حين يمول المغاربة إعلاما لا يمثلهم!
حين يمول المغاربة إعلاما لا يمثلهم!
هوية بريس – نبيل غزال
لا يزال الإعلام العمومي وقطاع السينما بالمغرب يثيران ردود فعل غاضبة بسبب رسائل ومضامين يعتبرها المشاهد المغربي مضللة من جهة، ومخلة وغير معبِّرة عن الواقع وتحديات المجتمع من جهة أخرى.
الإعلام الذي نتحدث عنه في هذا العمود هو الممول من ميزانية الدولة، والذي يؤدي رسومه دافعو الضرائب (عـُنوَة). فهذا الإعلام والشركة الوطنية التي تديره، يُفترض فيهما، من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أن يُسائلا عن مدى احترامهما لدفاتر التحملات، ومواءمة خطهما التحريري للمقتضيات الدستورية والقيم المجتمعية. لكن للأسف، لا شيء من هذا يقع؛ فتمر الأيام والسنون، ويعبر الشارع المغربي بكل الأساليب الحضارية عن عدم رضاه عن محتواه ومضامينه، وتبقى قنوات شركة دار البريهي على حالها، لا تعير لصوت منتقديها أي اعتبار.
إن الجدل المتكرر حول بعض البرامج والأفلام والمسلسلات والأعمال الدرامية يطرح دوما سؤالا حول الجدوى من وراء إغفال ملفات وقضايا كبرى، مقابل التركيز على بعض الحالات الشاذة والهامشية وصياغتها في قالب الظاهرة. ألا يعد هذا تضليلا للرأي العام، وتبذيرا لميزانية قطاع الإعلام، وتطبيعا مع عدد من الانحرافات الفكرية والسلوكية خدمة لأجندات غربية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية والإقليمية؟
ثم أليس غريبا أن نجد وراء كل عمل فني مثير على قنوات قطبنا الإعلامي العمومي اسم شركة “عليان” للمخرج والمنتج نبيل عيوش؟ هذه الشركة التي ظلت لأكثر من 20 سنة تلتهم ميزانيات ضخمة، وذلك منذ أن أُسندت إليها صفقة دبلجة المسلسلات المكسيكية والتركية إلى الدارجة المغربية بثلاثة مليارات سنتيم في سنة واحدة.
والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: هل تُوزع الإنتاجات التلفزية وفق معايير تنافسية واضحة وشفافة تكفل تكافؤ الفرص بين مختلف الشركات، أم أن المشهد تحكمه دوائر حظوة وامتياز تُمنح فيها الأفضلية لشركات بعينها خارج منطق الاستحقاق والمساءلة؟
وهل تخضع مضامين هذه الأعمال، قبل بثها، لنقد يستحضر أثرها القيمي والثقافي والتربوي، أم أن الشاشة العمومية باتت مسخرة لتمرير أجندات عابرة للحدود تُغلَّف ببريق الحداثة، وتُمرر عبر القوة الناعمة، بينما تنطوي في عمقها على سم زعاف وتصورات وقيم متصادمة مع المرجعية الدينية والثقافية للمجتمع؟
هذه الأسئلة ونظيراتها لا تُطرح من باب المجازفة والتشكيك، بل من باب المواكبة والمتابعة لمنتجاتنا التلفزية. وفي هذا الصدد يستحضر المنتقدون لمضامين الإعلام العمومي عددا من الوقائع التي اعتُبرت صادمة للرأي العام، من ضمنها مثلا:
– أن أكثر من ثلث برامج القناة الثانية التي تُعرض على المواطنين وتقتحم عليهم بيوتهم وخلواتهم مسلسلات مدبلجة تطبع مع العري والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والكلام النابي بالدارجة المغربية.
– مشاهد القبل واللقطات الحميمية على الفراش، وشرب الخمور، وتعليق الصليب، والاستنجاد بالرب (عيسى).
– التطبيع مع التخلف العقدي والظلامية الفكرية والرجعية الدينية، المتمثلة في تشجيع عبادة القبور، والحرب على كل مظاهر التنوير المستمدة من التراث الإسلامي.
– استهداف الحجاب ووصفه باللباس الدخيل وربطه في مناسبات كثيرة بالتطرف والإرهاب، وهو زي منصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
– استضافة القناة الأمازيغية وM2 والأولى وغيرهم لعدد من الوجوه المتطرفة التي تعمل صباح مساء على تدنيس المقدس، وزعزعة عقائد المغاربة، وبث الفرقة بينهم عبر نعرات لائكية إلحادية وطائفية عرقية.
– نشر التفاهة والتفسخ والانحلال والمجون بين فئة الشباب بدعوى اكتشاف المواهب والحرية الفردية والإبداع الفني.
قديما قال وزير الدعاية في ألمانيا النازية جوزيف غوبلز: “أعطني إعلاما بلا ضمير، أُعطك شعبا بلا وعي”.
وإذا كان الإعلام الممول من جيوب المغاربة بلا ضمير جمعي، وينخرط على مدار السنة في تسويق التفاهة وتلميع التافهين، والتطبيع مع مفاهيم وقيم تلغي المقدس وتتجاوز الضوابط الأخلاقية والقيمية، فإن عقول المتلقين، ولا سيما الفئات الأكثر قابلية للتأثر بخطابه، تصبح عرضة لخطر حقيقي.
إن الإعلام ليس مجرد وسيلة للترفيه أو التثقيف أو نقل الأخبار، بل أداة لصياغة العقول وتوجيه الرأي العام. وفي ظل الانفتاح الرقمي والإعلامي، فكل دولة تطمح إلى حماية حدودها الفكرية والعقدية والأخلاقية والسلوكية ترسم لنفسها سياسة إعلامية واضحة منسجمة ثوابتها الدستورية وخياراتها الحضارية.
ولأجل ذلك كان المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة، رحمه الله، ينبه إلى خطورة هذا المجال، مؤكدا أن “الحرب الإعلامية قد تكون أخطر من الحرب العسكرية، لأنها تستهدف العقول قبل الأجساد”، في إشارة بليغة إلى أن معركة الوعي تسبق كل معركة أخرى وتحسم كثيرا من نتائجها.
The post حين يمول المغاربة إعلاما لا يمثلهم! appeared first on هوية بريس.
العلم يكشف اللغز.. لماذا تغيب الثدييات الزرقاء عن الطبيعة؟
<p>تثير ألوان الحيوانات في الطبيعة فضول العلماء والمهتمين بعالم الكائنات الحية، خصوص…





