العدالة الأهلية بالمغرب 1926م (2/1)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم أظهرت اللجنة الجزائرية التونسية المغربية إدراكا عميقا للفرصة المتاحة، إذ رأت أن الوقت قد حان للاستفادة من وصول رجال جدد، لإجراء مراجعة شاملة للإجراءات الحكومية المتبعة في المغرب، منذ بداية الحماية، والحاجة لإعادة تعديل الأساليب الإدارية. لا شك أن قراء هذه النشرة bulletin قد لاحظوا مقال السيد ربير رَيِنود reber raynaud حول إصلاح القضاء الأهلي بالمغرب، وقدروا ذلك تقديرا كبيرا، وللأسف، فإن الانتقادات الموجهة إليه، غالبا ما تكون مبررة، فلا شك أن نظام العدالة الأهلية، من أكثر الأنظمة حاجة، لإجراء مراجعة دورية، ذاتية لا غنى عنها للمؤسسات والأفراد على حد سواء، ولكن انطلاقا من اعتبارات عملية أكثر مما هي قانونية تستحضر بطريقة مختلفة، آليات التحسينات التي ينبغي إدخالها على هذا النظام القضائي، بل وحتى المبادئ التي ينبغي أن توجه الإصلاح. نعتقد بأن بعض الصفحات القادمة من (نشرة إفريقيا الفرنسية bulltin du l,afrique frarncaise)، ستثير اهتمام قرائها، وتمكنهم من تكوين رأي منطقي. *** يوجد نوعان من القضاء بالمغرب متعايشين، قضاء لائكي يطبقه المخزن بواسطة الباشاوات والقياد، وآخر ديني يدعى؛ الشرع، يطبقه القضاة. 1- القضاء المخزني: يعتقد بعض الشخصيات أن كلا النظامين القضائيين يعانيان من عيوب جسيمة، لكن النظام الذي يثير استياءهم أكثر من غيره، هو قضاء المخزن، لأسباب نظرية وعملية. القياد والباشاوات هم في المقام الأول موظفون مدنيون في النظام الإداري، وانطلاقا من المبدأ الأساسي للفصل التام بين السلطتين الإدارية والقضائية، يبدو لهم من غير المقبول أن يكون الإداريون في نفس الوقت قضاة، كثير من الفرنسيين غير الملمين بالعقلية الأهلية، وجميع فقهاء القانون، سيوافقون على ذلك، وسنمتنع عن مشاركة آرائهم أو استيائهم، من المؤكد أن مبدأ الفصل بين السلطتين الإدارية والقضائية قائم بين المسلمين، حيث أن القاضي نظريا هو قاض قانون عرفي، يفهم كل بنوده. ولكن سرعان ما فقد القضاة في جميع الأزمنة، معظم سلطاتهم في القضايا الجنائية، التي انتقلت إلى أيدي الممثلين السياسيين للسلطان، وفي المغرب كان التطور أكثر وضوحا منه في أي مكان آخر، ومن المرجح أن القضاة هناك لم يمتلكوا أي سلطة على الإطلاق، وأن المخزن الشريفي كان دائما أقرب إلى نظام احتلال عسكري، فمن الطبيعي أن يمتلك القياد والباشاوات ممثلو السلطان، السلطة الحصرية، لقمع عصيان أوامر المخزن، وجرائم القانون العام، وقد استمر هذا الوضع مقبولا على نطاق واسع، لدى سكان المغرب، كما هو الحال في جميع أنحاء شمال إفريقيا. الذين لم يفهموا في الواقع نظريتنا حول فصل السلط، وقد أشار مؤلف كتاب “دليل السياسة الإسلامية” الصادر مؤخرا، إلى مقولة جول فيريهم “الأهالي لا يفهموا شيئا عن فصل السلطات، لكنهم يمتلكون إلى أقصى حد غريزة وحاجة ومثالية سلطة قوية وعادلة”؛ كما أشار إلى كيف كادت إيديولوجيتنا القضائية، التي كادت أن تكون مهلكة للجزائريين، خلال فترة قمع تأديبية، تحت سلطة مديرين، لحسن الحظ كانت قصيرة الأمد. لننظر الآن في النوع الثاني من الدوافع، وهي الدوافع العلمية، التي قد تبرر تشويه سمعة محاكم المخزن. بالتأكيد، لا ندعي أن كل شيء يسير على ما يرام في أفضل العوالم الممكنة، وأن جميع القضاة أكفاء ونزيهون، -بل تُرتكب تجاوزات عديدة من قبل عدد غير قليل من القضاة- لكن هذه العدالة الأبوية البسيطة والفورية، والحرة تماما من حيث المبدإ، لا تزال تحتفظ في نظرنا بصفات جوهرية، وفي معظم الحالات لا تزال تلبي احتياجات المغاربة، علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال حقيقة مهمة؛ وجود المراقب العام وتصرفاته، هذا التصرف في كل مكان تقريبا أكثر فعالية مما قد يتصوره المرء في البداية. في العديد من المناطق المدنية والعسكرية، يتواجد المراقب العام، وضباط المخابرات ومساعدوهم يحضرون جميع اجتماعات القايد، ولا يمكن اتخاذ أي قرار مهما كان بسيطا، دون حضورهم، وبمجرد أن تبسط قضية ما، يتولى المسؤول الفرنسي الأمر فعليا، من الممكن بل من المؤكد أن هذه الرقابة ليست فعالة بنفس القدر في كل مكان، ففي بعض المناطق وخاصة في الجنوب، ولأسباب سياسية، من الضروري منح الزعماء المحليين صلاحيات أوسع بكثير، وفي مناطق أخرى ينسحب المراقبون المدنيون والعسكريون لأسباب مختلفة، من مراقبتهم، وحتى في الحالات التي تكون فيها المراقبة شديدة، يرتكب المراقب أخطاء ويضِلُّ في كثير من الأحيان، وهكذا تتحقق العدالة بفضل معرفة المراقب التامة، وتعاونه الدائم مع الزعيم الأهلي، الذي يمتلك معرفة تامة بأصول عقلية جميع أفراد قبيلته، والشائعات المتداولة بينهم، والقاضي الذي يتمتع بنزاهته ومعرفته القانونية الواسعة-هل العدل كما أقول يوفر بشكل عام ضمانات كافية للفلاح المغربي، بل إنه يوفر له أكثر من عدالة القضاة. وقد نصت المذكرة التفسيرية للظهائر بتاريخ 4 غشت 1918 بشأن إعادة تنظيم اختصاصات المخزن، على ما يلي: “كانت اختصاصات الباشاوات والقياد في الأصل تقتصر على المسائل الجنائية، ثم توسعت تدريجيا لتشمل نطاق الشريعة الإسلامية، لاسيما فيما يتعلق بالالتزامات، وبذلك أصبحت تشمل طيفا واسعا من المنازعات المدنية والتجارية، التي يفصل فيها القايد إذا لم تُثَر مسألة قانونية، تستدعي إحالة الأمر إلى القاضي”. وقد حدث هذا التوسع في الاختصاصات بشكل غير محسوس، ومن خلال تصرفات الخاضعين له أنفسهم الذين يميلون إلى نظام القضاء المخزني، الذي يتميز بمرونته وسرعته، مقارنة بالشريعة الإسلامية. ما تزال هذه الجملة الأخيرة تبدو دقيقة للغاية بالنسبة لنا، فنادرا ما يطلب المواطنون، عند استدعائهم أمام القايد، اللجوء للشريعة، لخشيتهم من غضب القائد وعداوته لهم، ولكن في أغلب الأحيان تنقصهم الثقة في عدالة قضيتهم، فيسعون لكسب الوقت، آملين إيجاد عدالة أكثر تساهلا في مكان آخر، من طرف جهة أخرى. نصادف يوميا مغاربة يرفضون اللجوء إلى الشريعة، لأن هذه الولاية القضائية مكلِّفة للغاية، ويصابون بخيبة أمل، عندما يعلن القايد عدم اختصاصه. علاوة على ذلك، وهذه هي النقطة المحورية، لا يكفي القول ببساطة، أن النظام القضائي المخزني ليس مثاليا، مما يجعلنا نتساءل؛ هل من الممكن حاليا إيجاد صيغة أفضل؟ لنفترض أن المحمية ترغب في تطبيق هذا الفصل بين السلطتين الإدارية القضائية، فكيف ستفعل ذلك؟ من المفهوم أنها ستعين قضاة لن يكونوا أكثر من مجرد قضاة، هل سيكونون من السكان الأهالي أم فرنسيين؟ إذا كانوا من الأهالي فأين سنجد في المغرب رجالا متعلمين قادرين على أن يكونوا قضاة؟ من الصعب بالفعل تعيين قضاة فرنسيين، بأي شكل من الأشكال سيقدم العلماء المختارون ضمانات أكبر للنزاهة والحياد من القضاة الفرنسيين؟ يجب ألا نخدع أنفسنا لفترة طويلة، فالقاضي في المغرب كما كانت تسميته لن يكون نزيها إلا بقدر إشراف مسؤول فرنسي عليه، لهذا السبب فإن أي إصلاح من شأنه أن يُبعد المراقب عن القاضي الخاضع لإشرافه، في رأينا يجب رفضه، لذلك سيكون من الضروري وضع قضاة فرنسيين أو مفوض حكومي إلى جانب القضاة المحليين، لكن لننظر إلى العدد الهائل من القضايا التي يتم فحصها في كل مركز مراقبة مدني أو عسكري، بفضل مرونة النظام الحالي، وإلى العدد الهائل لهذه المراكز، إذ يسجل العديد منها آلاف القضايا سنويا، في مختلفة المحاكم. من الطبيعي أن يؤدي تعيين قضاة محترفين إلى تعقيد الإجراءات والأوراق، مما يقلل من كفاءة المحاكم، وبالتالي ستكون هناك حاجة ماسة إلى عدد كبير من القضاة، ويكون من الصعب العثور على قضاة محليين، هل يُعتقد أن توظيف الكوادر الأوربية سيكون أسهل؟ المحاكم الفرنسية الحالية مثقلة بالأعباء ولذلك ولسنوات باتت تميل ربما بشكل مفرط، ولكن واضح، إلى إحالة القضايا إلى المحاكم المحلية عن طريق تخفيض معظم الجرائم التي يكون فيها الأوربيون مدعين إلى جنح. هناك نقص في التمويل اللازم لإنشاء المحكمة المدنية في مراكش، وهو مطلب قديم من السكان ووعدوا به، هل من المناسب في ظل الوضع السيء لترشيد النفقات وتقليص عدد الموظفين الحكوميين، تعيين مائة قاض، أو مفوض فرنسي أو مغربي، في المغرب، بالإضافة إلى الكتبة والسكرتيرات والمساعدين اللازمين لهم؟ إذا ما تم تقليص عدد القضاة بشكل ملحوظ، فإن المخاطر ستكون من نوع مختلف، ولكنها لا تقل أهمية، فالقضاة الذين يعانون من قلة العدد وبعد المسافة، سيجدون أنفسهم مثقلين بالأعباء، سيفتقرون إلى المعلومات المتاحة للقادة، كما سيفتقرون إلى القدرة على الاستماع إلى شهود متعددين، سيغرقون في تفاصيل الجرائم والسرقات الآن، من منظور اجتماعي في مجتمع متخلف كالسكان الأهالي، بالنسبة للمحاكم التي لا تصدر إلا أحكاما مخففة نسبيا، سيكون هناك ما هو أسوأ من نظام قضائي يخطئ أحيانا، نظام قضائي لا يصل إلى المذنب أبدا، يجب أيضا إتمام عملية البحث عن المذنب بسرعة، لأن الفترة الفاصلة بين ارتكاب الجريمة والعقاب تضعف فعاليته، نخشى أن يؤدي التغيير المفاجئ في الأسلوب إلى انخفاض كبير الأمن في البادية. هذه هي النتيجة الواضحة التي تحققت في الجزاير، بإلغاء الصلاحيات القسرية للإداريين، المستوطنون الأكثر احتكاكا بالواقع، يدركون تماما مدى هذا التراجع فمعظمهم بدلا من المطالبة بالولاية القضائية الفرنسية في قضايا الجريمة، يطالبون بتوسيع صلاحيات القضاة المدنيين، أو بالأحرى المراقبين المدنيين. يظهر البعض أحيانا أن دوافعهم ليست نزيهة تماما عندما يكتبون: “نطلب من المقيم العام أن يأمر المراقبين بالفصل في نزاعاتنا مع الأهالي بسرعة وعدل”. من الواضح أن هؤلاء يأملون صوابا أو خطأ في إيجاد آذان صاغية لدى المسؤولين الإداريين فيما يتعلق بالسرقات، ومخالفات الرعي، ومطالبات التعويض التي يزعم أنهم ضحاياها أحيانا، أكثر من القضاة المحترفين ولكن بشكل عام، فإن مسار عملهم في هذا الشأن معقول ومبرر للغاية، وأفضل ما يمكن فعله، هو وضع الثقة في نزاهة وشجاعة المراقبين المدنيين والعسكريين. من السهل توضيح أوجه القصور الحقيقية في نظام القضاء المخزني، ولكن ليس من المستحيل إثبات مساوئ نظام القضاء الفرنسي أو المفرنس. يرى مؤلف كتاب “دليل السياسة الإسلامية manuel de politique musulmane “ الذي سبق ذكره، بحق أن نظام القضاء المعجل، المطبق باعتدال، أقل إرهاقا بكثير للمواطنين نظرا لبساطته، مقارنة بمثولهم أمام محكمة بعيدة، وما يترتب على ذلك من ضياع للوقت ونفقات للمدعين والمدعى عليهم والشهود، فضلا عن الالتزامات المترتبة على إجراءات معقدة وغير مفهومة ويستذكر كلمات السيد جول كامبون: “لقد وعدنا المواطنين بنظام قضائي أقل تكلفة وأكثر موثوقية، من نظام القضاة، ولكن اتضح أنهم لا يرون نهاية لمحاكماتهم المدنية، بل ومحاكماتهم الجنائية أيضا”. غالبا ما تجعل هذه الإجراءات العدالة أكثر تكلفة مما يمكن أن تحققه حجج بعض القضاة المسلمين، ولا بتفريق الأهالي بين ثمن العدالة الفاسدة، وثمن العدالة الإجرائية بل إننا نذهب أبعد من ذلك فنقول؛ إن القضاء الفرنسي قد ينافس أحيانا أحكام قايد في قضايا الإنصاف، بإعادة التحقق من ملاءمتها لقرارات القضاء الفرنسي. هل ننتقد قايدا في بلد ينتشر فيه الربا، ونفتقر فيه لقانون مماثل لقانون الأفدنة الثلاثة، الذي وضعه اللورد كتشنر في مصر، لتساهله مع المدين، عندما يكون متأكدا من تعامله مع شريك أقرضه بفائدة 100% أو 200% وأحيانا 400% ولتأخيره في السداد، يباع عنه الأفدنة القليلة التي يمتلكها ومنتوجها لأطول مدة ممكنة، بينما القاضي الفرنسي حتى ولو كان متأكدا أخلاقيا من وجود الربا، لن ينظر إلا في حقيقة امتلاك الدائن سند ملكية صحيحة، وسيأمر بحجز ممتلكات المدين مع جميع التكاليف المرتبطة بذلك بموجب نظامنا القانوني؟ في قضايا العقارات أصبح العديد من قضاتنا اليوم على دراية كافية بالعادات المحلية لإصدار أحكام عادلة، ولكن في بداية عمل محاكم التسجيل، كم من قضاتنا انخدعوا بألقاب لا قيمة ولا أساس لهما، وسلبوا مجتمعات بأكملها حقوقها، دون أي سند قانوني، لمصلحة قلة من وجهاء البلد، أو ورثتهم الأوربيين،! فلنتذكر المثل القديم “إذا ساد القانون، ساد الظلم”، ما يزال هذا المثل يطبق في المغرب، ولأسباب عديدة، ليس من المؤكد أن يرحب الأهالي بالتحول الجذري والقاسي لنظام العدالة الذي يخضعون له. لقد بدا لنا حتى الآن، أننا ندافع عن نظام عدالة المخزن ضد كل الانتقادات، ومع ذلك، لسنا محافظين كما قد يبدو، كل ما أردناه هو التعبير عن تحفظاتنا بشأن بعض المبادئ التي بدت لنا خطيرة؛ لكن الإصلاح يبدو لنا حسنا، بل وأكثر من ذلك قابلا للتحقيق الفوري، مع الالتزام بالأطر القديمة، وبالظهير الصادر في 1 غشت 1918. لذلك نوصي بثلاثة أنواع من التدابير: 1- لا جدال في أن السلطات المحلية لا تخضع لرقابة كاملة، بل إننا نقول إنها لا تخضع للصرامة اللازمة، هناك تراخ قابل للتصحيح يحدث في مناطق الرقابة القائمة منذ زمن طويل، لقد حان الوقت للتوسع في الجنوب، وفرض المراقبة التي ما تزال حتى الآن تقال كنظرية فقط. الدفع في هذا الاتجاه يجب أن يأتي من أعلى من الرباط السلطات المحلية مقتنعة تماما بأن هذه الصرامة مطلوبة، ومطالب بها من قبل الإقامة، فمن السهل تغيير هذه العقلية، إذا ما أجرى الرؤساء الأهالي بعض المحاكمات السريعة والحازمة، ضد الأكثر ذنبا، تجعلهم إن لم يكونوا قضاة مثاليين، فعلى الأقل قضاة مقبولين. 2- من المؤكد أن النظام الحالي، الذي يجعل جميع القياد القرويين قضاة في جميع القضايا الجنائية التي تصل عقوبتها إلى سنة واحدة سجنا، وفي القضايا المدنية والتجارية دون حد، إنه نظام مفرط، لقد حان الوقت لتطبيق ظهير 1918 الذي أنشأ نظام الاستئناف في جميع أنحاء المغرب، وليس فقط بعدد قليل من المدن المتميزة، ولتحقيق هذه الغاية، يكفي إنشاء محكمة استئناف في كل منطقة، يعاونها مفوض من الحكومة الفرنسية، ولعدة سنوات، ونظرا لصعوبات التوظيف، ولأسباب اقتصادية، يمكن تقليص عدد قضاة هذه المحكمة إلى واحد. في القضايا الجنائية: يحتفظ القضاة بصلاحياتهم الحالية في المرحلة الابتدائية، بالإضافة إلى الصلاحيات الأوسع المنصوص عليها في ظهير 1918 ويجوز استئناف الأحكام الصادرة التي تتجاوز ثلاثة أشهر سجنا، أو غرامة قدرها 300 فرنك، أما الدائرة الإقليمية، فتختص في المرحلة الثانية والأخيرة، بالبت في أحكام تصل إلى سنة سجنا وغرامة قدرها 1.000 فرنك على سبيل المثال. ونرى في قيام هذه المحاكم، تخفيف العبء جزئيا عن الدائرة الجنائية الحالية في المحكمة العليا الشريفية بحيث تحكم في المقام الأول بمدة تصل إلى 5 سنوات و2.000 فرنك غرامة، ويجوز استئناف هذه الأحكام الابتدائية أمام مجلس الرباط. أما في القضايا المدنية، وكما هو منصوص عليه في ظهير1918 فيجوز استئناف أحكام القضاة عندما يتجاوز المبلغ المتنازع عليه 1.000 فرنك، علاوة على ذلك، من المؤكد أن الرؤساء الأهالي بالرغم من تدربهم ينقصهم التعليم القانوني، فسيبدأون قريبا في فحص القضايا المدنية المعقدة، إضافة لذلك لا جدوى من الاحتفاظ بها لهم، لذا سيحال على المحكمة الإقليمية في المرحلة الأولى النظر في الشؤون المدنية والتجارية بمجرد أن يتجاوز موضوع النزاع 5.000 فرنك على سبيل المثال. تخضع القضايا التي تنظر فيها المحكمة الإقليمية من الدرجة الأولى (التي تتجاوز قيمتها 5.000 فرنك) للاستئناف أمام المحكمة العليا بالرباط، وبفضل هذه الآلية، يُضمن حق الاستئناف بشكل كامل، كما يحضر المحامون جلسات المحكمة الإقليمية. يثير ممارسة حق الدفاع في المغرب مسائل حساسة، سنتغاضى عن الخوض فيها هنا بالتفصيل، نتفهم تماما أن أصحاب النوايا الحسنة يطالبون بالاعتراف الكامل بهذا الحق في بلد لا يزال فيه حكم الزعماء التعسفي قويا، حيث يضطر الأهالي الأميين للتعامل مع اللصوص الأكثر بطشا. في الواقع كان يسمح للمحامين بالمثول أمام جميع محاكم المخزن حتى صدور ظهير العام الماضي، الذي يقيد حقوقهم، وقد أثبت تدخلهم في القضايا المعروضة أمام محاكم القضاة عيوبا خطيرة. المغربي كثير الجدال وميال للتقاضي، ولا يتردد في توكيل محام حتى في أبسط الأمور، وبينما يتمتع العديد من المحامين في المغرب بكفاءة عالية، إلا أن بعضهم يفتقر إلى الكفاءة، أو على الأقل، يُظهر رغبة مفرطة في جمع الثروة بأسرع وقت ممكن، وهكذا أفلس العديد من الفلاحين على يد من كانت مهمتهم حماية مصالحهم. اعتاد المغربي نظام الحماية في عهد المخزن القديم كان كل مالك أرض يسعى للحصول على حماية أجنبية تمنحه تقريبا جميع مزايا الحصانة القضائية، وحتى اليوم ما تزال الحماية الأمريكية أو البريطانية مطلوبة بشدة، أما المواطن الذي استعان بمحام، فيظن نفسه محميا إلى حد ما، وبالتالي لا يكلف نفسه عناء الرد على استدعاءات قائده أو مراقبه، علاوة على ذلك ارتكب بعض المحامين خطأ التخلي عن اللياقة اللازمة، فلكي يقنعوا موكليهم بسلطتهم، تظاهروا علنا بالتعالي على الزعماء المحليين، بل وحتى عن المسؤولين الفرنسيين، وقد تقبل معظم القادة تدخلهم على مضض، وفي بعض الحالات كانت هذه التدخلات في الواقع كارثية على سلطة الزعماء، التي لا يزال من الضروري الحفاظ عليهم بقوة. طلب عدد قليل من المحامين (بسبب ضعف مهاراتهم اللغوية) الدفاع عن موكليهم في المحكمة بمرافعات باللغة العربية، لكن معظمهم قدموا دفاعاتهم كتابية باللغة الفرنسية، بل إن بعضهم تجرأ على مطالبة المراقبين بمناقشة كل ادعاء مرفوع إليهم معهم، مما أدى لمراسلات مطولة وغير ضرورية، أتقلت كاهل مكاتب المراقبة، فضلا على أنها تسببت في استياء القياد، لأن القضايا المرفوعة لنظرهم، سارت تسوى خارج سلطتهم. خلصت رئاسة الجمهورية إلى أن قبول المحامين للترافع أمام المحاكم القروية، ينطوي على سلبيات أكثر من إيجابيات، فوضعت لوائح جديدة لا لإلغائها، بل لتقييدها، باستثناء محاكم المدن التي يوجد بها مفوضون حكوميون، أصبح المحامون مخولين فقط بتقديم مذكرات قانونية لموكليهم، ولا يحق لهم حضور جلسات الاستماع، لم يعد الرؤساء ولا المراقبون يردون على المحامين أو يدخلوا معهم في نقاش، لكن الآخيرين تمكنوا من تجاوز هذه الصعوبة جزئيا بتوجيه شكاواهم إلى الإقامة العامة التي بدورها طالبت المراقبين بتوضيحات. وهكذا أزيلت إحدى المزايا الرئيسية للإصلاح، إذ وجد هؤلاء المسؤولون أنفسهم مضطرين لتقديم تقارير مطولة باستمرار لتبرير أحكام عادية تماما، جعلهم يندمون على الوقت الذي كانوا يتعاملون فيه مباشرة مع المحامين أحيانا شفهيا. يُتيح إنشاء المحاكم الإقليمية التوفيق بين جميع المصالح، تبدو الإجراءات المتخذة صارمة، نظرا للأهمية المحتملة للقضايا المعروضة أمام محاكم القياد، لأن الأحكام التي تصدرها نهائية، مع إنشاء محكمة الاستئناف ستزول تلك العيوب، ويمكن للمحامين إما الاحتفاظ فقط بحق تقديم المشورة القانونية لموكليهم أمام محاكم القياد، أو ربما الأفضل إلغاء حق الدفاع عن النفس أمام هذه المحاكم تماما، وبذلك تصان سلطة القياد كما تصان بساطة الإجراءات، وقلة المساطر الرسمية. لن يضطر الأهالي بعد الآن لتوكيل محام في مسائل تافهة، في المقابل، سيستعيدون حقوقهم الكاملة في الدفاع الكامل بمجرد تعرضهم لاتهامات خطيرة، أو كونهم طرفا في نزاع مهم. 3- لقد أقررنا سابقا بأنه لا جدوى من إبقاء مسائل مدنية وتجارية كبيرة ضمن اختصاصات محاكم القياد. وانطلاقا من هذا المنطق، نرى أن من المزايا تجريد محاكم المخزن تماما، لصالح المحاكم الفرنسية، من جميع المنازعات التي تتطلب تفسير عقود مبرمة وفقا لمبادئ غريبة كليا عن العادات المحلية، (كالشركات المساهمة، وشركة التوصية البسيطة، وما إلى ذلك..) وتطبيق قوانين فرنسية معقدة ودقيقة. وتختص محاكم المخزن حاليا بهذه الدعاوى إما بناء على شكوى خيانة أمانة من أوربي ضد مواطن، (حيث يصبح اختصاص محاكم المخزن، المختص الوحيد في المسائل الجنائية، مختصا في المسائل المدنية) أو حتى عندما يبرم عقد من هذا النوع بين مواطنين بموجب القانون العام، وهو أمر شائع لاسيما بين الإسرائليين الحضريين. القياد والباشاوات لا يفقهون شيئا في هذه الأمور، كما أن المفوضين الحكوميين يشعرون بالحرج الشديد من دراسة هذه النزاعات، التي تعْهَد في المحاكم الفرنسية نفسها إلى مختصين، ومن المنطقي تماما، إعفاؤهم من هذه المسؤولية. يتبع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنظر: la justice indigene au Maroc Patrick Montfert في bulletin du comite de l,afrique francaise ,renseignements coloniaux :1926.pp 149-153 The post العدالة الأهلية بالمغرب 1926م (2/1) appeared first on هوية
تحذير أمني: ثغرة في ساعات الأطفال الذكية تتحول الى آداة تجسس
<p>قد تتحول الساعات الذكية التي يشتريها الآباء لمتابعة أطفالهم والاطمئنان عليهم إلى …





%20(1)%20(1)_1786238677.webp?w=406&resize=406,233&ssl=1)




