Home اخبار عاجلة ياسين عدنان يكتب. «ميموزا» للأديب صلاح الوديع.. قصة ناج من القرن العشرين
اخبار عاجلة - 4 hours ago

ياسين عدنان يكتب. «ميموزا» للأديب صلاح الوديع.. قصة ناج من القرن العشرين

ياسين عدنان يكتب. «ميموزا» للأديب صلاح الوديع.. قصة ناج من القرن العشرين

هناك كتبٌ تُقرأ دفعةً واحدة، تستغرقك فلا تستطيع منها فكاكًا، وميموزا للأديب صلاح الوديع أحدُ هذه الكتب. 

كنتُ قد اقتنيتُ هذه السيرة أسابيعَ قليلة قبيل رمضان وادّخرتُها للشهر الفضيل، فكانت من خيرِ ما يُدَّخر. 

وها قد استمتعتُ أيَّما استمتاع بالكتاب الذي يتجاوز عدد صفحاته الخمسَمئة، وأتممتُه خلال يومين فقط؛ لم أكن أتركه خلالهما إلا لمائدة طعامٍ أو سرير نوم.

و”ميموزا: سيرةُ ناجٍ من القرن العشرين” عملٌ مشوّق يمزج بين الشهادة الأدبية والذاكرة السياسية، يستعيد مسارات حياةٍ غنية تشابكت فيها التجربة الشخصية بتاريخ بلدٍ كامل. 

على امتداد أكثر من خمسمئة صفحة، يتيح صلاح الوديع لقارئه سفرًا ممتعًا في الزمن. وكأنّك، أيّها القارئ، تستعيد تاريخك الراهن؛ تاريخًا مرَّ من أمامك وربما شاركتَ فيه، أو في جزءٍ منه على الأقل.

لم تكن “ميموزا” بالنسبة لي مجرد قراءةٍ رمضانية عابرة، الغايةُ منها الترويحُ عن النفس، بل رحلةً في زمنٍ مشترك مضى دون أن ينصرم أو يتبدَّد، في تاريخٍ رأيتُه يمرّ أمام عينيَّ وأنا لا أدرك كم كان قريبًا مني، وأحيانًا كنتُ في القلبِ منه دون أن أفطن لذلك.

أمّا صلاح الوديع، فهو بالنسبة إليّ ليس صديقًا عزيزًا فحسب، ولا شاعرًا أحببتُ شعره فقط، ولا معتقلًا سياسيًّا من سنوات الرصاص تعاطفتُ مع قضيته، ولا عضوًا في هيئة الإنصاف والمصالحة تابعتُ عمله عن قرب؛ بل هو شاهدٌ على الزمن المغربي في لحظات تحوُّلٍ أساسية فتحتنا كمغاربة على آمال واسعة، بعضُها ضاق اليوم حتى تحوَّل إلى غصّةٍ في الحلق ووجعٍ في القلب.

يقدّم صلاح الوديع كتابه منذ البداية باعتباره شهادةً لا تدّعي كتابة التاريخ. يقول: “ليس هيّنًا أن تكتب عن حياتك، إذ أنت في كل لحظة عرضةٌ للخطأ أو للمبالغة أو للكتمان أو للنسيان أو للتغاضي… ثم إنني لستُ أدَّعي كتابة التاريخ.”

لكن حتى وهو لا يتقصَّد كتابة التاريخ، كان يكتب الذاكرة. 

وهذه مهمةٌ أبدعُ وأرفع؛ لأنّ كتابة الذاكرة لا تقتصر على استعادة الماضي، بل تتجاوز ذلك لتصبح عمليةً حية تضع الذات في قلب الكتابة. 

إنها شهادةٌ تنبض بالحياة، تتطلّع إلى المستقبل ولا تقتصر على سرد أحداث مضت. فحين يكتب المرء ذاكرته، يُدوّن بُعدًا شخصيًّا يربط بين ماضيه وحاضره ومستقبله، حيث تتشابك تجربته الذاتية مع السياق العام، مما يجعل الذاكرة أكثر صدقًا ودفئًا وأصالةً من التاريخ، الذي قد يتنقّل بين الزمان والمكان، في حياد بارد، دون أن يعكس تطلعات الإنسان.

وأنا أقرأ “ميموزا”، كنتُ أتابع فصول السيرة بشغف القارئ الذي يعثر بين الحين والآخر على ظلالٍ من ذاكرته الخاصة. 

فقد تابعتُ عن قرب، ولو من الخارج، دينامية منتدى الحقيقة والإنصاف، وشاركتُ في القافلة الشهيرة ذات الرمزية العالية التي نظَّمها المنتدى ومعه الحركة الحقوقية الوطنية إلى تازمامارت، وكنتُ حينها كاتبًا عامًّا لفرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بورززات.

IMG 2381

لكنني، صراحةً، لم أتخيَّل أنّ لي دورًا خفيًّا في تلك الرحلة التاريخية، إلى أن بلغتُ الصفحة322.

في تلك الصفحة، يروي صلاح الوديع قصة لقائه الأول مع “وحش تازمامارت”، متسائلًا: “كيف قابلتُ الوحشَ أوَّل مرة؟ وكيف ذهبتُ إليه على غير ميعاد؟”.

ثم يجيب على سؤاله قائلًا: 

“لن يصدِّق أحد أن أمسيةً شعرية هي ما قادني إليه. 

أذكر يوم حضرتُ إلى قلعة مكونة جنوب المغرب، ضيفًا على عشاق الشعر؛ جئتُ أقرأ أشعاري فإذا بي أبيتُ بها وأصبحتُ في تازمامارت… هو موعدٌ كان مكتوبًا في اللوح، ليُدخلني إلى قرية تازمامارت من بوابة الشعر، على يد صديقي الشاعر ياسين عدنان، وهو لا يعلم…”

توقفتُ عند هذه الجملة. قرأتُها وأعدتُ قراءتها… مرّتين، ثلاثًا:

“وهو لا يعلم”.

لم أكن أعلم، عزيزي صلاح، إذ لم تُخبرني قطّ.

حتى حين رافقتُكم بعدها بأشهر قليلة إلى تازمامارت، لم تُسِرَّ لي بهذا الأمر. 

لم أعلم به إلا وأنا أقرأ “ميموزا”. 

كنت مستغرقًا في القراءة مستمتعًا بها، حتى صادفتُ تلك الإشارة المفاجئة التي فجّرت دهشتي. 

كان إحساسًا غريبًا، مزيجًا من الدهشة والحنين؛ كأن الكتاب فتح أمامي نافذةً على حياة عشتها دون أن أراها، بل لم أرها إلا من خلال كلماتك. 

في تلك اللحظة شعرت أن الذاكرة ليست مجرد سرد، بل حياةً تنبض بين السطور.

عندها عُدت بذاكرتي أنا الآخر إلى الوراء، إلى تلك الأمسية الشعرية في دار الشباب بقلعة مكونة، في أواسطِ مايو من عام 2000، أي قبل أكثر من ربع قرن. 

بدا المشهد في ذاكرتي حيًّا كما لو حدث بالأمس: الوجوه المتعطّشة، شذى الورود الذي فاح من وادي مَكون، رائحة الليل التي تحمل في طياتها خليطًا من الطمأنينة والتوتر، القاعة المكتظة بالشّيب والشباب، والجمهور المتلهّف الذي لم يكن مجرد متفرّج.

وفي تلك اللحظة، كان الشعر يفتح – في غفلة منّا – أبوابًا خفيّة إلى مكانٍ آخر: إلى تازمامارت، إلى الجرح الكبير، إلى الألم الذي يختزن التاريخ بصمت.

لم أكن أعلم أن تلك الأمسية، التي بدت آنذاك مجرد احتفاء بالشعر، كانت في الواقع بداية خيط خفيّ قاد لاحقًا إلى القافلة الحقوقية التي خطّطْتَ لها مع الرّاحل إدريس بنزكري ورفاقكما، والتي أشرفتَ، أخي صلاح، على تنظيمها.

بعد أربعة أشهر فقط من أمسيتنا الشعرية في قلعة مكونة، وجدنا أنفسنا منخرطين في تلك المسيرة التي قادتنا للاعتصام أمام معتقل تازمامارت السّري الرهيب في أكتوبر 2000. تازمامارت: الغول الذي أكل العشرات، كما وصفتَه في كتابك، ينتصبُ هناك في الأفق كظلّ ثقيل، يربط بين اللحظة الشعرية البريئة وصرخة الحقوق التي لم تنطفئ.

في تلك اللحظة شعرتُ أنّ الشعر نفسه لم يكن مجرّد كلمات، بل شرارة بدأت، خيطًا ربط بين الوجدان والذاكرة والفعل، بين الطمأنينة التي حملتها الأمسية وبين الجرح الكبير الذي تنتظره الحقيقة لتكشفه.

كنتَ تحمل ذلك الخيطَ الخفيَّ بين أمسية الربيع الشعرية وقافلة الخريف الحقوقية، وكنتُ أنا غافلًا، أمشي في أحد أزقة التاريخ الضيقة دون أن أتبيَّن كامل خريطته.

وهذا ما تفعله الكتب المفعمة بالبوح الشفيف: إنها تعيد رسم الخريطة وتُسلِّمك مفتاحها، لتتجلّى أمامك التضاريس وتنكشف لك الرموز.

فكتابٌ كـ”ميموزا” لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد رسم علاقتنا بها، ويكشف أنّ تفاصيل صغيرة عابرة، قد تحمل في طيّاتها قصّة أكبر، قصّة تتجاوز اللحظة لتصبح جزءًا من حكاية الإنسان.

ولعل هذا هو جوهر كتابك: التأكيد على أن الذاكرة ليست مجرد ماضٍ نروي تفاصيله، بل شبكة من المصائر والصُّدَف والمعاني التي تتكشّف مع الزمن. 

إنها سيرة فرد، نعم، لكنها في الوقت نفسه مرآة لجيل كامل عاش تحوّلات كبرى، بين القمع والأمل، بين الألم والرغبة في بناء مستقبل أكثر عدلاً.

أمّا احتداماتُ لحظتنا الراهنة، فهي تطرح سؤالها بقوة: هل أصبح البلد اليوم أقلّ استعدادًا لاستيعاب ذلك العنفوان القديم؟ أم أنّ تلك الروح الحيَّة ما زالت كامنة في الذاكرة والوجدان، تقاوم في صمتٍ صَبُورٍ الرّكودَ السياسي والحقوقي، بانتظار جذوة أملٍ قد تتيح لها أن تتوهّج من جديد؟.

*ياسين عدنان- كاتب مغربي 

The post ياسين عدنان يكتب. «ميموزا» للأديب صلاح الوديع.. قصة ناج من القرن العشرين appeared first on Le12.ma.

adminمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

2 × 5 =

Check Also

البرتغال تقر إجراءات لتسهيل ترحيل المهاجرين في وضعية غير قانونية

صادقت الحكومة البرتغالية اليمينية على مشروع إصلاح تشريعي يهدف إلى تسهيل وتسريع ترحيل المها…