Home الصحافة المغربية التوقيت الميسر

التوقيت الميسر

التوقيت الميسر

حين تعيد الجامعة المغربية اكتشاف «زمن الإنسان» من العيون إلى الجامعة المغربية: توسيع فرص التعلم دون التنازل عن الجودة والاستحقاق ليس كل من يرغب في العودة إلى الجامعة قادرًا على العودة إليها في العاشرة صباحًا. هذه الجملة البسيطة تختصر جانبًا أساسيًا من النقاش الدائر اليوم حول التكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر، لأن المجتمع تغير، وأنماط العمل تغيرت، والحاجيات المهنية والمعرفية تغيرت، ولم تعد المسارات الدراسية والمهنية تسير دائمًا في خط مستقيم يبدأ بالتعليم وينتهي بالحصول على الشهادة ثم الولوج إلى سوق الشغل. هناك اليوم موظف يريد استكمال دراسته، وأجير يرغب في تطوير مؤهلاته، ومهني يحتاج إلى تحيين معارفه، وخريج اكتشف بعد سنوات من الممارسة أن تخصصه يحتاج إلى امتدادات جديدة، وأشخاص لم تتح لهم ظروفهم في مرحلة معينة فرصة متابعة مسار جامعي ويرغبون اليوم في استئنافه. فهل تستطيع الجامعة أن تستجيب لهذه الفئات بالمنطق الزمني نفسه الذي تستجيب به للطالب المتفرغ للدراسة؟ هنا تحديدًا يبرز النقاش حول التوقيت الميسر، ليس باعتباره مجرد مسألة تتعلق بتوزيع الحصص الدراسية، وإنما باعتباره سؤالًا أوسع حول قدرة الجامعة المغربية على تطوير أدواتها بما يتلاءم مع التحولات التي يعرفها المجتمع. «زمن الطالب» إلى «زمن المتعلم لفترة طويلة، ارتبطت صورة الطالب الجامعي بشخص أنهى مرحلة التعليم الثانوي، والتحق بالجامعة، وتفرغ للدراسة قبل الانتقال إلى الحياة المهنية. غير أن هذه الصورة لم تعد تستوعب كل أشكال التعلم ومسارات الحياة المهنية، فالمعارف تتجدد بوتيرة متسارعة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل المهن، وبعض الوظائف تتغير طبيعتها، بينما تظهر تخصصات ومهارات جديدة باستمرار. وفي مثل هذا السياق، لم يعد الحصول على أول شهادة جامعية يعني نهاية العلاقة بالتعلم، بل أصبح التعلم مدى الحياة ضرورة أكثر منه خيارًا، وأصبحت الجامعة مطالبة باستيعاب حقيقة بسيطة مفادها أن الإنسان يمكن أن يكون متعلمًا وهو موظف أو أجير أو مهني أو مسؤول، وأن الرغبة في التعلم لا تتوقف عند سن معينة ولا عند مرحلة مهنية محددة. غير أن هذه الفئات تواجه عائقًا واضحًا يتمثل في الزمن، فمن الصعب على موظف مرتبط بساعات عمل يومية أو مهني مرتبط بالتزامات مهنية أن يحضر إلى الجامعة وفق البرمجة الزمنية نفسها التي يستفيد منها الطالب المتفرغ، وهنا يصبح التوقيت الميسر محاولة لمعالجة تعارض زمني حقيقي، وليس مجرد بحث عن امتياز تنظيمي. التيسير في الزمن لا يعني التيسير في المعايير ربما تكون هذه النقطة هي الأهم في النقاش كله، فمرونة توقيت الدراسة لا ينبغي أن تتحول إلى مرونة في المعايير الأكاديمية. الجامعة يمكن أن تغير زمن تقديم التكوين، لكنها لا يمكن أن تغير مستوى التكوين، والطالب الذي يتابع دراسته مساءً أو خلال نهاية الأسبوع لا ينبغي أن يكون أمام متطلبات أقل من الطالب الذي يتابع دراسته خلال التوقيت العادي. فالجودة تظل جودة، والاستحقاق يظل استحقاقًا، والشهادة لا تستمد قيمتها من الساعة التي تلقى فيها الدرس، وإنما من المعارف والكفايات التي يكتسبها الطالب ويثبتها خلال مساره الجامعي. وعليه، فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم هذا النمط من التكوين تقوم على مرونة في الزمن وصلابة في الجودة، وهي معادلة تسمح بالتوفيق بين مطلب توسيع فرص الولوج إلى الجامعة من جهة، والحفاظ على قيمة الشهادة الوطنية ومصداقيتها من جهة أخرى. التكوين العادي والتوقيت الميسر: مساران لوضعيات مختلفة من المهم كذلك عدم وضع التكوين بالتوقيت العادي والتكوين بالتوقيت الميسر في مواجهة غير ضرورية، فالتكوين بالتوقيت العادي يظل نمطًا أساسيًا موجهًا إلى الطلبة المتفرغين للدراسة، ويحتفظ بمكانته ودوره داخل الجامعة، بينما يستجيب التوقيت الميسر لوضعية مختلفة تتمثل في شخص يرغب في الدراسة لكنه أصبح مرتبطًا بعمل أو بالتزامات مهنية تجعل التوقيت العادي بالغ الصعوبة بالنسبة إليه. وهذا التمييز لا يتعلق بقيمة التكوين، وإنما بظروف المستفيدين منه، فالإنصاف لا يعني بالضرورة أن يحصل الجميع على الخدمة نفسها بالطريقة نفسها، وإنما قد يعني أحيانًا الاعتراف باختلاف الأوضاع وتوفير صيغ تمكن كل فئة من الاستفادة من الحق في التعلم وفق شروط واضحة وعادلة. ومن هنا، يمكن النظر إلى تنويع أنماط التكوين باعتباره أحد أشكال توسيع الولوج إلى التعليم العالي، لا باعتباره تمييزًا بين الطلبة. هل الرسوم تختصر كل النقاش؟ من الطبيعي والمشروع أن تطرح الأسر والطلبة والأساتذة ومختلف الفاعلين أسئلة حول الرسوم المرتبطة بالتكوين بالتوقيت الميسر، وكيفية تحديدها، ومبرراتها، وأوجه استعمال الموارد الناتجة عنها، وضمانات الحكامة والشفافية المرتبطة بها. هذه أسئلة مشروعة، بل ضرورية، فالجامعة العمومية مطالبة بأن تكون واضحة في اختياراتها، وأن تشرح طبيعة التكوينات التي تقدمها، وشروط الولوج إليها، ومكونات العرض البيداغوجي، وطبيعة الشهادات الممنوحة، وكيفية تدبير الموارد المرتبطة بهذه التكوينات. غير أن اختزال النقاش كله في الرسوم قد يحجب أسئلة أكبر بكثير تتعلق بنوع الجامعة التي نريدها، وبكيفية توسيع العرض الجامعي، وتطوير البنيات والتجهيزات، والحفاظ على جودة الشهادة الوطنية، وربط التكوين بالحاجيات المتغيرة لسوق الشغل، وتوفير الإمكانات التي تمكن الجامعة من الاضطلاع برسالتها في التكوين والبحث العلمي وخدمة المجتمع. لذلك، فإن النقاش حول التوقيت الميسر يحتاج إلى أن يتجاوز الثنائية المبسطة بين «المجانية» و«الأداء»، وأن ينظر إلى الموضوع ضمن منظومة أوسع ترتبط بالولوج والجودة والحكامة والتعلم مدى الحياة. الجامعة لا تفتح أبوابها مساءً فقط هناك جانب آخر ينبغي أن يحضر في هذا النقاش، فعندما تقرر مؤسسة جامعية تنظيم تكوين مساءً أو خلال نهاية الأسبوع، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير توقيت الحصص، وإنما يتطلب تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، وفتح الفضاءات والتجهيزات، وتنظيم الخدمات البيداغوجية والإدارية، وبرمجة التقييمات والامتحانات، وضمان التأطير والمواكبة. أي أن المؤسسة الجامعية تقوم بجهد تنظيمي ومؤسساتي إضافي حتى تجعل التكوين ممكنًا بالنسبة إلى فئة لا تستطيع الاستفادة منه خلال الزمن العادي. ومن ثم، فإن السؤال الواقعي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا يوجد توقيت ميسر؟ بل أيضًا: ماذا سيحدث للموظف أو الأجير الذي لا يستطيع، بحكم طبيعة عمله، الحضور في التوقيت العادي؟ فإذا أغلقت أمامه صيغة التوقيت الميسر، فإن البديل الواقعي قد لا يكون دائمًا العودة إلى الجامعة بالتوقيت العادي، بل قد يكون ببساطة عدم العودة إلى الجامعة إطلاقًا. المهني داخل المدرج الجامعي… تجربة تأتي من الواقع إن عودة الموظفين والأجراء والمهنيين إلى الجامعة يمكن أن تحمل معها قيمة إضافية للعملية التعليمية، فهؤلاء لا يدخلون المدرج بأذهان خالية من التجربة، وإنما يحملون معهم سنوات من الممارسة وأسئلة الميدان وإشكالات الإدارة والمقاولة وتجارب مرتبطة بالمهن والقطاعات التي يشتغلون فيها. وقد يسمح وجودهم داخل الفضاء الجامعي بخلق تفاعل أكثر قوة بين المعرفة الأكاديمية والخبرة المهنية، لأن الجامعة لا ينبغي أن تكون فضاءً تنتقل فيه المعرفة في اتجاه واحد فقط، من الأستاذ إلى الطالب، بل يمكن أن تكون أيضًا فضاءً تلتقي فيه المعرفة العلمية بالتجربة الميدانية. وهذا التفاعل يمكن أن يغني النقاش الأكاديمي، ويقرب البحث العلمي من الإشكالات الواقعية، ويعزز الصلة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي والمهني. من العيون… التوقيت الميسر وسؤال التنمية بالنسبة إلى الأقاليم الجنوبية، تكتسب هذه المسألة بعدًا خاصًا، فالعيون تعيش دينامية تنموية متنامية، وتعرف تحولات في عدد من القطاعات والمهن والخدمات، كما تظهر حاجيات متجددة في الرقمنة والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق واللوجستيك والسياحة والصحة والهندسة والإدارة وريادة الأعمال وغيرها من المجالات. وهذه القطاعات لا تحتاج فقط إلى خريجين جدد، وإنما تحتاج أيضًا إلى موارد بشرية موجودة داخل الإدارة والمؤسسات والمقاولات، وقادرة على تطوير كفاءاتها باستمرار. ومن هنا، يمكن للجامعة أن تؤدي دورًا أكبر في مواكبة التنمية الترابية، من خلال جعل التكوين أكثر اتصالًا بالحاجيات الفعلية للمجال وبالتحولات التي يعرفها سوق الشغل. وفي هذا الإطار، يمكن للتوقيت الميسر أن يشكل إحدى حلقات الوصل بين الجامعة والمجتمع وسوق الشغل، وأن يساهم في بناء علاقة أكثر دينامية بين التكوين الجامعي والحاجيات المتجددة للمجال. الجامعة تحتاج إلى النقد كما تحتاج إلى الإصلاح إن النقاش حول التوقيت الميسر لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين مؤيدين ومعارضين، فالاختلاف في الرأي مشروع، والنقد البناء يمكن أن يكون عنصرًا أساسيًا في تحسين أي إصلاح. كل تجربة جديدة تحتاج إلى تقييم، وكل نموذج يحتاج إلى قياس نتائجه، وكل سياسة عمومية تحتاج إلى الاستماع إلى المستفيدين منها، ورصد الاختلالات، وتصحيحها عند الحاجة. ولهذا، فإن نجاح التوقيت الميسر يظل مرتبطًا بوضوح المساطر، وشفافية التدبير، وجودة التأطير، وصرامة التقييم، والتقييم المنتظم للنتائج والآثار. فالتقييم لا يعني التشكيك في الإصلاح، بل يعني الحرص على تطويره وتصحيح مساره كلما أظهرت الممارسة الحاجة إلى ذلك، وهذه هي روح الحكامة الجامعية التي تجعل من الإصلاح مسارًا مستمرًا وليس قرارًا جامدًا. الجامعة التي ترافق الإنسان لا التي تكتفي بتكوينه ربما يكون التحول الأهم الذي يفرضه هذا النقاش هو إعادة التفكير في وظيفة الجامعة نفسها، فالجامعة ليست فقط مؤسسة تستقبل الطالب في مرحلة محددة من عمره، وتمنحه شهادة، ثم تنتهي علاقتها به. الجامعة الحديثة مطالبة بأن ترافق الإنسان في مساره، وأن تفتح له إمكانية العودة إلى التعلم، وأن تساعده على تطوير مهاراته، وأن تمنحه فرصة لتغيير مساره عندما تتغير متطلبات المهنة، وأن تظل قادرة على الاستجابة للتحولات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية. إنها، في نهاية المطاف، جامعة تنتقل من مفهوم التكوين مرة واحدة إلى مفهوم التعلم المستمر، وتصبح أكثر قدرة على مواكبة المواطن في مراحل مختلفة من حياته المهنية والمعرفية. نحو جامعة مغربية أكثر مرونة… وأكثر مسؤولية من هذه الزاوية، فإن التوقيت الميسر يطرح فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الجامعة والمجتمع، فالمطلوب ليس جامعة أقل صرامة، ولا شهادات أقل قيمة، ولا معايير أكاديمية مخففة، وإنما جامعة تستطيع أن تكون مرنة في تنظيمها، صارمة في معاييرها، شفافة في تدبيرها، ومنفتحة على حاجيات مجتمعها. جامعة تستطيع أن تستقبل الطالب المتفرغ للدراسة، وفي الوقت نفسه تفتح مسارًا أمام الموظف والأجير والمهني، وجامعة لا تعتبر العودة إلى التعلم بعد سنوات من العمل استثناءً، بل جزءًا طبيعيًا من فلسفة التعلم مدى الحياة. ومن هذه الزاوية، يصبح تنويع أنماط التكوين أحد مظاهر تطور الجامعة وقدرتها على الاستجابة لتحولات المجتمع، شريطة أن يظل هذا التطور محكومًا بالجودة والاستحقاق والحكامة. من العيون… إلى أفق الجامعة المغربية من مدينة العيون، حيث تتقاطع رهانات الجامعة مع رهانات التنمية وبناء الكفاءات، يبرز هذا الورش ضمن التحولات التي تفرض إعادة التفكير في علاقة التعليم العالي بمختلف الفئات الاجتماعية والمهنية. فالتوقيت الميسر يمكن أن يوسع دائرة الاستفادة من التعليم العالي، وأن يقوي الصلة بين الجامعة ومحيطها، وأن يساهم في الاستجابة لتحولات سوق الشغل، وأن يفتح آفاقًا جديدة أمام من يرغبون في استكمال مسارهم الدراسي دون التخلي عن التزاماتهم المهنية. غير أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطًا بوضوح قواعده، وشفافية تدبيره، وجودة تكويناته، وصلابة معاييره الأكاديمية، وانتظام تقييمه. فالرهان الحقيقي لا يتمثل في الانتصار في جدل حول «المجانية» أو «الأداء»، وإنما في بناء جامعة أكثر قدرة على الاستجابة، وأكثر إنصافًا في إتاحة فرص التعلم، وأكثر صرامة في صيانة قيمة الشهادة الوطنية، وأكثر استعدادًا لمواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع. خاتمة: حين يتغير المجتمع، تتغير أدوات الجامعة إن الجامعة التي تنظر إلى المستقبل لا يمكن أن تتجاهل التحولات التي يعرفها المجتمع، كما لا يمكنها في المقابل أن تتخلى عن ثوابتها الأكاديمية والعلمية. وبين هذين البعدين، تبرز الحاجة إلى تطوير أنماط التكوين وتنويع صيغ الاستفادة من التعليم العالي بما يسمح بمواكبة مختلف الفئات، ويدعم التعلم مدى الحياة، ويقوي ارتباط الجامعة بمحيطها. فالعلم والجودة والاستحقاق والإنصاف وخدمة المجتمع والوطن تظل ثوابت لا تتغير، أما طرق الوصول إلى المعرفة وتنظيم الزمن الجامعي، فينبغي أن تظل مفتوحة على التطور. وحين يتغير المجتمع، لا تحتاج الجامعة إلى تغيير قيمها، وإنما إلى تطوير أدواتها. -مدير المدرسة العليا للتكنولوجيا بالعيون جامعة ابن زهر – أكادير The post التوقيت الميسر appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

الركيبي الإدريسي حميدمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

12 + 18 =

Check Also

ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال كولومبيا إلى أكثر من 100 قتيل

هوية بريس – وكالات ارتفعت حصيلة ضحايا الزلزال الذي ضرب غربي كولومبيا بقوة 7.4 درجات على مق…