Home اخبار عاجلة المقاول الذاتي وإرتفاع معدل البطالة: حين يتحول الحل إلى جزء من المشكلة
اخبار عاجلة - 2 hours ago

المقاول الذاتي وإرتفاع معدل البطالة: حين يتحول الحل إلى جزء من المشكلة

المقاول الذاتي وإرتفاع معدل البطالة: حين يتحول الحل إلى جزء من المشكلة

عرف سوق الشغل بالمغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة لا يمكن فهمها فقط من خلال عدد مناصب الشغل المحدثة أو معدل البطالة المعلن. فهناك تحولات أكثر صمتًا، لكنها شديدة التأثير، تتعلق بطبيعة الشغل نفسه: هل نحن أمام عمل مأجور قار؟ أم أمام نشاط مستقل حقيقي؟ أم أمام علاقة شغل مقنّعة في شكل مقاولة ذاتية؟ من بين الظواهر التي تستحق قراءة دقيقة، يبرز نظام المقاول الذاتي باعتباره آلية قانونية جاءت في الأصل لمحاربة جزء من الاقتصاد غير المهيكل، وتسهيل ولوج الشباب والعملين المستقلين إلى النشاط الاقتصادي المنظم. وقد أُحدث هذا النظام بموجب القانون رقم 114-13 المتعلق بنظام المقاول الذاتي، الصادر بظهير 19 فبراير 2015. ويعرّف القانون المقاول الذاتي بأنه شخص ذاتي يزاول، بصفة فردية، نشاطًا صناعيًا أو تجاريًا أو حرفيًا أو يقدم خدمات، في حدود رقم معاملات سنوي لا يتجاوز 500 ألف درهم للأنشطة الصناعية والتجارية والحرفية، و200 ألف درهم بالنسبة للخدمات. كما يمنحه النظام امتيازات مهمة، منها نظام ضريبي مبسط، وإعفاء من مسك محاسبة تجارية كاملة، وعدم إلزامية التسجيل في السجل التجاري. غير أن هذا الإطار، رغم وجاهة فلسفته الأولى، تحول تدريجيًا إلى سلاح ذي حدين. فمن جهة، ساعد عددًا من الشباب والحرفيين والمستقلين على الخروج من الهامش القانوني. ومن جهة أخرى، فتح الباب أمام استعماله كآلية لتقليص كلفة العمل داخل عدد من القطاعات، عبر تحويل علاقة الشغل من علاقة أجير بمشغل إلى علاقة تعاقدية بين شركة و“مقاول ذاتي”، رغم أن الواقع الاقتصادي والمهني قد لا يعكس استقلالًا حقيقيًا. الأرقام تكشف حجم الظاهرة. فقد بلغ عدد المقاولين الذاتيين المسجلين بالمغرب حوالي 440,916 عند نهاية سنة 2024. وفي سنة واحدة فقط، أي 2024، تم تسجيل 38,388 مقاولًا ذاتيًا جديدًا، وهو ما يمثل حوالي 62% من مجموع الأشخاص الذاتيين المهنيين الجدد المسجلين ضريبيًا خلال تلك السنة. لكن في المقابل، غادر أو تم حذف حوالي 28,622 مقاولًا ذاتيًا من النظام، لتكون الزيادة الصافية في العدد الإجمالي محدودة في حدود 9,766 فقط. كما أن عدد المصرحين فعليًا تراجع بقوة، إذ انتقل متوسط المصرحين كل ربع سنة من حوالي 83,900 سنة 2023 إلى حوالي 40,100 سنة 2024، أي بانخفاض يقارب 52%. وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من التسجيلات لا يتحول بالضرورة إلى نشاط اقتصادي مستقر أو منتج. هنا تظهر المفارقة الأساسية: ارتفاع عدد المقاولين الذاتيين يعطي انطباعًا إحصائيًا بأن الاقتصاد يعرف دينامية قوية في خلق “المقاولات”، بينما الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا. فليست كل مقاولة ذاتية مقاولة بالمعنى الاقتصادي الحقيقي؛ وليست كل بطاقة مقاول ذاتي تعني استثمارًا، أو مخاطرة رأسمالية، أو قدرة على خلق مناصب شغل إضافية. في حالات كثيرة، يتعلق الأمر فقط بفرد يبيع عمله لشركة واحدة أو لعدد محدود من الزبناء، دون استقلالية حقيقية في التسعير، أو تنظيم العمل، أو الولوج إلى السوق. الأخطر من ذلك أن بعض المقاولات وجدت في هذا النظام وسيلة لتخفيض كلفة التشغيل. بدل تشغيل العامل كأجير، مع ما يترتب عن ذلك من أجر قار، تغطية اجتماعية، مساهمات، تعويضات، حقوق مهنية، وحماية في حالة المرض أو فقدان الشغل، يتم دفعه إلى التسجيل كمقاول ذاتي. في الظاهر، نحن أمام علاقة تجارية بين طرفين مستقلين؛ أما في الجوهر، فقد نكون أمام علاقة شغل مقنعة: نفس التبعية، نفس الالتزام اليومي، نفس الاعتماد على مشغل واحد، لكن بدون الحقوق المرتبطة بالأجر. هذا التحول له أثر مباشر على قراءة سوق الشغل. فعندما يتحول منصب شغل كان يمكن أن يظهر كمنصب مأجور إلى بطاقة مقاول ذاتي، فإننا لا نخلق بالضرورة نشاطًا جديدًا، بل نعيد تصنيف علاقة الشغل. وبذلك قد تضيع آلاف المناصب من الإحصاءات التقليدية للشغل المأجور، أو تظهر في شكل نشاط مستقل هش. وإذا افترضنا أن جزءًا فقط من عشرات الآلاف من التسجيلات السنوية في نظام المقاول الذاتي يمثل في الحقيقة علاقات شغل مقنعة، فإن أثر ذلك على البطالة، وعلى جودة التشغيل، وعلى الحماية الاجتماعية يصبح كبيرًا. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ننظر إلى وضعية سوق الشغل المغربي. فقد بلغ معدل البطالة سنة 2024 حوالي 13.3%، مع بطالة مرتفعة جدًا في صفوف الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغت 36.7%، وبطالة وسط حاملي الشهادات في حدود 19.6%. وفي سنة 2025، تراجع المعدل العام بشكل طفيف إلى 13%، لكن بطالة الشباب ارتفعت إلى 37.2%، وارتفعت بطالة النساء إلى 20.5%. كما ارتفع حجم الشغل الناقص من 1.082 مليون شخص سنة 2024 إلى 1.190 مليون سنة 2025، أي أن المشكل لم يعد فقط في البطالة، بل أيضًا في جودة الشغل ومستوى الدخل والاستقرار المهني. قطاع المنصات الرقمية يقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول. ففي المغرب، تعتمد شركات توصيل كبرى على نموذج يقوم على اشتغال السائقين أو الموزعين بصفة مقاولين ذاتيين. وقد أُشير منذ سنوات إلى أن نموذج Glovo في المغرب يقوم على التعامل مع موزعين يحملون صفة المقاول الذاتي، كما تشير معطيات حديثة إلى وجود آلاف الموزعين النشطين في هذا الإطار. وفي 2025، دخلت الشركة أيضًا في دائرة اهتمام مجلس المنافسة بخصوص ممارسات مرتبطة بالسوق، منها الاشتباه في استغلال وضعية الهيمنة أو التبعية الاقتصادية لبعض الشركاء. المشكل هنا ليس في المقاول الذاتي كفكرة. فالمغرب يحتاج فعلًا إلى تبسيط ولوج الشباب إلى النشاط الاقتصادي، وإلى تشجيع العمل الحر، والخدمات الرقمية، والحرف، والأنشطة الصغيرة. لكن الخطر يكمن في استعمال هذا النظام خارج فلسفته الأصلية. المقاول الذاتي الحقيقي هو شخص يملك حدًا أدنى من الاستقلال: يبحث عن زبنائه، يحدد جزءًا من أسعاره، يتحمل مخاطرة اقتصادية، ويمكنه تنويع دخله. أما عندما يكون العامل تابعًا اقتصاديًا لمنصة أو شركة واحدة، ملزمًا بشروطها، وخاضعًا لتقييمها وخوارزمياتها، ولا يملك هامشًا حقيقيًا للتفاوض، فإن صفة “مقاول” تصبح أقرب إلى غطاء قانوني لتقليص كلفة الأجر. لذلك يمكن القول إن نظام المقاول الذاتي ساهم في خلق ثلاثة آثار متداخلة على سوق الشغل. الأول إيجابي، ويتمثل في إدماج جزء من الأنشطة الصغيرة في الإطار القانوني. الثاني إحصائي، لأنه يضخم عدد “المقاولات” دون أن يعني بالضرورة خلق نسيج إنتاجي حقيقي. أما الثالث فهو اجتماعي واقتصادي، لأنه قد يدفع جزءًا من سوق الشغل نحو الهشاشة، ويضعف الحماية الاجتماعية، ويقلص مناصب الشغل المأجورة التي يحتاجها الاقتصاد. الخلاصة الأساسية هي أن المغرب لا يعاني فقط من نقص في خلق مناصب الشغل، بل يعاني أيضًا من تحول في طبيعة الشغل المخلوق. فإذا كان الاقتصاد يخلق أنشطة فردية هشة أكثر مما يخلق وظائف مستقرة، فإن معدل البطالة قد لا يعكس وحده حجم الأزمة. ينبغي أن نقرأ إلى جانبه مؤشرات أخرى: الشغل الناقص، عدد العاملين لحسابهم الخاص تحت التبعية الاقتصادية، عدد المصرحين فعليًا، متوسط الدخل، مدة العمل، وعدد المتعاملين مع زبون واحد فقط. * الدكتور إدريس الفينة – خبير في السياسات العمومية

nyrozمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

thirteen − two =

Check Also

“جزء من الأمن الذكي”.. مسؤول أمني يشرح أهمية شرطة المسيرات في تأمين التظاهرات بالمغرب

—-«العمق المغربي .. صوت المغاربة» جريدة الكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة ̵…