المعارضة تحذر من بيع الوهم للمغاربة.. ومزور يدافع عن جاذبية الاستثمار الصناعي
شهد مجلس المستشارين، خلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، نقاشا سياسيا واقتصاديا محتدما حول واقع السياسة الصناعية بالمغرب، في سياق تزايد التساؤلات بشأن حصيلة البرامج الحكومية ومدى قدرتها على إحداث تحول حقيقي في بنية الاقتصاد الوطني.
وقد تميزت هذه الجلسة بتبادل حاد للآراء بين عدد من المستشارين ووزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، بين من انتقد ما اعتبره اختلالات بنيوية مستمرة، ومن دافع عن منجزات القطاع مؤكدا تسجيل تقدم ملموس خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، ركزت مداخلات عدد من المستشارين على ما وصفوه بغياب العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات الصناعية، حيث لا يزال التمركز الجغرافي للوحدات الإنتاجية الكبرى محصورا بشكل أساسي في محور الدار البيضاء–طنجة، وهو ما يؤدي، بحسب المتدخلين، إلى تعميق الفوارق بين الجهات وحرمان مناطق واسعة من الاستفادة من الدينامية الصناعية. واعتبر هؤلاء أن استمرار هذا الوضع يعكس محدودية السياسات العمومية في تحقيق توازن مجالي فعلي، رغم الشعارات المرفوعة حول التنمية المتوازنة.
كما أثار المستشارون إشكالية ضعف الإدماج المحلي داخل سلاسل الإنتاج، مشيرين إلى أن جزءا كبيرا من الأنشطة الصناعية لا يزال يعتمد بشكل ملحوظ على مدخلات مستوردة، ما يقلص من القيمة المضافة الوطنية ويجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات الخارجية. وذهب بعضهم إلى اعتبار أن هذا النموذج الإنتاجي لا يرقى إلى مستوى تحقيق “السيادة الصناعية”، في ظل استمرار التبعية للخارج سواء على مستوى التمويل أو التكنولوجيا أو المواد الأولية.
وفي السياق ذاته، وجه المستشار البرلماني إسماعيل العلوي، عن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية، انتقادات لاذعة للخطاب الحكومي، معتبرا أن ما يتم الترويج له تحت مسمى “السيادة الصناعية” يظل، في نظره، أقرب إلى خطاب تواصلي منه إلى مشروع اقتصادي قائم على أسس صلبة.
وأكد أن الواقع الصناعي يكشف عن اندماج محدود في سلاسل القيمة العالمية، حيث يظل دور المغرب، بحسب تعبيره، مقتصرا على التنفيذ دون التحكم في حلقات الإنتاج الأساسية، متسائلا عن مدى انسجام ذلك مع الطموح المعلن لتحقيق استقلال صناعي حقيقي.
وأضاف العلوي أن الحديث المتكرر عن صناعات المستقبل، من قبيل الهيدروجين الأخضر والتنقل المستدام، لم يتجاوز بعد مرحلة التصريحات، دون أن يترجم إلى مشاريع ملموسة ذات أثر اقتصادي واضح، معتبرا أن المواطن ينتظر نتائج عملية بدل الاكتفاء بالشعارات.
كما انتقد ضعف الدعم الموجه للمقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تواجه، وفق قوله، صعوبات متزايدة في الولوج إلى التمويل وتعقيدات إدارية تحد من قدرتها على النمو والمنافسة.
من جانبه، أثار المستشار يونس ملال، عن الفريق الحركي، جملة من الإشكالات المرتبطة بالبنية العامة للقطاع، مشيرا إلى أن الدينامية الصناعية التي يشهدها المغرب تبقى غير كافية لتحقيق إقلاع اقتصادي شامل.
وسجل أن استمرار تمركز الاستثمارات في مناطق محددة يخلق ضغطا على الموارد في هذه الجهات، مقابل تهميش جهات أخرى تعاني من ضعف البنيات التحتية وقلة الفرص الاستثمارية، ما يكرس، بحسب تعبيره، “مغربا بسرعتين”.
كما توقف المتحدث عند محدودية الأثر الاجتماعي للصناعة، خاصة في ما يتعلق بخلق فرص الشغل، معتبرا أن المشاريع المنجزة لم تفلح في تقليص معدلات البطالة بالشكل المطلوب، رغم الإمكانيات التي يوفرها القطاع.
وانتقد في هذا السياق ضعف نجاعة برامج الدعم والمواكبة، مشيرا إلى استمرار شكاوى المقاولات من تعقيد المساطر الإدارية وصعوبة الحصول على التمويلات، وهو ما يؤثر سلبا على مناخ الأعمال ويحد من دينامية الاستثمار.
في المقابل، دافع وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، عن حصيلة القطاع، مؤكدا أن المغرب تمكن من تعزيز جاذبيته الصناعية بفضل مجموعة من الإصلاحات التي همت تحسين كلفة الإنتاج، خاصة في ما يتعلق بالطاقة، إلى جانب توفير العقار الصناعي وتطوير منظومة التكوين.
وأوضح أن هذه العوامل ساهمت في استقطاب استثمارات جديدة وتعزيز موقع المملكة ضمن سلاسل الإنتاج العالمية.
غير أن الوزير أقر في الوقت ذاته بوجود تحديات حقيقية، على رأسها ضعف الإدماج المحلي، مشددا على أن المرحلة المقبلة تقتضي رفع نسبة هذا الإدماج بما يسمح بخلق قيمة مضافة أكبر داخل الاقتصاد الوطني.
وأبرز أن القيمة المضافة الحالية، التي تبلغ في المتوسط 78 ألف درهم لكل عامل، تظل دون المستوى المأمول، ما يستدعي بذل مجهودات إضافية لتحسين الإنتاجية وتعزيز تنافسية المقاولات الوطنية.
وأكد مزور أن الدولة تواصل دعم النسيج الصناعي الوطني وحمايته، داعيا الفاعلين الاقتصاديين إلى الانخراط بشكل أكبر في دينامية الاستثمار، من خلال المبادرة وتحمل المخاطر، بما يمكن من التموقع بقوة داخل الأسواق الوطنية والدولية.
كما شدد على أن النقاش الدائر داخل المؤسسة التشريعية يعكس إرادة جماعية لتشخيص الاختلالات والبحث عن حلول كفيلة بتطوير القطاع، معتبرا أن الهدف من هذا النقاش ليس التقليل من المنجزات، بل الارتقاء بها إلى مستويات أعلى.
ويعكس هذا الجدل البرلماني حجم التحديات التي تواجه السياسة الصناعية بالمغرب، في ظل تداخل رهانات اقتصادية واجتماعية معقدة، تتطلب مقاربة شمولية قادرة على تحقيق التوازن بين جاذبية الاستثمار وتعزيز الإنتاج الوطني، وبين تحقيق النمو الاقتصادي وضمان توزيع عادل لثماره على مختلف جهات المملكة.
الصادرات المغربية في قطاع الصناعات الغذائية
ظهرت المقالة الصادرات المغربية في قطاع الصناعات الغذائية أولاً على مدار21. مدار21مصدر …





