من تاريخ المصحف إلى تاريخ الصراع.. قراءة نقدية مختصرة في أطروحات محمد الناجي
من تاريخ المصحف إلى تاريخ الصراع.. قراءة نقدية مختصرة في أطروحات محمد الناجي هوية بريس – إبراهيم الطالب لم يثر كتاب الماركسي محمد الناجي أي جدل يذكر، على الساحة الفكرية أو الإعلامية، لأن القلة فقط من علمت بصدوره، وجزء من هذه القلة لم ير فيه جديدا يضاف إلى موضوعه، لأن تعاطي الماركسيين العرب يصدر من ذات المنبع في تناولهم لقضايا التراث وأصبح كما قال ابن عرفة مجرد “تخسير كاغد”. لكن استضافة الصحافي يونس مسكين للناجي أشعل سجالا واسعا كان أغلبه عتابا للصحافي على الطريقة التي أدار بها اللقاء ضمن بودكاست “ضفاف الفنجان”، والتي كانت حلقته -حسب رأيي- أقرب إلى الإشهار والدعاية للكتاب والكاتب منها إلى مناقشة المؤلِّف واختبار مضامين المؤلَّف. والمتابع للسجال بين مسكين ومتابعيه ومنتقديه من أصحاب الرأي والقلم، يلاحظ أن الأستاذ يونس يستميت في الدفاع عن موقفه، معتبرا أن ما قدمه الناجي يدخل ضمن البحث العلمي المتسلح بمناهج السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، لكنه تجاهل أن الأمر يتعلق بكتاب الله ودستور المسلمين وتاريخ الأمة، وأن العرض لكلام لا ينضبط بضوابط العلوم التي ينتمي إليها القرآن وهي علوم القرآن وإعمال المناهج التي تخرج النص من سياقه ومنطقه الداخلي لتعمل فيه “اجتهادات” لا علاقة لها بالاجتهاد الأصولي، توخيا للنقد المفضي لرفع القداسة، هو عين العبث في عقل الأمة. الأستاذ مسكين أنزل موضوعا غاية في الخطورة من مقام النخبوية إلى مقام العامة، وقرَّب أكثر الأفكار طعنا في القرآن إلى شباب يعاني من فقر في العلوم، لا يستطيع معه أن يناقش أو يستبين الحق في ما يصله من الخلاصات، الأمر الذي يحدث لديه الشك في يقينياته وعقيدته، دون قدرته على الحسم في الموضوع وهذا يتساوى فيه أغلب الناس ممن لا علاقة لهم بالعلوم الشرعية، لأن ما يقدمه التيار الماركسي ليس من قبيل اختلاف في الرأي بل هو تشكيك مستمر متراكب في ما حصل تاريخيا مع اتهام للفاعلين في مرحلة أساسية من تاريخ الأمة الإسلامية. لذا نرى أن الأستاذ مسكين ملزم باستضافة أصحاب الاختصاص لبيان الرأي الذي ينتقده الناجي ولمناقشة خلاصات أطروحته على ضوء علوم القرآن، الأمر الذي سيكون على الأقل توازنا من طرف مسكين في عمله الصحافي، واختبارا حقيقيا لما تم تناوله في البودكاست المذكور. ونحن في هذه المشاركة سنحاول بيان خطر المنهج الذي اعتمده الناجي عسى أن نقرب للقراء أولا ثم للأستاذ مسكين ثانيا أسباب انتقادات الفضلاء الذين وصلته استنكاراتهم ورفضهم لطريقة عرضه لمضامين كتاب بناه صاحبه على أسس لا تثبت تاريخيا، مع تمحل في إعمال قناعاته الماركسية بشكل مكشوف. لقد قدّم محمد الناجي تصوّرا لتاريخ المصحف والقراءات يقوم على إعادة قراءة التراث الإسلامي من زاوية تاريخانية نقدية، حيث تُفهم عملية جمع القرآن وتوحيد المصحف واختلاف القراءات بوصفها نتاجا لصراعات سياسية واجتماعية رافقت تشكّل الدولة الإسلامية الأولى. وقد حاول الناجي، في كتابه حرب المصاحف وفي تصريحاته الإعلامية، أن يقدّم نفسه بوصفه باحثا يعتمد المصادر الإسلامية التراثية نفسها، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في نوعية المصادر التي يعتمدها، بل في المنهج الذي يقرأها من خلاله. فالناجي يتحرك داخل أفق فكري قريب من المدرسة التاريخانية الحديثة التي تأثرت بدورها بجانب من الاستشراق الفرنسي، خاصة الدراسات التي تتعامل مع النص الديني باعتباره نصا تاريخيا تشكّل داخل شروط اجتماعية وسياسية معينة، لا باعتباره وحيا متجاوزا للتاريخ. وهذا ما يظهر من الحضور المكثف لمراجع مثل ترجمات المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير (1900-1973) مؤلف كتاب: Introduction au Coran وهو من أهم كتبه في الدراسات القرآنية، عرض فيه رؤيته لنشأة النص القرآني وجمعه وترتيبه، وجاك بيرك (1910-1995)، وترجمته للقرآن: Le Coran: Essai de traduction التي تميزت بمحاولة نقل الإيقاع البلاغي والأسلوب الأدبي للقرآن، وتعامل فيها مع القرآن كنص بشري. ويظهر ذلك أيضا من خلال تقاطع الناجي الفكري مع اتجاهات نقدية حديثة يمثلها مثل عبد المجيد الشرفي، حيث تصبح قضايا الوحي وجمع القرآن والقراءات موضوعا للتحليل السوسيولوجي والتاريخي أكثر من كونها موضوعا لعلوم القرآن بالمعنى العلمي الإسلامي الذي يعتمد النقد من أجل الدقة والصحة، لا التفكيك وإعادة التركيب من أجل الطعن بغية التجاوز. ورغم أن الناجي يعتمد على مصادر تراثية مركزية مثل: الطبري والسيوطي والداني وابن الجزري والزركشي والبخاري وابن حجر… فإنه لا يتبنى المنهج الداخلي الذي حكم هذه العلوم، بل يعيد تأويلها ضمن تصور مسبق يجعل السلطة والصراع مفتاحا لتفسير الأحداث. وهنا يظهر أثر المقاربة المادية/السوسيولوجية التي تميل إلى اختزال الظواهر الدينية في البنية السياسية والاجتماعية. ولذلك يتحول اختلاف القراءات أو النقاش حول المصحف في بعض أطروحاته إلى ما يشبه صراعا بين “طبقات” أو مراكز نفوذ داخل المجتمع الإسلامي المبكر. غير أن هذا التصور يواجه عدة إشكالات منهجية. أولها أن مفهوم الصراع الطبقي نفسه ينتمي إلى سياق حديث تشكّل داخل المجتمعات الصناعية الأوروبية، بينما كان مجتمع القرن الأول الهجري مجتمعا قبليًا ودينيًا مختلف البنية، تحكمه اعتبارات الإيمان والتصديق والعدالة والجهاد والسابقة في الإسلام والعلم والحفظ، لا الصراع الطبقي بالمفهوم الماركسي. ومن ثم فإن إسقاط هذه المفاهيم الحديثة على عصر الصحابة يمثل نوعا من التعسف التاريخي والإسقاط الأنكروني، وهو إسقاط مفاهيم أو تصورات أو قيم أو نظريات تنتمي إلى عصر معين على عصور سابقة تختلف عنها في البنية الاجتماعية والفكرية والسياسية، وهذا لصيق بما يكتبه الماركسيون العرب ولا ينفك عن أغلب إنتاجاتهم حول الإسلام. كما أن هذا المنهج يقع غالبا في الانتقائية؛ إذ يتم تضخيم الروايات الشاذة أو الاستثنائية المتعلقة بالمصاحف والقراءات، مع إهمال البنية العلمية الكاملة التي أنتجها علماء المسلمين لمعالجة هذه القضايا، مثل علوم القراءات والرسم والجرح والتعديل وأصول الرواية. فالتراث الإسلامي لم يكن غافلا عن هذه الإشكالات، بل ناقشها مبكرا ووضع لها أدوات نقد وضبط دقيقة، وهو ما يجعل تقديمها وكأنها “اكتشافات حديثة تهدم الرواية الإسلامية” نوعا من تجاوز السياق العلمي الحقيقي لهذه النصوص. ثم إن الإشكال الأعمق في هذه القراءات التاريخانية هو أنها تنطلق ضمنيا من فرضية بشرية النص القرآني قبل البحث نفسه؛ أي إن الوحي لا يُتعامل معه باعتباره احتمالا معرفيا قائما، بل باعتباره ظاهرة بشرية ينبغي تفسيرها اجتماعيا وسياسيا. وهنا تصبح كل المعطيات التاريخية مؤولة سلفا داخل فرضية نزع القداسة عن النص، مما يفقد البحث جزءا من حياده المنهجي الذي يدّعيه. ومن ثم فإن النقد العلمي لأطروحات محمد الناجي لا ينبغي أن يكون مجرد رفض انفعالي، بل تفكيكا للخلفية الفكرية والمنهجية التي تحكم قراءته؛ لأن جوهر الإشكال ليس في استعماله للمصادر التراثية، وإنما في طريقة توظيفها داخل نموذج تفسيري يجعل السلطة والصراع والتاريخانية مفاتيح وحيدة لفهم النص القرآني وتاريخه. ويبدو أن جانبا من القراءات الماركسية العربية للتراث الإسلامي لم يكتفِ باستعمال أدوات التحليل الاجتماعي في فهم بعض الظواهر التاريخية، بل اتجه أحيانا إلى إعادة تفسير التاريخ الإسلامي كله داخل نموذج الصراع المادي والسلطوي، وكأن البنية العقدية والعلمية والروحية للأمة ليست سوى غطاء لصراعات اجتماعية وسياسية. وقد أدى هذا المنحى إلى ما يمكن تسميته بـ”مركسة” التاريخ والتراث؛ أي إخضاع المادة التاريخية الإسلامية لفرضيات أيديولوجية مسبقة تتحكم في طريقة قراءة النصوص والأحداث والشخصيات. ومن ثم لم يعد التراث يُقرأ وفق منطقه الداخلي ومرجعياته العلمية الخاصة، بل أُعيد تفكيكه وتركيبه داخل نموذج تفسيري مستورد يجعل الصراع والهيمنة والسلطة مفاتيح وحيدة لفهم التجربة الإسلامية. وتكمن خطورة هذا الاتجاه في أنه لا يكتفي بإعادة تأويل بعض الوقائع، بل يؤثر في وعي الأجيال بتاريخها وهويتها الحضارية، عبر تحويل علوم الأمة وتراثها من منظومة معرفية متكاملة إلى مجرد انعكاس لبنى الصراع الاجتماعي والسياسي، وهو ما يفضي في النهاية إلى اختزال التاريخ الإسلامي وتشويه طبيعته المركبة والمتعددة الأبعاد. إن الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ملحة إلى نخبة من العلماء والمفكرين القادرين على الانطلاق من تراثها الحضاري والعلمي من أجل المساهمة في نهضتها الفكرية والمعرفية، لا إلى قراءات تستعمل التاريخ الإسلامي والتراث الديني باعتبارهما مادة للتفكيك الدائم ونزع الشرعية الحضارية عن الأمة. فالإشكال ليس في النقد العلمي الرصين، لأن كل تراث إنساني قابل للدراسة والمراجعة، وإنما في تحويل التراث إلى مجرد حقل لإثبات فرضيات أيديولوجية مسبقة تنتهي غالبا إلى اختزال التجربة الإسلامية في الصراع والسلطة والعنف، مع إغفال أبعادها العلمية والحضارية والروحية الكبرى. والمفارقة أن عددا من الجامعات الغربية المعاصرة، خاصة ضمن توجهات التاريخ العالمي وتاريخ العلوم، أصبحت تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية التي كانت تنسب بناء الحضارة الحديثة إلى أوروبا وحدها، وبدأت تعيد الاعتبار لإسهام المسلمين في تطور العلوم والفلسفة والطب والرياضيات والملاحة والاقتصاد وشبكات التبادل العالمية. فمدرسة التاريخ العالمي، عند عدد من روادها المعاصرين، تقوم على إبراز التفاعلات الحضارية والاتصالات العابرة للحدود، لا على اختزال التاريخ في مركز أوروبي مغلق. ولهذا برزت دراسات واسعة حول دور الحضارة الإسلامية في نقل المعارف وتطويرها، وحول مساهمة المسلمين في تشكيل العالم الوسيط وبدايات العالم الحديث، وينظر في الموضوع The Venture of Islam أو “مغامرة الإسلام” وهو واحد من أهم الأعمال في كتابة التاريخ الإسلامي ضمن منظور التاريخ العالمي، ألّفه المؤرخ الأمريكي مارشال غودوين سيمز هودجسون (1922–1968)، وصدر بعد وفاته سنة 1974 في ثلاثة مجلدات. وفي مقابل هذا التحول المعرفي داخل بعض الأوساط الأكاديمية الغربية، لا تزال بعض القراءات الماركسية واللادينية العربية تتعامل مع التراث الإسلامي بمنهج يغلب عليه التوظيف الأيديولوجي أكثر من الانضباط العلمي، فتقوم أحيانا بإسقاط نماذج تفسيرية غربية على التاريخ الإسلامي بصورة تعسفية، أو بانتقاء الروايات وتفكيكها خارج سياقها العلمي، بل وقد يصل الأمر أحيانا إلى المبالغة والتشويه من أجل الوصول إلى نتائج محددة سلفا. ومن ثم فإن النهضة الفكرية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على القطيعة مع التراث أو اغتياله رمزيا، وإنما على قراءته قراءة علمية متوازنة تستوعب منجزات المناهج الحديثة دون أن تتحول إلى مجرد تكرار أيديولوجي لنماذج غربية نشأت في سياقات تاريخية وحضارية مختلفة. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. The post من تاريخ المصحف إلى تاريخ الصراع.. قراءة نقدية مختصرة في أطروحات محمد الناجي appeared first on هوية بريس.
خلافات مبكرة تربك تحالف اليسار قبل انتخابات 2026
بدأت ملامح التوتر تطفو على سطح التحالف الانتخابي بين مكونات اليسار، رغم حداثة التفاهمات ال…





