تأثير المتفرج
ثمة مشهد يتكرر في شوارعنا بانتظام يكاد يكون مريبًا: شجار يشتعل، أو امرأة تُهان، أو طفل يبكي ضائعًا وسط الزحام، أو رجل ينهار فجأة على قارعة الطريق. العيون تتجمع، والهواتف ترتفع، والتعليقات تتهامس. لكن الأيادي تبقى في الجيوب. الكل حاضر، والكل غائب في الوقت ذاته. وبين هذا الحضور الجسدي والغياب الأخلاقي، تُدفن بعض المآسي في صمت جماعي لا يشبه البرودة، بل يشبه انتظارًا لا ينتهي. هذا الانتظار له اسم علمي دقيق: “تأثير المتفرج”. وهو ليس اتهامًا للبشر بالقسوة أو اللامبالاة، بل هو كشف مُزعج لمفارقة يصعب تقبّلها: كلما ازداد عدد الحاضرين في مشهد الأزمة، تراجع احتمال أن يتدخل أيٌّ منهم. الجماعة، التي نظنها قوة وحماية، تتحول أحيانًا إلى مخدّر جماعي يُخدّر الضمير الفردي. كل واحد يُقنع نفسه في سره أن أحدًا سيتحرك، وأن دوره ليس ملحًّا. وحين يفكر الجميع هكذا، لا يتحرك أحد. جون دارلي وبيب لاتانيه، عالما النفس اللذان أرسيا هذا المفهوم، لم يكونا يرسمان صورة تشاؤمية عن الإنسان. بل كانا يحاولان فهم لحظة الإحجام تلك، اللحظة التي يقول فيها الإنسان لنفسه في صمت: “ليس الآن، ليس أنا، ليس وحدي”. هذه الجملة القصيرة، البريئة في ظاهرها، هي التي تصنع الفارق بين مجتمع يتدخل حين يجب ومجتمع يكتفي بالتسجيل. وفي هذا التأجيل الصامت تقع الكوارث الصغيرة التي لا يتذكرها أحد لأن أحدًا لم يكن مضطرًا للاعتراف بها. والقصة التي فجّرت هذا النقاش ليست خيالًا أكاديميًا. في نيويورك خمسينيات القرن الماضي، قُتلت كيتي جينوفيز في محيط سكني، وسط روايات تتحدث عن شهود رأوا ولم يتدخلوا. صحيح أن التفاصيل خضعت لاحقًا لمراجعات وتصويبات، لكن الصدى بقي. لأن السؤال الذي طرحته تلك الليلة لم يكن سؤالًا عن جريمة بعينها، بل كان سؤالًا يخصنا جميعًا: لماذا يصمت الناس في اللحظات التي يكون فيها الكلام واجبًا؟ الإجابة تتشعب في اتجاهات نفسية وسوسيولوجية شتى. أبرزها ما يعرفه الباحثون بـ”تشتت المسؤولية”: حين يكون الجميع مسؤولًا بالتساوي، لا يشعر أحد أنه مسؤول بالفعل. ثم هناك الجهل الجمعي، حين يُراقب كل فرد ردود فعل من حوله، فإذا رأى الهدوء والتفرج افترض أن الأمر لا يستدعي القلق، بينما الحقيقة أن الجميع يفعل الشيء ذاته، كل منهم يظن أن الآخرين يعلمون ما لا يعلمه. وفوق كل ذلك، ثمة خوف خفيف لكنه مُشل: خوف من الإحراج، من أن يتدخل الإنسان في غير موضعه فيبدو ساذجًا أو متدخلًا فيما لا يعنيه. غير أن الأمر في سياقنا المغربي يتجاوز ردود الفعل اللحظية في الشارع. نحن أمام نمط ثقافي ممتد، ظاهرة متفرج مزمنة لا تقتصر على الأزقة. في المدرسة، يُترك التلميذ المُنمَّر عليه فريسةً للإذلال اليومي لأن من حوله “لا يريدون الدخول في مشاكل”. في الإدارة، يُمارَس الظلم الصغير أمام أعين الموظفين دون أن تُرفع حاجب، لأن الصمت أسلم من المواجهة. في الفضاء العام، يتحول خرق القانون إلى مشهد مألوف لا يثير سوى تذمر همس يذوب في الهواء. المتفرج هنا لم يعد شخصًا يمر، بل أصبح موقفًا جماعيًا راسخًا. والأخطر أن هذا السلوك يُورَّث دون قصد. الطفل الذي يرى الكبار يصمتون يتعلم أن الصمت علامة حكمة. الموظف الذي يرى زملاءه يتجاهلون الاختلالات يتعلم أن المبادرة مغامرة غير محمودة. المواطن الذي جرّب أن تدخله لم يُغيّر شيئًا يقتنع تدريجيًا بأن الحياد أكثر أمانًا. وهكذا تتحول الظاهرة من رد فعل عارض إلى إرث سلوكي يُعاد إنتاجه جيلًا بعد جيل، في بيوتنا وفصولنا ومكاتبنا وشوارعنا. لكن ثمة ما يستحق التأمل في عمق هذه الصورة القاتمة: البشر، في قرارة أنفسهم، لا يريدون أن يكونوا متفرجين. هذا ليس تفاؤلًا سطحيًا، بل ما تكشفه الدراسات ذاتها. الإنسان يشعر بالانزعاج حين يشهد معاناة دون أن يتحرك، لأنه يعرف في داخله أنه كان ينبغي له أن يفعل شيئًا. المشكلة ليست غياب الضمير، بل تعثّره في انتظار إشارة لا تأتي. وهنا تكمن المفاجأة الجميلة: كسر هذا التأثير لا يحتاج إلى ثورة ولا إلى قانون ولا إلى خطاب. يحتاج فقط إلى فرد واحد يقرر أن يتحرك أولًا. شخص واحد يتقدم فيُحرك ما كان ساكنًا، صوت واحد يُعلن فيمنح الآخرين إذنًا ضمنيًا بالتصرف. كأن المجتمع لا يفتقر إلى الأخلاق، بل إلى من يُقيلها من عثرتها. في نهاية المطاف، لا يسعنا أن نُلقي اللوم على “الناس” وكأنهم كتلة بلا أسماء ولا وجوه. لأن “الناس” هم نحن. نحن من نُقرر في تلك اللحظة الصغيرة، لحظة المشهد الذي يستدعي موقفًا، بين أن نتابع وأن نفعل. والفرق بين مجتمع حيّ يصنع تاريخه ومجتمع ساكن يُشاهد تاريخ غيره، ليس في عدد الصالحين فيه، بل في عدد الذين قرروا ذات يوم ألا يكتفوا بالوقوف على الرصيف. The post تأثير المتفرج appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
جامعة الكرة تنعى علي الفاسي الفهري
نعى فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ببالغ الأسى والحزن، رحيل علي الفا…







