Home الصحافة المغربية بوعشرين يبحث عن الفشل السياسي في لحية أبي النعيم ولباس المنقبات

بوعشرين يبحث عن الفشل السياسي في لحية أبي النعيم ولباس المنقبات

بوعشرين يبحث عن الفشل السياسي في لحية أبي النعيم ولباس المنقبات

بوعشرين يبحث عن الفشل السياسي في لحية أبي النعيم ولباس المنقبات هوية بريس – عابد عبد المنعم في آخر فيديو نشر على قناته تحت عنوان: “احذروا الكارثة.. الانتخابات الأخطر في مغرب محمد السادس“، اختار الصحافي توفيق بوعشرين أن يختم حديثه باستحضار اسم الفقيه والداعية المغربي الراحل عبد الحميد أبو النعيم -رحمه الله-، في محاولة لقراءة أزمة الثقة السياسية والاجتماعية من زاوية التدين المتشدد، مستحضرا صور شباب سلفيين داخل إحدى محاكم الدار البيضاء. وبغض النظر عن الصورة المبالغ فيها التي قدمها بوعشرين، فما قاله لم يكن تحليلا بريئا بقدر ما بدا إعادة تدوير لسردية تنطوي على نظرة لادينية استعلائية تجاه فئة واسعة من المتدينين. بوعشرين تحدث عن وجود شباب بلحى كثيفة وسراويل قصيرة ولباس أفغاني ونساء بالسواد، ثم جعل من هذا المشهد مدخلا للحديث عن الهروب إلى الماضي والغربة الفكرية وفقدان الثقة في قدوات معاصرة. وهنا يحق لنا كما لكل مغربي أن يتساءل: لماذا يُقدَّم المتدين المحافظ باعتباره كائنا مأزوما نفسيا واجتماعيا، بينما لا يُطرح السؤال نفسه على أنماط أخرى من الاغتراب الثقافي والفكري المستورد من الغرب تحديدا؟ المفارقة أن بوعشرين، وهو يتحدث عن ضرورة فهم هؤلاء الشباب وعدم الحكم عليهم، وقع في أكثر الأحكام قسوة وتنميطا، حين اختزل تجربة دينية وفكرية كاملة في صورة الهروب من الواقع والبحث عن نماذج من القرون الماضية. وكأن الالتزام الديني لا يمكن أن يكون اختيارا عقديا وفكريا واعيا، أو موقفا أخلاقيا نابعا من قناعة، بل مجرد تعويض نفسي عن الفشل الاجتماعي والسياسي. أي تسطيح وتنميط هذا؟! وكأن هذا الدين لا منظومة له، ولا ترسانة فقهية وسلوكية وقيمية حكمت لأكثر من أربعة عشر قرنا. الأخطر في كلام بوعشرين أنه مرَّر، بشكل ناعم، النظرية العلمانية للدين؛ تلك التي تقبل به فقط باعتباره سلوكا فرديا أو طقسا روحيا أو تراثا ثقافيا، لكنها تنزعج حين يتحول إلى مرجعية فكرية أو أخلاقية أو مجتمعية لها رأي في السياسة والاقتصاد والفن والقيم العامة. ولذلك بدا واضحا أن الإشكال عند زميلنا بوعشرين ليس فقط مع الغلو أو التطرف، بل مع أي تدين ظاهر ومؤثر في المجال العام. أما استحضاره للراحل عبد الحميد أبو النعيم في هذا السياق، فهو بدوره لم يخل من انتقائية واضحة. فالرجل الذي انتقل إلى دار البقاء، مهما اختلف الناس معه أو انتقدوا بعض آرائه، يبقى شخصية دعوية مغربية لها حضورها وتأثيرها داخل شريحة واسعة من المجتمع، ولا علاقة له بأفغانستان أو بدولة طالبان. مع الإشارة إلى أن هذه الدولة الإسلامية التي طالما انتقدها خصومها وجعلوا منها رمزا للتطرف، تمكنت من تسديد ديونها، ورفضت القروض المقدمة من صندوق النقد الدولي، وأوقفت النظام الربوي الذي يمتص دماء المواطنين بشكل كامل؛ ويا ليتنا نصل إلى هذا المستوى، أليس كذلك أسي توفيق! بوعشرين، الذي استفاد مؤخرا من عفو ملكي، ويقدم نفسه اليوم في صورة المحلل الناقد للسلطة والأوضاع السياسية، ما يزال يحمل النظرة الإقصائية القديمة نفسها تجاه التيار الإسلامي، والسلفي تحديدا؛ وهي النظرة التي طبعت خطه التحريري سابقا، حين كانت تُنشر توصيفات جاهزة تجعل من كل متدين مشروع تطرف أو خطرا كامنا على المجتمع. وحين استشهد بوعشرين بعبارة عبد الله العروي: “عدو رجل السياسة هو المؤرخ”، فإنه ربما نسي أن عدو الصحافي المؤدلج هو الحقيقة نفسها؛ لأن الصحافة حين تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الأحكام المسبقة، تفقد دورها في الفهم والتحليل، وتصبح مجرد أداة لتصفية الخصومات الفكرية والثقافية. المغرب لم يكن يوما بلدا معاديا للتدين، ولم تكن هويته منفصلة عن الإسلام والعلماء والدعوة. وكل قراءة تعتبر عودة الشباب إلى الدين هجرة إلى الماضي، هي قراءة سطحية تعكس أزمة فهم للنسيج المغربي أكثر مما تعكس أزمة داخل المجتمع نفسه. فالمشكلة ليست في شاب أطلق لحيته أو فتاة اختارت لباسا محافظا، بل في عقلية لا ترى الحداثة إلا في القطيعة مع المرجعية الإسلامية، ولا ترى التدين إلا باعتباره جزء من الماضي وعبئا ينبغي تطويعه حتى يصبح مجرد طقس منزوع التأثير. فرجاء سي توفيق، إذا أردت الحديث عن الدين والتدين، فحاول أن تفكر خارج الصندوق وتقارب الظاهرة خارج القوالب الجاهزة والسرديات المستهلكة التي ترى في كل مظهر ديني أزمة نفسية أو هروبا من العصر. حاول أن تقارب الصحوة الدينية في شمولها، وفي سيرورتها التاريخية والاجتماعية، وفي أثرها الحقيقي داخل المجتمع والسياسة والدعوة والقيم العامة، لا باعتبارها مجرد رد فعل على الفشل أو الفقر أو التهميش. فالمتدين ليس حالة مرضية تحتاج إلى تفسير، ولا مشروع خطر لمجرد أنه اختار لحية أو نقابا أو مرجعية إسلامية واضحة. والمغرب الذي تتحدث عنه لم يُبن فقط بالسياسيين والصحافيين، بل بناه في أصله الفقهاء والعلماء والدعاة وحفظة القرآن وأبناء المساجد. أما إعادة تدوير الخطاب الاستعلائي القديم، الذي يختزل التدين في الهروب إلى الماضي، فهو لا يكشف أزمة المتدينين بقدر ما يكشف أزمة بعض النخب التي عجزت، إلى اليوم، عن فهم هوية هذا المجتمع كما هو، لا كما تريد له أن يكون. The post بوعشرين يبحث عن الفشل السياسي في لحية أبي النعيم ولباس المنقبات appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

20 − two =

Check Also

فرنسا تذكر الجزائر بالاحترام المتبادل

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأحد، عن أمله في أن تشكّل الزيارة التي أجرتها …