ليس دفاعاً عن السعدي.. حقيقة الـ 400 درهم التي لا يريد “سكان الفيسبوك” تصديقها!

تحول تصريح لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حول بلوغ أجر العامل في منطقة تارودانت 400 درهم يومياً، إلى مادة دسمة للتهكم ملأت جنبات الفضاء الأزرق. وبينما اختار الكثيرون ركوب موجة السخرية لغايات سياسية ضيفة، غاب عن النقاش جوهر الفكرة التي تلامس واقعاً اقتصادياً يعيشه الفلاحون والمقاولون في المغرب العميق بعيداً عن ضجيج الشاشات. واقع الحقول.. 300 درهم ولا أحد يجيب! بعيداً عن المزايدات السياسية، تخبرنا الأرقام القادمة من الحقول والضيعات الكبرى بحقيقة صادمة للكثيرين، وهي أن الأجر في العالم القروي لم يعد يحدده الحد الأدنى للأجور بل تحدده ندرة السواعد المتوفرة في اللحظة الحاسمة. ففي مناطق مثل سوس ودكالة والغرب، أصبح البحث عن عامل لحصاد الحبوب بملبغ 300 درهم أمراً من الماضي، حيث يجد أرباب الضيعات أنفسهم أمام واقع ميداني يفرض عليهم دفع مبالغ أكبر للظفر بيد عاملة تقبل الاشتغال في ظروف مناخية قاسية. إن العامل الموسمي في ذروة الجني يتحول من مجرد أجير إلى شريك استراتيجي في الربح والخسارة، لأن تأخر الجني ليوم واحد قد يعني ضياع محصول بالملايين، وهو ما يمنح العامل قوة تفاوضية تجعل من مبلغ 400 درهم رقماً واقعياً ومنطقياً في سوق تحكمه الندرة. قطاع البناء.. الأفارقة يعوضون “ولاد البلاد” لا يتوقف الخصاص عند حدود الفلاحة بل يمتد لقطاع البناء والأشغال العمومية الذي يواجه اليوم معضلة حقيقية تتمثل في ندرة الحرفيين المهرة أو من يصطلح عليهم بـ “المعلمين”. هذا النقص الحاد دفع بالعديد من الشركات والمقاولين إلى الاستعانة باليد العاملة القادمة من دول إفريقيا جنوب الصحراء لسد الثقوب التي تركها عزوف الشباب المحلي عن هذه المهن اليدوية. إننا أمام مفارقة غريبة يعيشها المجتمع، حيث تصل أجور المتخصصين في بناء البيوت المغطاة إلى 700 درهم لليوم الواحد، ومع ذلك يظل العرض أقل بكثير من الطلب المتزايد، مما يؤكد أن السوق الميداني المغربي بات يكافئ الخبرة اليدوية بسخاء يفوق أحياناً مكافأته للشواهد الأكاديمية. الضيعات الكبرى.. البحث بـ”الريق الناشف” المشكلة الجوهرية في سوق الشغل المغربي حالياً لا تتعلق بالكم بل بالنوعية والخبرة الميدانية المتراكمة. فالضيعات الفلاحية الكبرى، خاصة تلك الموجهة للتصدير، تتعامل مع محاصيل حساسة تتطلب دقة متناهية في الجني والتعامل، وهنا يصبح العامل الذي يمتلك تجربة سنوات عملة نادرة تفرض شروطها المالية على المنتج. هذا الاختلال بين كثرة الباحثين عن عمل مكتبي مريح وندرة اليد العاملة المتخصصة ميدانياً هو التفسير الاقتصادي الوحيد لقفز الأجور إلى مستويات تفوق أجور موظفي القطاع المهيكل، وهو واقع يفرض نفسه بعيداً عن ضجيج الشاشات التي تكتفي بملامسة القشور دون النفاذ إلى عمق التحولات السوسيولوجية التي تشهدها القرى المغربية. ما وراء السخرية.. جرس إنذار إن الاكتفاء بالتهكم على تصريح سياسي دون محاولة فهم الواقع الاقتصادي الذي يستند إليه هو تضييع لفرصة نقاش حقيقي حول مستقبل سوق الشغل في المغرب. الحقيقة التي يتجنبها الكثيرون هي أن هناك مهناً ميدانية تمنح مداخيل محترمة جداً لكنها تفتقر لمن يمارسها بسبب النظرة المجتمعية القاصرة للعمل اليدوي. إن التحدي القادم لا يكمن فقط في خلق فرص الشغل، بل في إعادة النظر في منظومة التكوين المهني لتواكب هذا الخصاص المهول، قبل أن نجد أنفسنا نعتمد كلياً على اليد العاملة الخارجية لتدبير أبسط أوراشنا الوطنية، ونكتشف بعد فوات الأوان أن “الـ 400 درهم” لم تكن مجرد مبالغة سياسية بل كانت جرس إنذار لواقع نرفض الإقرار به. إدريس لكبيش / Le12.ma
أخنوش يشارك بنيروبي في حفل اختتام منتدى الأعمال “إفريقيا إلى الأمام: الإلهام والربط”
شارك رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، اليوم الاثنين بنيروبي، في حفل اختتام منتدى الأعمال “إفريقيا…










