Home اخبار عاجلة الحرائق والحقائق
اخبار عاجلة - 3 weeks ago

الحرائق والحقائق

الحرائق والحقائق

نبيل عبد اللاوي منذ صيف 2022، لم تعد الحرائق في المنطقة المغاربية مجرد أخبار موسمية تتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة، بل أصبحت جزءا من المشهد السنوي الذي يخلف الموت والدمار، ويطرح أسئلة أكبر من ألسنة اللهب نفسها. ففي الجزائر والمغرب وتونس، وأحيانا في ليبيا، يتكرر السيناريو ذاته: غابات تلتهمها النيران، قرى معزولة، خسائر بشرية ومادية، ثم تبدأ الروايات، وتتشابك الحقائق مع الاتهامات. في كل موسم تقريبا، تتحدث بيانات رسمية في بعض الدول المغاربية عن *”أياد إجرامية”، أو “عمل تخريبي”، أو “مؤامرات تستهدف الأمن القومي”.* وفي المقابل، نادرا ما تنشر نتائج تحقيقات علمية مفصلة تقنع الرأي العام بحجم هذه الفرضيات أو نسبتها الحقيقية. وبين الطبيعة وفعل الإنسان، تضيع الحقيقة في كثير من الأحيان وسط الخطاب السياسي والإعلامي. حتى لو سلمنا بأن بعض الحرائق مفتعلة، فإن السؤال الأهم ليس: من أشعل النار؟ بل: لماذا تصل النار أصلا إلى هذه الدرجة من الاتساع؟ هنا يبدأ الحديث عن الوقاية لا عن المحاكم. فالاستعداد الحقيقي لا يبدأ بعد احتراق الغابة، بل قبل الصيف بأشهر. تنظيف المسالك الغابوية، إنشاء أحزمة عازلة، مراقبة الغابات بالطائرات المسيرة والأقمار الصناعية، تعبئة فرق التدخل، تحديث أساطيل الإطفاء، وتوعية السكان… كلها سياسات تجعل الحرائق استثناء لا قاعدة. أما *الاقتصار على توقيف متهمين بعد الكارثة، فهو أشبه بإغلاق باب المنزل بعدما غادره اللص.* والأكثر إيلاما أن المنطقة المغاربية، التي تتشابه في المناخ والتضاريس والمخاطر، لا تملك حتى اليوم آلية مشتركة لمواجهة الكوارث الطبيعية. *الاتحاد المغاربي الغائب سياسيا، غائب أيضا حين تحتاج الغابات إلى من يطفئها.* المفارقة أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية خبرة معتبرة في مكافحة حرائق الغابات، ويمتلك أسطولا متقدما من طائرات “كانادير” المتخصصة في الإطفاء الجوي، وقد استجاب في مناسبات عدة لطلبات مساعدة من دول أوروبية، بينها البرتغال التي لم تجد حرجا في طلب الدعم عندما تجاوزت النيران قدراتها الوطنية. لكن عندما يتعلق الأمر بالجوار المغاربي، *تقف القطيعة السياسية سدا أمام أبسط أشكال التضامن الإنساني.* أي منطق يجعل طائرة إطفاء تعبر مضيق جبل طارق لإنقاذ غابة أوروبية، بينما تعجز عن عبور حدود مغاربية لإنقاذ أرواح وجبال تتقاسم التاريخ والجغرافيا؟ في الثقافة الشعبية المغاربية مثل بليغ يقول: *”العداوة ثابتة والصواب يكون.”* أي أن الخصومة لا ينبغي أن تلغي الإنصاف ولا تمنع فعل الخير. لكن يبدو أن حتى هذا الأدب القديم فقد مكانه في زمن الحسابات السياسية الضيقة. فالخلافات قد تكون مفهومة بين الحكومات، أما أن تتحول إلى جدار يمنع التعاون في مواجهة الحرائق والزلازل والفيضانات، فتلك خسارة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. قد تختلف الروايات حول أسباب اندلاع الحرائق، لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن يختلف عليها اثنان هي أن *الأرواح التي تحترق لا يهمها إن كانت النيران بفعل الطبيعة أو بفعل فاعل.* ما يهمها أن تجد دولة مستعدة، وجارا متضامنا، وسياسة تؤمن بأن الوقاية خير من بيانات الإدانة، وأن التعاون في زمن الكوارث ليس تنازلا سياسيا، بل واجب إنساني.

صناع حنانمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

six − two =

Check Also

جامعة القاضي عياض تتصدر الجامعات المغربية في تصنيف Webometrics لسنة 2026

حققت جامعة القاضي عياض بمراكش إنجازاً جديداً بتصدرها الجامعات المغربية في تصنيف Webometric…