صدمة الحرب تطال الاقتصاد العالمي

لم ينتظر الاقتصاد العالمي طويلاً ليتفاعل مع التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، فخلال أسابيع قليلة فقط بدأت المؤشرات الأولية تعكس تحوّلاً واضحاً في المزاج الاقتصادي العام، تراجع في النشاط، وارتفاع في الأسعار، وتبدّل في حسابات البنوك المركزية، ما يوحي بأن العالم دخل مرحلة جديدة من عدم اليقين، تختلف عن تلك التي سادت بعد انحسار موجة التضخم السابقة. وأفاد تقرير لوكالة “بلومبرغ” أن الاختبار الأول لهذا التحول يأتي عبر بيانات مؤشرات مديري المشتريات لشهر مارس الجاري، وهي مؤشرات تُراقَب بدقة لأنها تقدم قراءة مبكرة لاتجاهات الاقتصاد الحقيقي، وتشمل قطاعات الصناعة والخدمات، وتشير التوقعات إلى تراجع متزامن في معظم الاقتصادات الكبرى، من الولايات المتحدة إلى منطقة اليورو، مروراً بالاقتصادات الآسيوية، وهو تراجع لا يمكن فصله عن الصدمة الجيوسياسية الأخيرة، خاصة أنه يأتي بعد فترة قصيرة من اندلاع المواجهة العسكرية. في خلفية هذه الأرقام، تقف سوق الطاقة بوصفها العامل الأكثر تأثيراً، فقد أدت الضربات المتبادلة وتعطّل بعض مسارات الشحن إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ليس فقط بسبب تراجع الإمدادات الفعلية، بل أيضاً نتيجة المخاوف من اتساع نطاق الاضطراب، وهو ما دفع الأسواق إلى تسعير المخاطر بسرعة، فارتفعت الأسعار بوتيرة حادة، وانعكس ذلك مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، ثم بدأ يتسلل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، بما يعيد فتح ملف التضخم الذي كان في طريقه إلى التراجع. هذا الارتفاع في أسعار الطاقة لا يُقاس فقط بأرقامه، بل بتأثيره المتشعب داخل الاقتصاد، إذ إن كل زيادة في تكلفة الوقود تعني ارتفاعاً في أسعار الشحن، ثم في أسعار الغذاء والصناعة، ثم في تكاليف المعيشة اليومية، وهو ما يضغط على المستهلكين ويقلّص قدرتهم الشرائية، وفي الوقت نفسه يرفع كلفة التشغيل على الشركات، ما يدفع بعضها إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل الاستثمار، وهنا تتشكل حلقة تباطؤ تدريجي تبدأ من الطاقة وتمتد إلى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. ردود الفعل النقدية لم تتأخر، لكنها جاءت حذرة، في بريطانيا جرى التراجع عن مسار خفض الفائدة الذي كان مطروحاً قبل أسابيع، مع تزايد القلق من عودة التضخم، وفي منطقة اليورو أظهرت تصريحات مسؤولي البنك المركزي ميلاً واضحاً نحو التشدد، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام رفع إضافي للفائدة إذا استمرت الضغوط، أما في أستراليا فقد اتخذ القرار بالفعل برفع الفائدة، في خطوة تعكس أولوية السيطرة على الأسعار، حتى لو جاء ذلك على حساب النشاط الاقتصادي. في الولايات المتحدة، لم يتغير القرار الرسمي بعد، إذ أبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تعديل، غير أن إشاراته كانت كافية لتغيير توقعات الأسواق، إذ تراجعت رهانات المستثمرين على خفض قريب للفائدة خلال العام، بعدما أصبح واضحاً أن التضخم قد يظل مرتفعاً لفترة أطول مما كان متوقعاً، وهو ما يعكس تحولاً في قراءة المخاطر، من التركيز على دعم النمو إلى إعطاء أولوية أكبر لكبح الأسعار. داخل أوروبا، تبدو الهشاشة أكثر وضوحاً، فاقتصاد ألمانيا، الذي يعتمد بشكل كبير على الصناعة والطاقة، يواجه ضغوطاً مزدوجة، ارتفاع التكاليف من جهة، وتراجع الطلب من جهة أخرى، وتشير التوقعات إلى انخفاض مؤشر “إيفو” لثقة الأعمال إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من عام، وهو مؤشر يعكس تقييم الشركات لآفاقها المستقبلية، وعندما يتراجع بهذا الشكل فإن ذلك ينعكس مباشرة على قرارات الاستثمار والتوظيف. فرنسا وإيطاليا تتابعان المؤشرات نفسها، مع ترقب بيانات قد تؤكد الاتجاه التنازلي في النشاط، وإذا ما تكرّس هذا المسار فإن منطقة اليورو قد تدخل مرحلة تباطؤ متزامن، وهو ما يعقّد مهمة البنك المركزي الأوروبي، الذي يجد نفسه أمام ضغط مزدوج، تضخم يتجه إلى الارتفاع ونمو يفقد زخمه تدريجياً. في آسيا، تتخذ التأثيرات أشكالاً متعددة، ففي اليابان يُتوقع أن يظهر التضخم تراجعاً مؤقتاً بفعل دعم أسعار الطاقة، غير أن هذا التراجع قد يكون محدود الأثر زمنياً في ظل الارتفاع الأخير في النفط، وفي أستراليا يستمر التضخم عند مستويات مرتفعة، ما يعزز توجه البنك المركزي نحو التشديد النقدي، وهو ما ينعكس على كلفة الاقتراض والاستثمار داخل الاقتصاد. أما الصين، فتواجه وضعاً مختلفاً نسبياً، إذ يتقاطع تأثير أسعار الطاقة مع ضعف الطلب العالمي، ما يضغط على صادراتها الصناعية، وتشير بيانات الأرباح الصناعية إلى نمو محدود خلال الأشهر الأولى من السنة، وهو ما يعكس تباطؤاً في وتيرة النشاط، ويضع السلطات أمام مفاضلة دقيقة بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار المالي. في أمريكا الشمالية، تظل ثقة المستهلك عاملاً حاسماً في تحديد الاتجاه العام، فارتفاع أسعار الوقود ينعكس سريعاً على إنفاق الأسر، وإذا ما تراجعت هذه الثقة فإن ذلك قد يؤثر على النمو بشكل مباشر، لأن الاستهلاك يمثل المحرك الأساسي للاقتصاد الأمريكي، كما أن تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تظل تحت مجهر الأسواق، بحثاً عن أي مؤشرات إضافية حول المسار المقبل للسياسة النقدية. أمريكا اللاتينية بدورها تتأثر بهذه التحولات، خاصة في الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما يدفع البنوك المركزية إلى التريث في خفض الفائدة، رغم الحاجة إلى تحفيز النشاط الاقتصادي، وهو ما يخلق توازناً دقيقاً بين متطلبات الاستقرار النقدي ودعم النمو. هذه الصورة المتشابكة، وفق تقديرات خبراء اقتصاديين، تكشف عن مرحلة انتقالية في الاقتصاد العالمي، حيث يتقاطع مساران متعاكسان، تضخم مرشح للارتفاع مجدداً، ونشاط اقتصادي يتجه إلى التباطؤ، وهو وضع يضع صانعي السياسات أمام خيارات ضيقة، إذ إن أي تشديد نقدي قد يخفف الضغوط السعرية لكنه يضغط على النمو، في حين أن التيسير قد يدعم النشاط مؤقتاً لكنه يحمل مخاطر إعادة تغذية التضخم. في هذا السياق، يبرز عامل الزمن بوصفه محدداً أساسياً لمسار المرحلة المقبلة، إذ إن استمرار التوترات الجيوسياسية لفترة أطول يعني ترسيخ هذه الضغوط وتحولها إلى واقع اقتصادي ممتد، وهو ما قد يعيد تشكيل توقعات النمو العالمي لعام 2026، ويجعل الاقتصاد الدولي أكثر عرضة للتقلبات المرتبطة بالأزمات السياسية. كما تتابع الأسواق المالية هذه التطورات بدقة، فالتقلبات في أسعار الطاقة والعملات والأسهم تعكس حالة عدم اليقين السائدة، وتدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم، مع ميل متزايد نحو الأصول الآمنة، وهو ما قد يؤثر على تدفقات رؤوس الأموال، خاصة في اتجاه الأسواق الناشئة. ويرى خبراء أن الحرب لم تعد حدثاً محصوراً في بعدها العسكري، إذ تحولت إلى عامل ضغط اقتصادي واسع النطاق، يمتد تأثيره من أسعار الطاقة إلى قرارات البنوك المركزية، ومن ثقة المستهلك إلى خطط الشركات، وفي ظل هذا الترابط الوثيق، تنتقل الصدمة بسرعة عبر قنوات متعددة، ما يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي في فترة زمنية قصيرة. The post صدمة الحرب تطال الاقتصاد العالمي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
ناشيد يشخص أعطاب اليسار المغربي بين اللايقين النظري والتشتت التنظيمي
يقدِّم الباحث المغربي سعيد ناشيد قراءة نقدية في وضع اليسار بالمغرب، متوقفًا عند تحولات عمي…











