Home الصحافة المغربية شمال جمهورية مالي يدخل مرحلة جديدة من التهديدات متعددة المستويات

شمال جمهورية مالي يدخل مرحلة جديدة من التهديدات متعددة المستويات

شمال جمهورية مالي يدخل مرحلة جديدة من التهديدات متعددة المستويات

لم تعد الأحداث الأخيرة التي شهدها شمال مالي مجرَّد تطورات ميدانية عابرة أو تهديدات إرهابية معزولة، بل تحولت إلى مرآة تعكس إشكالية تفاعلات أعمق تتداخل فيها حسابات النفوذ والسيطرة. وفي هذا السياق يبرز الدور الجزائري في توجيه بعض الفواعل المسلحة في المنطقة كأحد أبرز عناصر الجدل، وذلك رغم محاولات النظام الجزائري إنكار هذا الدور، من خلال تأكيد وزير خارجيته دعم بلاده لوحدة مالي ورفضها كل أشكال الإرهاب.

إنكار يهدف إلى إبعاد الشبهات عن الجزائر التي اتهمتها السلطات المالية علنًا بدعم الجماعات المسلحة ومحاولة ضرب أمن واستقرار البلاد، ولمح إليها بيان صادر يوم الأحد الماضي عن “كونفدرالية دول الساحل”، التي تجمع مالي والنيجر وبوركينافاسو، وأكد أن الهجمات الأخيرة في الشمال المالي “تحمل آثار مؤامرة خطيرة تدعمها أطراف معادية لمسار التحرير في منطقة الساحل”، مبرزًا أن “هذه المخططات الإجرامية ومحاولات زعزعة الاستقرار، التي تقوم بها الجهات المعادية للسلام في المنطقة، أحبطت بفضل ردٍّ مهني شجاع وحازم من قبل الجيش المالي”.

ويرى مهتمون بتطورات الأوضاع في مالي، في تصريحات لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن ما يجري يتجاوز مجرد تداخل بين الانفصال والإرهاب، ليؤسس لنمط جديد من الصراعات الهجينة التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، مؤكدين أن ازدواجية مواقف وسياسات الجزائر في هذا الصدد تهدف إلى إطالة أمد أزمات منطقة الساحل لتحقيق أهداف داخلية بالدرجة الأولى، وكبح أي مطالب ترابية لدول الجوار بأراضيها التاريخية التي ألحقتها فرنسا بالجزائر.

وضع ونموذج

محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، قال إن “المتغير الكبير في السياق الراهن وفي التعاطي الجزائري مع قضية مالي يتمثل في الاعتراف المالي بمغربية الصحراء”، مبرزا أنه “من الواضح أن للجزائر علاقات لم تعد قادرة على إخفائها مع مختلف الحركات الناشطة في منطقة الساحل، سواء كانت حركات أزوادية أو حركات إرهابية مخترقة من قبل مخابراتها”.

وأضاف ماء العنين: “مباشرة بعد تسارع الأحداث في شمال مالي يوم السبت الماضي بدأت الأطراف القريبة من الجزائر تبشر بسقوط نظام السلطة الانتقالية في مالي. كما ربط ناشطون من جبهة البوليساريو وبعض الأزواديين ما يقع في مالي باعترافها بمغربية الصحراء، دون أن يخفوا دعمهم للبوليساريو. وفي وقت كانت الأصوات الإعلامية المقربة من الجزائر تبارك تلك الأحداث أعلنت دول عديدة، منها المغرب والإمارات، مواقف واضحة تدعم مؤسسات مالي وسلامة أراضيها. ولم يصدر الموقف الجزائري عبر وزير الخارجية أحمد عطاف إلا بعد ثلاثة أيام، حين تأكد فشل المخطط، في محاولة لتبرئة ذمة النظام الجزائري من أي صلة بالجماعات الانفصالية في مالي”.

وشدد المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، على أن “هذه الحركات، سواء في أزواد أو تلك التي تحركها الجزائر في الصحراء المغربية، هي نتاج لوضع حدودي مختل ورثه الجوار عن الاستعمار؛ فالجزائر تحاول وضع وكلاء لخلق مشاكل داخلية لدول الجوار لمنعها من المطالبة بحقوقها الحدودية”، وزاد: “فكما هو حال مشكل الصحراء الشرقية مع المغرب تكرر الأمر مع مالي التي اقتطعت منها أراضٍ شاسعة وضمت للجزائر الفرنسية بموجب اتفاقيات سابقة. ورغم أن مالي صادقت على الحدود في 1983 رغبة منها في الاستقرار إلا أن الجزائر، وهي المستفيد الأكبر من هذه الحدود، لم تضمن استقرار جوارها، بل خلقت أزمات في مالي والنيجر والمغرب”.

وتابع المحلل نفسه بأن “الجزائر تسعى إلى تصدير مشاكلها الداخلية المتعلقة بالهويات غير المتجانسة نحو الجيران، وهو ما أكده تصريح سابق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حين أشار إلى أن الحدود الموروثة عن الاستعمار هي سبب أزمات الساحل”، مردفا: “والجزائر هي الدولة الوحيدة التي تعاني من مشاكل حدودية مع كافة محيطها بسبب الاقتطاعات الفرنسية، ومع اقتناعها بقرب سقوط ورقة البوليساريو تحاول اليوم البحث عن أوراق جديدة ونفوذ بديل عبر خلق بؤر توتر في دول الساحل”.

وأوضح نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات أن “هناك صراعا بين نموذجين في الساحل؛ النموذج المغربي الذي تصالح مع تاريخه واتجه نحو البعد التنموي والاقتصادي، جاعلاً من الوحدة الترابية والوطنية أساساً للعدالة المجالية، وهو النموذج الذي صدره لإفريقيا، ثم النموذج الأمني الجزائري الذي هو نتاج ‘العشرية السوداء’، ويعتمد على المخابرات في خلق الأزمات للاحتفاظ بالسلطة”.

تحول نوعي

أوضح هشام معتضد، الباحث في الشؤون الإستراتيجية والأمنية، أن “التداخل المتزايد بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل يشكل تحوّلاً نوعياً في طبيعة التهديدات، إذ لم يعد الأمر يتعلق بتمردات معزولة أو خلايا جهادية تقليدية، بل بمنظومات هجينة تنتج ‘اقتصاداً أمنياً موازياً’ قائماً على تهريب السلاح، والاتجار غير المشروع، والسيطرة على المجال الترابي”.

وزاد معتضد شارحاً: “في شمال مالي خلق هذا التلاقي بيئة عملياتية تسمح لهذه الفواعل بالتحرك بمرونة عالية، مستفيدة من هشاشة الدولة ومن الفراغات الجيوسياسية، ما يحوّل النزاع من صراع محلي إلى عقدة أمنية إقليمية معقدة. والخطورة هنا تكمن في قدرة هذه الشبكات على إعادة التشكّل باستمرار، ودمج البعد الانفصالي كغطاء سياسي يمنحها عمقاً اجتماعياً يصعب استهدافه عسكرياً بشكل مباشر”.

وشدد الباحث ذاته، في حديث مع هسبريس، على أن “المنطقة اليوم تواجه تهديداً متعدد المجالات يفرض إعادة تصميم مقاربات المواجهة، فالعقائد القتالية التقليدية المبنية على استهداف هياكل تنظيمية واضحة تصبح محدودة الفعالية أمام شبكات لامركزية تعتمد على خلايا مستقلة ومرنة؛ كما أن التداخل بين الانفصال والإرهاب يخلق ‘ضبابية عملياتية’ تعقّد عملية التمييز بين الفاعلين، ما يفرض تطوير قدرات استخباراتية أكثر تكاملاً، تجمع بين التحليل البشري، والمراقبة التقنية، والاستشعار متعدد المصادر”، مردفا: “هذا النمط من التهديد يتطلب أيضاً تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الجيوش، وتبني نماذج تدخل مرنة قادرة على العمل في بيئات غير مستقرة ومعقدة”.

وأكد المتحدث نفسه أن “الدور الجزائري في هذا السياق يطرح إشكاليات إستراتيجية دقيقة، فبينما تقدّم الجزائر نفسها كفاعل وسيط في أزمات الساحل فإن سلوكها الميداني يعكس في كثير من الأحيان توجهاً نحو إدارة التوازنات بدل حلها”، وتابع: “هذا النمط من ‘الغموض الإستراتيجي’ يساهم في إطالة أمد النزاع في شمال مالي، سواء من خلال مواقفها المتحفظة تجاه بعض المبادرات الإقليمية، أو عبر الحفاظ على قنوات تواصل غير متكافئة مع فاعلين محليين. والنتيجة هي بيئة أمنية مجمّدة جزئياً، تمنع الحسم وتُبقي على مستوى معين من عدم الاستقرار يخدم حسابات جيوسياسية أوسع”.

وخلص معتضد إلى أن “تداعيات هذا الواقع تتجاوز الساحل لتطال الأمن القومي لشمال إفريقيا برمته؛ فالمجال الساحلي لم يعد منطقة عازلة، بل أصبح امتداداً مباشراً لفضاء التهديدات، حيث تنتقل المخاطر عبر شبكات التهريب، والهجرة غير النظامية، والتغلغل الأيديولوجي”، خاتما: “هذا يفرض على صناع القرار العسكريين الانتقال من منطق الاحتواء إلى منطق الاستباق، عبر بناء منظومات مراقبة متقدمة، وتعزيز التنسيق الإقليمي، وربط الأمن بالتنمية لمعالجة جذور الهشاشة. فبدون هذه المقاربة الشاملة ستظل المنطقة عرضة لدورات متكررة من عدم الاستقرار منخفض الحدة لكنه عميق الأثر إستراتيجياً”.

The post شمال جمهورية مالي يدخل مرحلة جديدة من التهديدات متعددة المستويات appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

هسبريس – توفيق بوفرتيحمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

fourteen + 1 =

Check Also

اختلالات تدبير الصفقات تفجر جدلًا سياسيًا قبل الانتخابات

باشرت المفتشية العامة للإدارة الترابية عمليات افتحاص بعدد من المجالس الإقليمية التي يقودها…