بخالقها. لا تفصح إميلي عن هذه النقلات بشكل صريح. هذا ما نستنتجه بعد 114 سنة من تدوين هذه المذكرات بين فرضية من يعتبر أنها لم تفصح عن الجوانب السياسية في كل تحركاتها بين طنجة، وزان، وفاس، والجزائر (وهذه الأخيرة مستعمرة فرنسية) من جهة، وتنقلاتها بين المغرب إسبانيا وفرنسا، وإنجلترا؛ إذ كانت تُستقبل مع زوجها استقبالاً رسمياً.
ولا يمكن فهم هذه السيرة الذاتية إلا باستحضار الأطماع الأجنبية عشية مؤتمر الجزيرة الخضراء والإشعاع الذي باتت تتمتع به الزاوية الوزانية. خلفت إميلي وراءها الرأسمالية الصناعية في أوجها بإنجلترا واختارت المغرب لتستفيد وتنهال من رأسمال آخر مختلف لا يموت اسمه “ الرأسمال الرمزي“، واكتسبت لقبا لا هو ارستقراطي، ولا بورجوازي، هو من تصنيف مختلف في سياق آخر….ليقترن ميلادها الجديد ب“الشريفة“ د وزان؛ الشريفة إميلي كين! “الشرف“ الذي يعني اكتساب شرعية دينية وسياسية بزواجها من الشريف الحاج عبد السلام وارتباطها بالزاوية الوزانية، في وقت “ تجدرت حركة ادعاء النسب الشريف في الواقع الاجتماعي“ المغربي، كما يقول الدكتور محمد العمراني (ادعاء النسب الشريف في المغرب خلال القرنين 17 و18م: مساهمة في التاريخ الاجتماعي، ص.16). وكان يتم التَّصدي للدخلاء، بحسب نفس الكاتب، بتشجيع الزواج داخل نفس العائلة “خيرنا ما نعطوهش لغيرنا. “
خاتمة
حاولت “الشريفة” إميلي كين أن تستوعب روحانيات المغرب، اجتهدت لكن تعدر عليها الإدراك الكلي، وهي الإنجليزية وليدة التيار التجريبي من زمن دافيد هيوم ورفاقه، ومتأثرة بفكر التطور الذي ساد ببلادها إبان مرحلة ميلادها ونشأتها، والمتجلي في الليبرالية، الماركسية، وعلم النفس….لقد صادفت، كما تحكي، ما قلل من روعها في مشاهد وهي بين الحلم واليقظة، رؤياها وهي تمسك بنجمة قطبية وجسدها مرتعش في حضرة أشباح من كواكب بعيدة. تحكي لنا ما رأت في موضعين مختلفين، خلاصتهما “الأمانة الثقيلة“ التي يحملها أولياء المغرب (ص.242). وزان بالنسبة لإميلي كين هي حاضرة روحانية وكفى.
The post وزان في عُيون إميلي كين appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
طفرة جينية هي المسؤولة عن الإصابة ببعض الأمراض العقلية
هوية بريس – وكالات اكتشف فريق من الباحثين في ألمانيا أن طفرة جينية معينة هي المسؤولة عن ال…






