تصاعد أسعار المحروقات يضع الدعم الاستثنائي للنقل تحت مجهر الجدل السياسي
عاد ملف أسعار المحروقات بالمغرب إلى صدارة النقاش العمومي على إيقاع زيادات جديدة وُصفت بالملموسة، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حكامة هذا القطاع الحيوي وحدود تدخل الدولة في سوق محرر، في ظل ما تخلفه هذه الارتفاعات من انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة النقل والإنتاج.
فخلال الأيام الأخيرة، سجلت محطات الوقود زيادات قاربت درهمين للتر بالنسبة إلى الغازوال، وأزيد من درهم واحد للبنزين، وهو ما سرّع من وتيرة القلق داخل الأوساط الاجتماعية والمهنية، بالنظر إلى الأثر المتسلسل لهذه الزيادات على أسعار السلع والخدمات.
ورغم ارتباط جزء من هذه التطورات بسياق دولي متقلب، تطبعه توترات جيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة، فإن حدة النقاش الداخلي تعكس اتساع دائرة التشكيك في قدرة السياسات العمومية على التفاعل النجع مع هذه التحولات، خصوصاً في ظل استمرار نفس الآليات المعتمدة منذ سنوات.
وفي هذا الإطار، عادت الحكومة إلى تفعيل دعم استثنائي لفائدة مهنيي النقل الطرقي، باعتباره أداة للتخفيف من وقع ارتفاع أسعار الوقود، غير أن هذا الخيار لم يفلح في امتصاص موجة الانتقادات المتصاعدة.
وفي هذا السياق، عبرت عدة أطراف سياسية ونقابية عن تشكيكها في أثر هذا الدعم على أرض الواقع، معتبرة أن الإشكال لا يكمن فقط في استمراره، بل في غياب تقييم دقيق لمدى انعكاسه على أسعار النقل وعلى كلفة المعيشة.
وترى المعارضة البرلمانية أن تكرار نفس الآلية دون مراجعة شاملة قد يحولها إلى عبء مالي إضافي دون تحقيق الأهداف المرجوة، خاصة إذا لم تقترن بإجراءات موازية لضبط السوق ومراقبة هوامش الربح.
واعتبرت أطرف عديدة من المعارضة على أن النقاش يجب أن ينتقل من منطق التبرير إلى منطق المحاسبة والتقييم، مبرزاً أن الدعم الذي تم صرفه عبر دفعات متتالية منذ جائحة كوفيد-19، كلف مالية عمومية مهمة، دون أن يثبت بشكل ملموس أنه ساهم في استقرار الأسعار أو حماية المستهلك النهائي.
كما أثارت فاطمة الزهراء التامني، النائبة عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عبر حسابها على الفيسبوك، تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من الدعم الموجه لقطاع النقل، معتبرة أن غياب ربط هذا الدعم بشروط واضحة يحد من فعاليته، ويطرح إشكالية الحكامة في تدبير المال العام.
من جهتها، عبرت قوى سياسية ونقابية أخرى عن مواقف متقاربة، حيث انتقدت ما وصفته باستمرار الاعتماد على مقاربات جزئية لا تعالج جذور الإشكال، مطالبة بإجراءات أكثر شمولاً تضمن توازناً بين تحرير السوق وحماية المستهلك.
كما حذرت من أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات، دون تدخلات فعالة، من شأنه أن يفاقم من حدة التوتر الاجتماعي، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على القدرة الشرائية للأسر.
وفي خطوة سياسية ملموسة، وجه النائب البرلماني رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، طلباً رسمياً إلى رئيس لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة، لدعوة اللجنة لعقد اجتماع عاجل بحضور وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، لمناقشة “حيثيات وتداعيات الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات”.
وأكد حموني في طلبه أن هذا الاجتماع ضرورة ملحة لمراجعة سياسات الحكومة المعتمدة، خصوصاً في ظل ما لحق القدرة الشرائية للأسر من ضربات موجعة، لا سيما الفئات المستضعفة والطبقة الوسطى، نتيجة الارتفاعات الجديدة، التي تُضاف إلى سلسلة موجات الغلاء المتلاحقة.
وشدد حموني على أن الموجة الجديدة من الزيادات لا يمكن تفسيرها فقط بالاضطرابات الدولية أو النزاعات المسلحة الجارية في مناطق الإنتاج الرئيسية، بل إنها تعكس أيضاً اختلالات في تدبير السوق الوطنية، بما فيها تدخلات محدودة أو غير فعالة، وغياب سياسات واضحة لتسقيف الأسعار أو مراقبة هوامش الربح، ما أتاح للوسطاء والموزعين الكبار التلاعب بالأسواق على حساب المستهلكين.
وأشار إلى أن الأسعار في السوق الوطنية ترتفع فور أي ارتفاع عالمي، بينما لا تنخفض بنفس السرعة عند تحسن الظروف الدولية، وهو ما يتطلب تفسيراً دقيقاً وواضحاً من الحكومة لتجنب تعميق شبهات الاحتكار والاستفادة غير العادلة.
وأوضح النائب النائب البرلماني أن الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة، من بينها التسقيف المرحلي لأسعار الغازوال والبنزين، وضبط السوق الوطنية وتنقيتها من التفاهمات غير المشروعة، وضمان التخزين الكافي للمحروقات، مع إيجاد حلول عملية لإعادة تشغيل مصفاة لاسامير، وتشديد المراقبة على سلاسل التسويق، والزجر الصارم ضد ممارسات الفساد والمضاربة، بالإضافة إلى استخدام الآليات الجمركية والجبائية لخفض الأسعار بشكل عام.
وأضاف أن هذه الإجراءات ضرورية لاستعادة استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان عدالة توزيع الدعم المقدم لمهنيي النقل.
وجاء طلب عقد الاجتماع في إطار مسؤولية النواب في متابعة الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وحرصهم على ضمان توازن المصالح بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار السوق الوطنية، وهو ما يعكس إدراكهم لحساسية هذا الملف وتأثيره المباشر على الاقتصاد وعلى الحياة اليومية للأسر المغربية.
كما سجلت المنظمة الديمقراطية للشغل بدورها تصاعدا مقلقا في كلفة المعيشة، معتبرة أن الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات لا تمثل سوى حلقة ضمن سلسلة من الارتفاعات التي مست مختلف المواد الأساسية والخدمات، وهو ما يضع فئات واسعة من المجتمع أمام أوضاع معيشية صعبة.
ودعت إلى تدخل عاجل لضبط السوق، واتخاذ إجراءات تحمي القدرة الشرائية وتضمن قدراً من العدالة الاجتماعية.
في ظل هذه المعطيات، يتضح أن ملف المحروقات لم يعد مجرد قضية مرتبطة بتقلبات السوق الدولية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لنجاعة السياسات العمومية في تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وحماية الفئات الاجتماعية.
وبين دعوات إلى تشديد الرقابة وتفعيل آليات الضبط، وأخرى تنادي بإعادة النظر في نموذج التحرير المعتمد، يبقى التحدي المطروح هو بلورة مقاربة شاملة قادرة على الاستجابة لمتطلبات الظرفية الراهنة، دون الإخلال بالتوازنات الاقتصادية الكبرى.
أ. أسفي| الوداد. قطار المشجعين» ينطلق من مراكش إلى الوازيس
أعلن المكتب المديري لأولمبيك آسفي عن تخصيص قطار خاص لنقل جماهير النادي إلى مدينة الدار الب…











