Home الصحافة المغربية التوتر الجزائري المغربي (1965م)

التوتر الجزائري المغربي (1965م)

التوتر الجزائري المغربي (1965م)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

التوتر الجزايري المغربي، بلغ ذروته في خريف 1963م، ففي 8 أكتوبر وقع الهجوم على مركزي حاسي بيضا وتينجوب، واندلعت الاشتباكات على جانبي الحدود، بينما دارت حرب إعلامية شرسة بين الجزاير والرباط، ونظرا لتصاعد حدة النزاع، وفشل محاولات التوصل لتسوية ثنائية، قدمت عدة عروض للوساطة، وأسفرت مساعي الإمبراطور هيلا سيلاسي والرئيس موديبو كيتا، في إطار منظمة الوحدة الإفريقية l’O.U.A عن قبول الطرفين، عقد اجتماع في بماكو في 26 أكتوبر، إلا أنه لم يتم توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار التي أنهت المرحلة الأكثر حدة من الصراع الجزايري المغربي حول التخوم، إلا في 30 أكتوبر 1963 بين الرئيس بن بلة والملك الحسن الثاني.

أثارت هذه المحادثات الودية بين الملك الحسن الثاني، والرئيس بن بلة، في اجتماع السعيدية يوم الأربعاء 12 ماي 1965، ولاسيما ما نشرته بعض الصحف، من أنباء عن مناقشة قضية الحدود، دهشة الكثيرين -حتى أولئك المطلعين على الشؤون الجزايرية والمغربية-.

في الواقع، كان الانطباع السائد عن المغرب مؤخرا، هو أن النزاع الحدودي قد ترك ندوبا عميقة في النفس المغربية، وأن العداء تجاه القيادة الجزايرية، إن لم يكن تجاه الشعب الجزايري نفسه، سيهيمن على طبيعة العلاقات بين البلدين لمدة طويلة.

كان هذا بلا شك سوء فهم للطبيعة المزدوجة للأخوة العربية، فمن جهة شدة المشاعر في الصراع، ومن جهة أخرى إمكانية التوصل إلى تسوية عامة، شريطة أن توجد اختلافات جوهرية في الطباع بين أطراف النزاع، سواء أكانوا رؤساء دول أم قبائل.

على أي حال، لا يبدو من المبالغة التأكيد على أهمية العمل النفسي، إذ لعب دورا هاما، إن لم يكن رئيسيا في إشعال فتيل النزاع، إلى جانب عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية أخرى.

غالبا ما يدعي الأوربيون في شمال إفريقيا، أن العرب لا يحترمون إلا القوة، صحيح أن استخدام القوة غالبا ما يكون نتيجة لعدة مهارات مفرطة، عندما يشعر أحد الطرفين بأنه قد تم التلاعب به، من قبل الطرف الآخر.

نشأ النزاع من مطالبة مغربية تتعلق بترسيم الحدود بين المغرب والجزاير، والتي تم الاعتراف بها وقبولها رسما في 6 يوليوز 1961 من قبل الملك الحسن الثاني والسيد فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزايرية g.p.r.a.

(….تؤكد حكومة جلالة ملك المغرب مجددا، دعمها غير المشروط، للشعب الجزائري في نضاله من أجل الاستقلال والوحدة الوطنية، وتعلن دعمها الكامل للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزايرية في مفاوضاتها مع فرنسا، انطلاقا من احترام وحدة الأراضي الجزايرية، وستعارض حكومة جلالة ملك المغرب، بكل الوسائل أي محاولة لتقسيم أو انتزاع أي جزء من الأراضي الجزائرية.

من جانبها تقر الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزايرية بالمشكلة الحدودية التي يطرحها الترسيم التعسفي الذي فرضته فرنسا بين البلدين، والتي سيتم حلها من خلال مفاوضات بين حكومة المملكة المغربية، وحكومة الجزاير المستقلة.

ولهذا الغرض، قررت الحكومتان تشكيل لجنة جزائرية مغربية، تجتمع في أقرب وقت ممكن لدراسة هذه المشكلة وحلها بروح الأخوة والوحدة المغاربية).

لم تعلن الحكومة المغربية عن هذه الاتفاقية إلا في 22 أكتوبر 1963، ”1- وكالة افرانس ابريس بالرباط a.f.p.” لكن صحيفة “المجاهد” لـ19 يوليوز 1961 الناطقة الرسمية باسم جبهة التحرير الوطني f.l.n.، كانت قد نشرت البيان الجزائري المغربي المشترك، عقب المحادثات التي كان من المقرر أن تُوقع الاتفاقية في ختامها:

(بدعوة من جلالة الملك الحسن الثاني، ملك المغرب، قام معالي فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، برفقة السيد عبد الحفيظ بوصوف، وزير التسليح والتنسيق العام، والسيد لخضر بن طوبال وزير الداخلية، والسيد حامد يزيد، وزير الإعلام بزيارة رسمية إلى المغرب في الفترة من 3 إلى 7 يوليو 1961.

وأعرب جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب عن عزمه على التصدي بكل الوسائل لأي محاولة لتقسيم أو اقتطاع الأراضي الجزائرية.

وأكد جلالة الملك الحسن الثاني والرئيس فرحات عباس على أن قضايا ترسيم الحدود بين المغرب والجزاير شأن يخصهما وحدهما، ولا يمكن حلها إلا بين الدولتين، بمعزل عن أي مطالبات أو تدخلات أجنبية.

أعرب فخامة فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزايرية، نيابة عن الشعب الجزايري وحكومته، لجلالة الملك والشعب المغربي، عن امتنانهم للدعم المستمر الذي تجده الجزاير دائما عند المغرب).

لفهم قيمة الالتزامات التي قطعتها المغرب اليوم، والتضحيات التي قدمتها للبلاد، والفائدة التي عادت على الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، لا بد من استذكار الظروف التي أُبرمت فيها.

ففي يوليوز 1961 عندما وُقِّعت اتفاقية الالتزامات المتبادلة بين المغرب والجزاير، بين الملك الحسن الثاني ورئيس الحكومة المؤقتة

تعثرت مفاوضات إيفيان، التي بدأت في 20 ماي 1961 بسبب قضية الصحراء.

وفي عدد 19 يوليوز 1961 من صحيفة المجاهد، الذي أعادت نشر الاتفاقية الجزائرية المغربية، نُشرت افتتاحية مطولة مخصصة للصحراء تحت عنوان هام “صحراؤنا” حيث يمكن قراءة من بين أمور أخرى:

“إنها المناورة الأكثر شيوعا للاستعمار الجديد الفرنسي الذي يتعلق بالصحراء… بعد انهيار جزاير “فْرنسيس” أصبح ذلك مصدر إزعاج لحكام فرنسا التعلق بمثل هذه الصيغ، على الرغم من مواصلة استخدامها كما شوهد على طاولة مؤتمر إيفيان، تعبير “صحراء فرنسية” يفضلون عليه بشكل متزايد شعارا مثل “الصحراء بحر داخلي” و”الصحراء مسألة في حد ذاتها” والذي على الرغم من غموضه كان يحمل نفس المناورات.

يخدم “بحر داخلي” أعراضا سياسية تهدف إلى تجريد الشعب الجزائري من صحرائه، في الواقع، يهدف هذا الشعار أساسا إلى إثارة طمع دول الجوار الجزائرية لتحفيزها على التطلع لأن تصبح “متشاطئة” ودفعها للمطالبة فجأة بحقوق على الأراضي الجزائرية، تتراوح بين عوائد استغلال موارد الصحراوية بما في ذلك المطالبات الإقليمية، وما يتبعها من تصحيح للحدود.

وهكذا ستصبح الصحراء مصدرا للخلاف بين الأفارقة وأفقا لا يهدف إلى توحيد الشعوب، بل إلى تفريقها وتفتيتها، وأفقا يخدم مصالح أنانية وخاضعة، ويسكت مبادئ القضية الإفريقية.

الصحراء ليست أرضا خالية، كما يريدنا القادة الفرنسيون أن نعتقد، ولن يتبعهم الأفارقة في هذا المسار، الصحراء ليست أرضا خالية، أرضا بلا شخصية أو هوية، إنها ليست مفهوما مجردا، بل أرضا شكلتها الشخصية الجزائرية، وطبعت عليها بصمة ثورة الشعب الجزايري الخالدة، أما بخصوص تعديلات الحدود التي تطالب بها بعض الدول، فموقفنا معروف جيدا، فمع عدم فحص هذه المطالبات الإقليمية مسبقا، إلا أننا نعتقد أنها تشكل مشكلة لا يمكننا دراستها وحلها إلا بعد استقلال الجزاير.

إن التوجه إلى الحكومة الفرنسية لطلب حل لمثل هذه المشكلة ليس منصفا ولا مناسبا، في الواقع فإن مثل هذا الإجراء من شأنه أن يستلزم بالضرورة الاعتراف بالسيادة الفرنسية على الصحراء الجزائرية، وهو ما يتناقض مع المبادئ الأساسية لاعتراف هذه الدول بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية).

استهدف هذا النص في المقام الأول جهات المغرب وتونس، وفي 27 يبراير 1961 جرت محادثات في رامبوييه بين الرئيس بورقيبة والجنرال ديغول، نوقشت خلالها النزاعات الصحراوية، وأضيفت المطالب التونسية، ولذلك كانت الطموحات حقيقية.

أما الحكومة المغربية، فتستحق بعض الثناء على إسكات هذه المطالبات بالصحراء عام 1962 لدعم موقف جبهة التحرير الوطني، وفي 2 مارس 1956 عقب الإعلان المشترك لاستقلال المغرب، أكدت الحكومة الفرنسية التزامها باحترام وحدة الأراضي المغربية المكفولة بموجب معاهدات دولية، قدم بعضها حججا مؤيدة للمطالب المغربية بأرض صحراوية “2- الرسالة الملحقة بالاتفاق الفرنسي الألماني في 4 نونبر 1911 حيث كتب بأن المغرب يتكون من كل الجزء من إفريقيا الشمالية الممتد بين الجزاير L.A.O.F وواد الذهب Rio Dro” وشكلت لجنة فرنسية مغربية مشتركة لتحديد الحدود الجنوبية.

وربما اعتقد المرء للحظة في أبريل 1957 -إذ يعود تاريخ إنشاء المنظمة المشتركة للأقاليم الصحراوية (O.C.R.S) “المفتوحة لجميع الدول المطلة على الصحراء”، إلى 10 يناير 1957- بأن هذه اللجنة ستجتمع، لكن السلطات في الرباط تراجعت في نهاية المطاف.

ومع ذلك واجهت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، خطر المفاوضات المباشرة بين الحكومتين المغربية والفرنسية، في يناير1958، عقد الاجتماع الأول للمفوضية العليا لمنطقة دول وسط إفريقيا برئاسة وزير الصحراء، وضم مندوبين من إدارة الواحات وإدارة الساورة، والسودان، والنيجير، وتشاد، وموريطانيا،

لم تكن فرنسا ترغب في شيء أكثر من انضمام أكبر عدد ممكن من الدول المستقلة إلى منظمة دول وسط إفريقيا، ولاسيما المغرب.

لدعم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، بقي المغرب وفيا لالتزامه بمبادئ الأخوة العربية ووحدة المغرب العربي، وقبولها الاستجابة لنوايا الجزاير الحسنة بعد الاستقلال دون اشتراط أي ضمانات.

لقد أظهر المغرب كرما وتضحية، لاسيما بالنظر إلى التحديات الجسيمة التي فرضها الشكل غير المألوف للأراضي الجزائرية جنوب نهر درعة، وقد نتج هذا الشكل من التوغل الفرنسي انطلاقا من قواعد جزايرية، ورغبة السلطات الفرنسية في إخضاع أكبر قدر ممكن من الأراضي للسيادة الفرنسية.

سمحت الحدود الإدارية التي رسمتها فرنسا للجزاير بمد ذراع شبه كامل نحو المحيط الأطلسي، ما جعل المغرب فعلا منطقة محاصرة من قبل الجزاير، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر العمل السياسي أو العسكري في مناطق نائية يصعب السيطرة عليها، تسكنها قبائل اعتادت منذ زمن طويل عن التواجد في المناطق الفاصلة.

اعتادت الحكومة المغربية، منذ زمن طويل، على استغلال النزاعات السيادية بين الدول المجاورة، وكانت على دراية بهذه المخاطر، لكنها لم تستطع فرض أمر واقع على الجزاير، إذ كانت السلطات العسكرية الفرنسية تسيطر على المنطقة، وكان أي اتفاق تفاوضي معها مستحيلا بسبب التزامها تجاه السلطة الشعبية لتحرير الجزاير، مع ذلك، في يوليو 1962 احتلت السلطات المغربية مركز زكدو “3” على طريق المواصلات الرئيسي بين كلمبشار وتندوف، وأعلنت ولاء “قبائل” تندوف (تاجاكانت، الرقيبات، الحراطين) لملك المغرب.

ورافقت هذه الإجراءات تحركات دبلوماسية منذ 6 يوليوز أي في اليوم التالي لوصول السلطة الشعبية لتحرير الجزاير، للجزاير العاصمة، “4” أرسل المغرب وفدا إلى السيد بن خدا والسيد فارس، رئيس الحكومة المؤقتة، لتذكيرهما بالالتزامات التي قطعها السيد فرحات عباس، ولاسيما فيما يتعلق بإنشاء اللجنة الجزائرية المغربية المسؤولة عن ترسيم الحدود، لم يمنع هذا القوات الجزايرية من احتلال تندوف في 9 أكتوبر1962، وطرد ممثلي الحكومة المغربية المحليين بالقوة بعدما رفضوا المغادرة، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

ومنذ تلك اللحظة، اتخذ الصراع منحى حادا، إلا أن المغرب تردد في اتخاذ موقف، ففي الجزاير لم تكن السلطة قد ترسخت بعد، وكانت الفصائل المتناحرة تتنافس عليها، وما أن اتضحت الصورة، حتى حاولت الحكومة المغربية اتباع نهج جديد.

سافر وفد برئاسة الأمير عبد الله شقيق الملك الحسن الثاني إلى الجزاير، في الفترة من 5 إلى 10 مارس 1966، استعدادا لزيارة الملك الحسن الثاني، وقد تمت الزيارة في 14مارس، لكن لم يحسم بعدُ أمر إنشاء هيئة ترسيم الحدود المزعومة.

يكمن جوهر الصراع، هناك يشعر المغرب محقا كان أم مخطئا، بأن الجزاير لا تفي بالتزاماتها، وأنها تتلاعب،

فسعى للانتقام، سيزداد الوضع سوء حتى أحداث شهر أكتوبر 1963.

ومع أهمية هذا الجانب في الصراع، فإنه ليس الجانب الوحيد، فهناك جانبان آخران يطغيان عليه أحيانا في نظر الرأي العام، أحدهما ينبع من مطالبة علال الفاسي بأراض شاسعة، تشمل موريطانيا، والآخر من التباين الإيديولوجي بين النظامين الجزائري والمغربي.

مطالب علال الفاسي الإقليمية:

في عام 1948 بعد عامين من عودته من الكابون، بدأ علال الفاسي في شرح أفكاره حول “المغرب الكبير” وفي نونبر 1955 تم تداول خريطة للمغرب تضم معظم الصحراء الغربية، وفي يوليو 1956 وفي مقال نشر صحيفة “العلم” المغربية، ادعى زعيم حزب الاستقلال، أن المغرب يجب أن يضم وديان الساورة، وكورارة، واتوات، وتيدكلت، وموريطانيا، وناحية تاودني وأراوان، وتمبكتو.

ترددت الحكومة المغربية بداية في تبني مثل هذه المطالبات الطموحة، ومع ذلك في كل وقت مبكر من نونبر 1956 عينت ماء العينين مندوبا عن الصحراء في مجلس الشورى المغربي، في أوائل نونبر 1957، تم إنشاء مديرية شؤون الصحراء والحدود داخل وزارة الداخلية.

وأخير في 25 يبراير 1958 في خطاب ألقاه محمد الخامس في محاميد الغزلان، أشاد فيه بولاء القبائل الصحراوية، ويؤكد عزمه على مواصلة جهوده لاسترجاع الصحراء للمغرب.

يبدو أن وراء هذا الموقف الذي اتخذه الملك دوافع خارجية، وداخلية، دوافع خارجية عقد الاجتماع الأول لمنظمة التعاون الإسلامي في الصحراء كما رأينا في 22 يناير 1958 وتأكيده على حقوق المغرب في الصحراء، اتخذ الملك محمد الخامس موقفا تجاه المطالب الفرنسية، وفي الوقت نفسه المطالب الجزائرية التي قد تحل محلها يوما ما، دوافع داخلية في هذه الفترة كان الجناح المحافظ لحزب الاستقلال وجناحه التقدمي في حالة معارضة،، هذه المجموعة القوية والمنظمة تنتقد النظام الملكي بشدة بسبب أصوله واعتماده على جيش مؤلف من وحدات من الجيش الفرنسي، ربما يكون بعضها قد قاتل ضد جيش التحرير، لذا فإن الوضع حساس بالنسبة للعرش، وقد لا يزعج الملك فكرة توجيه القومية المغربية نحو أهداف تعلي من شأن الفخر الوطني وإنجازات النظام الشريفي، إلا أن هذا المطلب في نهاية المطاف، سيعيق عمل الحكومة المغربية أكثر مما قد يفيدها.

أما عن الصعيد الداخلي، فلن تنخدع المعارضة، حتى في الأوساط المقربة من العرش، لن تؤخذ طموحات علال الفاسي المفرطة على محمل الجد، وقد تأسس الإتحاد الوطني للقوى الشعبية في نونبر2959 مرسخا بذلك الانقسام داخل حزب الاستقلال، وفي دجنبر من العام نفسه، صرح أحد قادة الحزب الجديد الفقيه البصري في كوناكري بأن الإتحاد لا يملك أي أهداف توسعية، وفي نونبر 1960 وصف رئيسه بن بركة المطالبة بالصحراء “بأنها عملية تمويه” خلال مؤتمر تضامن شعوب إفريقيا وآسيا ببيروت.

على الصعيد الخارجي، سيعيق الإدعاء بموريطانيا السياسة المغربية لأشهر عديدة، وستقوض تجاوزات المطالب بالصحراء الجزايرية الجوانب المنطقية لهذا الإدعاء.

جعل القانون الإطار الصادر في 23 يوليو 1957 من موريطانيا إقليما ما وراء البحار، وسمح لها دستور 5 أكتوبر 1958 بإعلان نفسها جمهورية موريطانيا الإسلامية، في 28 نونبر من العام نفسه، ونيل استقلالها بعد ذلك بعامين سيؤدي صراع طويل اتسم بأعمال المنشقين الموريطانيين إلى وضع المغرب في مواجهة موريطانيا الجديدة، لكن براعة الرئيس مختار ولد دادة، في مقابل اندفاع المزاج المغربي، سيحقق النصر لموريطانيا، وسيعزز اعتراف عدد كبير من الدول بها وانضمامها للأمم المتحدة. (ص 749).

في نهاية المطاف، اضطرت الجمهورية الفتية، والمغرب إلى الجلوس على طاولة واحدة مع المغرب في 25 ماي 1963 في المؤتمر الأول للوحدة الإفريقية في أديس أبابا.

خسر المغرب، واعتمدت موريطانيا على دعم الجزائر رغم وجود العديد من المصالح والذكريات المشتركة التي تربطها بالمغرب، لأن وجود القوات الجزايرية جنوب نهر درعة يعزلها المغرب ويخفف من خطر أي هجوم مفاجئ على أراضيها.

يبدو أن مطالبة علال الفاسي بالصحراء، قد خفتت اليوم، لكن من المستحيل تحديد طبيعة ومدى المطالبة المغربية بدقة، حتى فيما يتعلق بتندوف.

الجانب الإديولوجي للصراع:

نشأ الجانب الإديولوجي للصراع من الدعم الذي بدا أن الثوار الجزائريين يقدمونه للمعارضين المغاربة، أو الذي سعى هؤلاء الأخيرون للحصول عليه منهم، من خلال المقالات الصحفية وتصريحات السياسيين الجزايريين ربما اعتقد المغرب أن الثورة الجارية في الجزاير لن تتوقف عند حدوده، وشعرت الملكية بالتهديد.

في مارس 1963 صرح العقيد بومدين في مقابلة مع صحيفة الأهرام المصرية بأن الثورة الجزائرية، لا يمكن حصرها داخل حدود الجزائر، في 2 مايو طلبت الجزائر تأجيل مؤتمر مجموعة الدار البيضاء (غانا، غينيا، الجمهورية العربية المتحدة، المغرب، الجزائر)، وفي 3 مايو رفض الرئيس جمال عبد الناصر دعوة ملك المغرب، الذي كان من المقرر أن يزور الجزائر في 6 و7 و8 مايو، ومنذ ذلك الحين، تزايدت الأحداث:

في يوليو وقعت مؤامرة الرباط واعتقال الفقيه البصري،

وفي غشت تم حظر دخول المواطنين المغاربة إلى أراضي بشار،

في شتنبر اندلعت سلسلة من الحوادث الحدودية وتصاعدت حدة التوتر في الصحافة الجزائرية التي هاجمت النظام الملكي المغربي، وبلغت الأزمة ذروتها في أكتوبر 1963 بالتزامن مع الانتفاضة القبائلية الأولى، واتهم الجزائريون الحكومة المغربية باستغلال الوضع الداخلي في الجزائر لمهاجمتها على الحدود، بل إن بعض الصحف ذكرت عقد اجتماع بين السيد بلقاسم كريم والملك الحسن الثاني في طنجة في أول أكتوبر 1963، وكانت التصريحات الرسمية شديدة اللهجة، ومع ذلك لم ينقطع الاتصال، وبفضل وساطة الإمبراطور هيلا سيلاسي الذي كان في جولة بشمال إفريقيا توقف القتال.

لقد فقد النزاع النجم عن مطالبة علال الفاسي، والنزاع بسبب معارضة الأنظمة أهميتها، لكن النزاع الحدودي ما يزال مهما، ويصعب حله. (ص750).

تكمن أهمية هذا الأمر في أن المطالبة المغربية في جوهرها، تمثل مصلحة بالغة الأهمية، إن لم تكن حيوية، وتكمن المشكلة بشكل حصري في ترسيم الحدود الجنوبية المغربية، بدء من نقطة تقاطع خط الطول 11ْ مع خط العرض ْ27 وصولا إلى الحدود الشرقية للجزاير، إذ توجد بالنسبة للجزاير نصوص أو أعراف، توفر أساسا متينا؛ فمعاهدة لالة مغنية المؤرخة في 18 مارس 1845 لا تحدد الحدود إلا حتى ثنية الساسي، وأخيرا من خلال المعاقل والمراكز الجمركية تحدد الحدود حتى فكيك، إن اتفاقية 20 يوليوز 1901 أو بروتوكول باريز بشأن تطبيق معاهدة 1845 بين فرنسا والمغرب، واتفاقية الجزائر في 20 أبريل 1902 لضمان تنفيذ البرتوكول المذكور، تفتقر بالتأكيد إلى الدقة فيما يتعلق بالحدود جنوب فكيك، ولكنها استكملت أيضا بإجراءات إدارية اتخذت بين غرب إفريقيا الفرنسية والجزاير، مما أدى إلى إنشاء خط جمركي، تمت الموافقة عليه بقرار من رئيس المجلس في 16غشت 1911 ومن قبل الظهير المغربي في 8 غشت 1928 تم تحديد الحدود الشرقية بين المغرب والجزاير عرفا منذ 1911 أما الحدود الجنوبية فلا تزال غير محددة.

تكمن صعوبة حل هذه المشكلة في أن العرف على عكس الحدود الشرقية، لم يحدد خطا ثابتا يعتمد عليه، فبينما توجد بالفعل حدود إدارية قديمة للمقاطعات والدوائر الانتخابية، والمكاتب التي أنشئت عقب تهدئة جنوب المغرب، والتي بدأت عام 1930 وأكملت عام 1934 فإن هذه الحدود التي كانت ستمنح المغرب حدودا جنوبية تمتد على طول نهر درعة حتى منعطف نهر المحاميد، ثم تمتد فروعها الشمال الشرقي-الجنوب الغربي، إلى ما يعرف بخط فارنييه 12ْ لم تعتبرها سلطات الحماية نهائية.

الجنرال ترانكيت كومندار التخوم الجزايرية المغربية اقترح سنة 1938 كحدود جنوبية للمغرب خطا يطلق عليه اسم “خط ترينكيت” على طول حافتي هضبة تين تقعان على بعد حوالي ثلاثين 30 كلم جنوب نهر درعة. هذا الحل اعتمد بناء على اعتبارات عسكرية ما تزال سارية لليوم. (ص751).

هل سيرضى المغرب بهذا؟ هل ستوافق الجزاير على التنازل ولو عن جزء صغير من الصحراء التي ناضلت من أجل الاعتراف الكامل بسيادتها عليها؟ ألا ينذر هذا بإثارة المزيد من المطالبات؟ ألا يفسر هذا الخوف سبب رفض الجزاير حل النزاع ضمن إطار المغرب العربي رغم تشجيع الجمهورية التونسية الطرفين على ذلك؟ بفضل الإمبراطور هيلا سيلاسي وافق الطرفان على قبول الإطار الأوسع لمنظمة الوحدة الإفريقية، شكلت لجنة خاصة في 29 نونبر 1963 ومنذ ذلك الحين لم يظهر أي حل.

لذا فبينما انتصرت الأخوة المغاربية والمنطق على معارضة النظام خلال اجتماع السعيدية، وبينما يقلل تضخم مطالبة علال الفاسي الإقليمية من أهميتها، يبقى النزاع الحدودي قائما.

E.M

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر: le conflit algero-marocain

Edoird merie

في:revue francaise de science politique 1965

Pp748-752

The post التوتر الجزائري المغربي (1965م) appeared first on هوية بريس.

إدريس كرممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

two × three =

Check Also

بالفيديو…ثعبان ضخم يقتحم مسجدا في الهند ويفزع المصلين

<p>شهد مسجد في مدينة ناندوربار بولاية ماهاراشترا الهندية حادثة نادرة، بعدما تسلل ثعب…