“الوطن” بين “المثابة والأمن” و”الهجرة والخوف”
هوية بريس – د.ميمون نكاز في هذه القبضة من قبضات الوعي نحاول اعتصار الدلالات السياقية للنصوص القرآنية التي امتُطِيَت في خطبة الجمعة السالفة، استدلالا بها على “الوطنية” و”المواطنة” اللتين احتُسِبَتَا من اقتضاءات ” الولاء للوطن”… 1) النص الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ اِ۪جْعَلْ هَٰذَا اَ۬لْبَلَدَ ءَامِناً وَاجْنُبْنِے وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ اَ۬لَاصْنَامَۖ﴾ [إبراهيم35]. 2) النص الثاني: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ اِ۪جْعَلْ هَٰذَا بَلَداً اٰمِناً وَارْزُقَ اَهْلَهُۥ مِنَ اَ۬لثَّمَرَٰتِ مَنَ اٰمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِۖ﴾ [البقرة126]. 3) النص الثالث: ﴿وَعَدَ اَ۬للَّهُ ا۬لذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ا۬لصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ كَمَا اَ۪سْتَخْلَفَ اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ا۬لذِے اِ۪رْتَض۪ىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمُۥٓ أَمْناًۖ يَعْبُدُونَنِے لَا يُشْرِكُونَ بِے شَيْـٔاًۖ﴾ [النور55]. إذا تجاوزنا الدلالة الغريزية والفطرية على محبة الأوطان، إذ تكمن فيها “هوية النشأة الوجودية”، وإذا غضضنا الطرف عن الدلالة المحدثة لمفهوم “المواطنة القطرية” في النظرية السياسية المعاصرة المرتبطة بإطار “الدولة المدنية الحديثة”، وإذا أعرضنا عن دلالة المفهوم ذاته “تسييلا” له في إطار “الانتماء العولمي”، إذا تجاوزنا وغضضنا وأعرضنا عن ذلك كله، واكتفينا أن نبقى “فقهاء دراويش” مع هذه النصوص القرآنية السالفة، ما دلالالاتها؟ و ما إفاداتها في “حقيقة الوطن المقدر”؟ أولا: بعد أن أُمِرَ إبراهيمُ عليه السلام بإتيان مكة وبرفع “القواعد” فيها، بشراكة إسماعيل من أجل بناء البيت، إشارة خفية من الوحي الشريف إلى قيمة “تكامل الأجيال” في البناء ورفع “قواعد المجتمع” من خلال “وحدة العقيدة”، و”وحدة الرؤية”، و”وحدة العمل”، و”وحدة الموقف” الظاهر في نازلة “الذبح”، أتساءل: كيف لا يكون مثل هذا البلد آمنا يُرزَق أهلُه وقد أُسِّسَت أساساتُه، وقُعِّدَتْ قواعدُه على هذه التقوى وهذا الرضوان؟ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة126-128]، فقد جاءت الآية في الخطبة مختطفة من سياقها الدال على جملة من الشروط الحافظة للأمن العام في البلد، وفق الرؤية القرآنية: 1) شرط “رفع قواعد البيت” الدال على “وحدة المرجعية العليا” للبلد… 2) شرط “تثبيت مرجعية الإسلام” في الأجيال المتعاقبة {…ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}… 3) شرط “الالتزام بالمنهج البنائي والإعدادي للإنسان”، الماثل في: “تلاوة الآيات”، و”تعليم الكتاب والحكمة”، و”التزكية”، كليات في “العقيدة” و”المعرفة” و”السلوك”، تفصل بحسبان “الافتقارات الموضوعية في الواقع” إلى موجباتها ومقتضياتها… 4) شرط “عدم تجاوز حدود الملة الإبراهيمية كما هي في الحد القرآني” {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين} [ البقرة130]، حيث يمسي نقض هذا الحد القرآني والخضوع للتحريف الصهيوأمريكي للملة الإبراهيمية “تسفيها للوطن” و”سفاهة في تدبير شؤونه”… 5) شرط “ضرورةالحذر من “التهويد والتنصير” باعتبارهما تحريفا وعدوانا على “ملة الإسلام الإبراهيمية” {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، قُولُوۤا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِـۧمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ وَعِیسَىٰ وَمَاۤ أُوتِیَ ٱلنَّبِیُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَد مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:135-138]… تلك بعض الدلالات والإفادات من سياق الآية الشريفة من سورة البقرة… أما آية {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام…} من “سورة إبراهيم”، ففي سياقها جملة من الدلالات والإفادات، نذكر منها: 1) التحذير من “الصَّنَمِيَّة الحجرية”، ومن صِنْوِها “الصنمية البشرية”، بل إن “التصنيم البشري” أعظم خطرا وأشد ضررا على “التكريم الإلهي للإنسان” من “التصنيم الحجري”، لأن “الأصنام البشرية” فاعلة في “عُبَّادِها” ما لا تفعله “الأصنام الحجرية” في عابديها، ولا خير في أوطان لا تجتنب فيها هذه “الأصنام”… 2) بيان أن الأوطان التي تُرفَع فيها “قواعد الحق والحرية والكرامة” وتُقَدّرُ فيها “عبادة الله تعالى بالتنشئة والتربية عليها” أهلٌ للسكن فيها، وإن قلت فيها الأرزاق في مبتدإ الحال { ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ﴾ [إبراهيم37]… مثل هذا البلد/الوطن كيف لا تهواه أفئدة الناس؟ وكيف لا تَهوي إليه؟ وكيف لا يُرزَقُ الناس فيه من ثمرات النِّعَم؟… 3) تكرار التأكيد على “تكامل الأجيال” و”تواصلها” من أجل المحافظة على “قبلة التوجه الحضاري” {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء، رب اجعلني مقيم الصلواة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء} [إبراهيم40]… 4) بيان أن الله ليس بغافل عن الظالمين للتحذير من خطورة “الغفلة عن أعمالهم”، ناهيك عن مطاوعتهم و”التطبيع مع واقع ظلمهم”: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ، وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ، وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ، وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم42-46]… 5) تثبيت اليقين في وعد الله بنصرة المظلوم والانتصاف من الظالم، بشرط الوفاء بمتطلبات تحقق هذا الوعد، وبهذا الخصوص نختم ببيان دلالة “الوعد” في الآية الكريمة من سورة النور التي اختطفت في الخطبة من سياقها: {وَعَدَ اَ۬للَّهُ ا۬لذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ا۬لصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ كَمَا اَ۪سْتَخْلَفَ اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ا۬لذِے اِ۪رْتَض۪ىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمُۥٓ أَمْناًۖ يَعْبُدُونَنِے لَا يُشْرِكُونَ بِے شَيْـٔاًۖ﴾ [النور ]، فقد روى البيهقي عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (لما قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب حتى كان المسلمون لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: تُرى نعيشُ حتى نبيتَ مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل، فأنزل الله تبارك وتعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات…} (الآية…). أقول: ما أشبه اليوم بالبارحة، “شراكة عربية يهودية” للحيلولة دون “الاستخلاف الإسلامي” في الأوطان بالإيمان والعمل الصالح، بإخلاص العبادة لله وعدم الإشراك به… ومن لطيف ما ورد في الخطبة بيان محبة النبي صلى الله عليه وسلم لمكة بلده وموطنه حيث نقل عنه قوله الشريف: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)… أقول: تلك مجمل الحكاية ومكمن عقدتها، التي حولها ندندن: “حكاية الإخراج من الوطن بالظلم وهضم الحقوق وإحساس الإنسان بالمغبونية والخوف”، الوطن ليس “صنما” يعبد أو “وثنا” يقدس، الوطن حيث “الحق” و”العدل” و”الحرية” و”الكرامة”، ذلك “الوطن” الذي يستحق أن يقدر ويحب ويذاد عنه بالأهل والأموال والأنفس… تلك بعض معصرات القول في الآيات التي اختطفت في خطبة الجمعة ابتغاء توظيفها في مناطات غريبة بعيدة عن إفادات سياقاتها، حيث لا يجدي ولا ينفع الاستنجاد بعموماتها في إضفاء “الشرعية” على سياقات مختلفة، وتلك بعض الإفادات التي تجعل الأوطان “مثابة للناس وأمنا”، نختمها بقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:109-110]. The post “الوطن” بين “المثابة والأمن” و”الهجرة والخوف” appeared first on هوية بريس.
تعديل موعد الموسم الدراسي بالجزائر
قررت الجزائر إرجاء الدخول الدراسي لموسم 2026-2027، إلى 21 شتنبر المقبل بعدما كان مقررا في …







